«الميزوفونيا» تسبب الانزعاج من الأصوات

مقالات

تثير أبسط الأصوات غضب البعض وتصيبهم بالغثيان، للدرجة التي تجعلهم يبتعدون عن مصدر الصوت أو يحاولون إيقافه، وتسمى هذه الحالة بمتلازمة حساسية الصوت الانتقائية، والتي يطلق عليها أيضاً الميزوفونيا.
ويتميز هذا الاضطراب العصبي بردة فعل المصاب الانفعالية والسلبية عند سماع بعض الأصوات المهموسة، وبالذات الأصوات الصادرة من الفم، مثل المضغ والنفس والسعال، وغير هذه الأصوات الخفية، كصرير القلم وصوت الكتابة على لوحة المفاتيح.
يصاب مريض الميزوفونيا بالانزعاج الشديد والشعور بالتوتر والغضب، وتكون ردود أفعال المصابين على هذه الأصوات في العادة لا إرادية، في الوقت الذي لا يصاب المرضى بهذه الحالة بالانزعاج من الأصوات التي يصدرونها بأنفسهم.
ويعتبر انتشار الإصابة بمتلازمة ميزوفونيا غير معروف على وجه التحديد، وتتوافر مجموعات من المصابين تشير إلى أن هذه الحالة أصبحت أكثر انتشاراً من ذي قبل، وتوضح بعض الدراسات أن هناك حوالي 10% من الناس مصابون بهذه الحالة. ونتناول في هذا الموضوع مرض متلازمة ميزوفونيا بالتفاصيل، مع بيان العوامل والمسببات التي تؤدي إلى الإصابة به، وكشف الأعراض وطرق الوقاية والعلاج المتبعة والحديثة.

البداية مع الطفولة

يبدأ ظهور أعراض هذا الاضطراب في مرحلة الطفولة، ما بين 8 إلى 13 عاماً، وفي بعض الأحيان عقب البلوغ. وتستمر في معظم الحالات مدى الحياة، ويبدأ ظهور الأعراض بشكل نمطي، وكثيراً ما يكون المحفز الأول واحداً مثل ضوضاء أحد الإخوة أو الوالدين.
وتتوسع المحفزات بعد ذلك بمرور الوقت حتى تشمل عناصر سمعية أو بصرية، وتزيد أعراض هذه المتلازمة مع إحساس المصاب بالإجهاد والتعب والجوع، ولا تزال أسباب الإصابة بمتلازمة حساسية الصوت الانتقائية مجهولة. ويمكن أن تعود إلى خلل في النظام السمعي في الدماغ، كما تم وضع عدد من النظريات التي حاولت تفسير هذا الاضطراب، وأكثرها يشير إلى وجود عامل وراثي وراء الإصابة بمتلازمة ميزوفونيا.

خارج السيطرة

يدرك المصابون بمتلازمة حساسية الصوت الانتقائية أنهم يبالغون في أحيان كثيرة في ردود أفعالهم على بعض الأصوات، إلا أنهم يعترفون أن هذه التصرفات تخرج عن سيطرتهم.
ويخشى المصابون بالميزوفونيا الإفصاح عما يعانونه، خوفاً من نظرة المجتمع لهم، ويتسبب في تأخر علاج هذه الحالة عدم إدراك بعض الأطباء لطبيعة هذا المرض.
وكان ينظر إلى المصابين بهذه الحالة في الماضي على أنهم حساسون بصورة مفرطة، ومبالغون في ردود أفعالهم، وبالتالي لم يكن يؤخذ وضعهم النفسي على محمل الجد.
وترتبط هذه الحالة بالتجارب الشخصية وليس بحدة الصوت، وذلك لأن المشاعر السلبية تتولد لدى المصابين بمتلازمة الميزوفونيا من جديد بمجرد سماعهم لبعض الأصوات المحفزة.
وتتأثر حياة بعض المصابين بهذه المتلازمة للحد الذي يتجنبون معه المناسبات الاجتماعية، وربما وصل الأمر بهم إلى التفكير في الانتحار.

