بكتیریا الفم وراء الإصابة بالتهاب اللثة الحاد

مقالات

یحتوي الفم على الكثیر من البكتیریا والجراثیم، بعضها ممرض والآخر لیس مضراً، فإذا ما اختل التوازن بین النوعین وتكاثرت الجراثیم الضارة بصورة مفرطة تصاب اللثة بالأمراض والالتهابات، مثل التهاب اللثة الحاد. وتتكاثر البكتیریا والجراثیم الممرضة مؤدیة لتراكم طبقة البلاك، وهي مادة لزجة شفافة تتكون من بقایا الطعام الموجودة بین الأسنان بالإضافة إلى اللویحة الجرثومیة واللعاب، وتنتج البكتیریا التي تعیش بها الأحماض والمواد الكیمیائیة الضارة بالأسنان، والتي تسبب في النهایة التهاب اللثة الحاد.
یصبح بلاك الأسنان مع الوقت صلباً وصعب الإزالة بالطرق التقلیدیة أي التفریش الیدوي، وتسمى المادة الصلبة جیر الأسنان، ومع تكون الجیر تنبعث رائحة كریهة من الفم، وتتهیج اللثة وتصبح حمراء ونازفة، وتظهر تقرحات مؤلمة تؤدي إلى التهاب في أطراف اللثة مسببة تخرب النسيج حول الأسنان.
وتموت أجزاء من أنسجة اللثة والأربطة والعظام التي تدعم الأسنان، وذلك نتیجة تناقص الدم الواصل لها بعد نخر طبقة البلاك للأوعیة الدمویة الواصلة لها.
ویؤدي التهاب اللثة الحاد إلى حدوث عدوى شدیدة بالأسنان، وضعف في عمل العقد اللمفاویة المناعیة القریبة، ومن الممكن أن یصاب المریض بالحمى وارتفاع درجة حرارة الجسم، وأیضاً الإرهاق والتعب.
ونتناول في هذا الموضوع التهابات اللثة الحادة، ونستعرض العوامل والأسباب التي تؤدي إلى الإصابة بها، وكذلك نقدم الأعراض الناتجة عنها مع طرق الوقایة والمعالجة الممكنة والحدیثة.

اللثة شفافة

تقول الدكتورة سنان أمجد لطفي اختصاصية جراحة الفم والوجه والفكين: تتكون اللثة من نسیج شفاف رخو یغطي العظام، ویساهم في تثبیت الأسنان، ووصول الدم لجذور الأسنان والأربطة الداعمة لها، وهذا هو سبب ظهورها باللون الزهري رغم شفافیتها، وقوام اللثة السلیمة متماسك ومرن أما المصابة بالالتهاب الحاد فتكون رخوة وإسفنجیة.