خلل النظام السمعي

يعزو بعض الباحثين متلازمة ميزوفونيا إلى احتمال وجود خلل في النظام السمعي في دماغ الشخص المصاب بها. وتشير أكثر النظريات إلى توافر العامل الوراثي وراء الإصابة بها، ويمكن أن تؤدي الإصابة بمرض طنين الأذن إلى زيادة نسبة الإصابة بمتلازمة حساسية الصوت الانتقائية، وأثارت الميزوفونيا حيرة العلماء، حيث إنها تختلف عن الفونوفوبيا، الخوف من الأصوات المرتفعة.
وكان عالما الأعصاب الأمريكيان باول ومارجريت جاستربوف أول من ربط بين متلازمة حساسية الصوت الانتقائية وشعور المصاب بالاشمئزاز والغضب، وذلك مطلع تسعينات القرن الماضي.
ظهر مصطلح ميزوفونيا لأول مرة عام 2002 عندما أشار باول ومارجريت إلى اضطراب كراهية الصوت، أي الحالة العصبية التي يصاحبها رد فعل سلبي تجاه أصوات معينة، مثل النقر بالقلم بصورة متكررة ومضغ الطعام والتنفس بصوت عال.

تجارب شخصية

لا يتوقف هذا الاضطراب على حدة الصوت أو تكراره، بل يتعلق الأمر بالتجارب الشخصية التي ترتبط بصوت معين سبب للمصاب حالة إحباط وغضب، وتتولد هذه المشاعر السلبية بحسب هذه النظرية عند الاستماع لهذه الأصوات مرة ثانية.
ويمكن أن يكون سبب المتلازمة حدوث نزاعات بين الآباء والأبناء، وذلك بحسب بعض الباحثين، وتكثر هذه النزاعات في الغالب أثناء تناول الطعام، وهو ما يجعل المشاعر السلبية ترتبط ببعض الأصوات الطبيعية كصوت مضغ الطعام، ومثل هؤلاء لا يعانون التوتر والاضطراب عند سماعهم للأصوات العادية، ولا تمثل كل الأصوات مشكلة لهم.

دراسة بحثية

أجرت مجموعة بحثية دراسة عام 2017 كان الهدف منها معرفة الأسباب وراء الإصابة باضطراب الميزوفونيا، وتم في الدراسة مسح أدمغة 28 شخصاً مصابين بهذا الاضطراب باستخدام الرنين المغناطيسي، في مقابل 32 غير مصابين.
وتم إخضاع الفريقين إلى 3 أنواع من الأصوات بهدف مقارنة الاستجابة العصبية والفيزيولوجية بينهما، وكانت منها الأصوات المحفزة مثل صوت التنفس، وأخرى مزعجة مثل صراخ الأطفال، والثالثة محايدة مثل المطر.
واتضح بعد الاستماع إلى كل صوت على حدة أن الأصوات المحفزة أدت إلى غضب المصابين بمتلازمة الميزوفونيا، كما أنها تسببت في تغييرات فيسيولوجية، مثل التعرق وارتفاع معدل ضربات القلب بشكل غير مبرر.
وكشفت الدراسة أن هناك تغييرات في أجزاء الدماغ عقب سماع هذه الأصوات، وبخاصة في القشرة الانعزالية الأمامية، وهي التي ترتبط بالعاطفة، حيث زاد نشاطها لدى المصابين، وهذا هو ما يفسر ردود الأفعال السلبية، وظهور التوتر والتعرق وغيرها من التغييرات الفيزيولوجية.

اضطراب عصبي

تختلف أعراض الميزوفونيا من مصاب لآخر، غير أن ردود الفعل السلبية في معظم الأحيان تكون واحدة، ويعاني المصاب بمتلازمة حساسية الصوت الانتقائية الاضطراب العصبي، بمجرد أن يستمع إلى أصوات مثل الكتابة على لوحة الأرقام في الحاسب الآلي. ويصاب بالقلق من سماع صوت مضغ الطعام أو العلكة، كما أنه يعاني التوتر الشديد نتيجة حركة القدمين والأرجل المتتابعة.
وينزعج بشدة من صوت قضم الأظافر، وربما يصاب بالسعال وضيق التنفس، وبصفة عامة فإن المصاب بالميزوفونيا يشعر بخوف شديد عند سماعه لهذه الأصوات المزعجة.

التصرف بعدوانية

وكشفت دراسة سابقة أن حوالي 30% ممن يعانون هذه المتلازمة أصبحوا عدوانيين من الناحية اللفظية، عند سماع الأصوات المحفزة، وحوالي 17% من عينة الدراسة عدوانيتهم نحو الأشياء، في حين أن ما يقرب من 14% من العينة تصرفوا بطريقة عدوانية مع الآخرين، وهم الذين يصدرون الأصوات المعينة.
وتؤدي الحساسية الشديدة للمصابين بهذه المتلازمة إلى تفاقم الإجهاد أو الجوع أو الشعور بالتعب والانهيار، وتكون بداية ظهور الأعراض في الغالب في مرحلة الطفولة، أو قبل أو خلال فترة البلوغ.
ويكون هناك سبب أولي واحد مثل الضوضاء التي تصدر عن أحد الإخوة أو أحد الوالدين، ثم يتوسع الأمر بمرور الزمن، حتى يشتمل على عناصر أخرى سمعية وبصرية.

خيارات قليلة

يشير الباحثون إلى أن تشخيص الميزوفونيا ليس معروفاً، وكذلك فإن الخيارات المطروحة لعلاج هذا الاضطراب قليلة وغير متوفرة، وينصح المصابون باستشارة طبيب نفسي وطبيب أنف وأذن وحنجرة، للتعرف إلى السبب وراء الإصابة بهذه الحالة.
ويقوم الطبيب المعالج بتدريب المصاب بهذه المتلازمة على حساسية الأصوات، وذلك من خلال أن يجعله يستمع إلى أصوات حساسة ومزعجة في البداية.
ويكون الهدف وراء هذا التدريب تعويد المصاب على هذه الأصوات، وعدم الانزعاج من سماعها، ويفيد كذلك هذا التدريب على التعامل مع مشاعر الغضب والتوتر التي تصيب المريض.

طرق مساعدة

يحاول المصابون بمتلازمة حساسية الصوت الانتقائية استخدام عدد من الطرق التي تساعدهم على التخلص من أعراض الإزعاج التي يعانونها.
وتشمل وضع سدادات قطنية في الأذن من أجل حجب الأصوات الخفية، أو وضع سماعات طبية خاصة بعلاج طنين الأذن، وذلك تحت إشراف مختص علاج مشكلات السمع.
وتساعد هذه السماعات على التخلص من الضوضاء، أو من خلال الاستماع إلى الموسيقى، ويمكن أن تفيد بعض طرق العلاج الطبيعي.
ويساعد كذلك العلاج السلوكي المعرفي على التعامل مع مشاعر الغضب والتوتر التي تصاحب هذه الحالة، وذلك تحت إشراف مختص نفسي، وكذلك الانضمام إلى صفوف التأمل والاسترخاء، مثل ممارسة اليوجا للتخلص من التوتر، ومزاولة الرياضة، حيث تساعد على التخلص من الشد العصبي.

العباقرة ومتلازمة حساسية الصوت الانتقائية

أشارت دراسة حديثة إلى أن هناك رابطاً بين متلازمة حساسية الصوت الانتقائية والعبقرية والإبداع، وبحسب الدراسة فإن ارتفاع معدل الحساسية من الأصوات يجعل الشخص أكثر إبداعاً وذكاء.
واستندت الدراسة للوصول إلى هذه النتيجة إلى واقع أن عدداً من العباقرة كان مصاباً بهذه المتلازمة، مثل الكاتب المسرحي أنطون شيخوف، وعالم الطبيعة تشارلز داريون، والكاتب فرانز كافكا.
وتفسر الدراسة هذا الأمر بأن عدم قدرة الدماغ على حجب الأصوات غير المهمة، تجعل الشخص يطور من قدراته للقيام بردود فعل تجاه مجموعة واسعة للغاية من الأصوات المحفزة، حيث يستخدم الدماغ المعلومات الإضافية التي يخزنها والتي ترتبط بالتفاعل مع هذه المحفزات، أي الأصوات.
وتتسبب هذه التجارب اليومية الحافلة بمعلومات دقيقة في شحذ قدرات هؤلاء الأشخاص، وبالتالي مقدرتهم على ربط المفاهيم والأفكار بأسلوب إبداعي.
ويفقد أي شخص في الحالات الطبيعية تركيزه بمجرد ارتفاع الأصوات من حوله، وبالتالي فإنه يعاني من أجل الحفاظ على وتيرة التفكير نفسها، وهو الأمر المختلف تماماً مع المصابين بمتلازمة الميزوفونيا، فأدمغة هؤلاء في حالة من التحفيز الدائم، ومحاولة التأقلم تجعلهم يفكرون خارج الصندوق، وبالتالي يؤدي إلى حلول ترتكز على الإبداع.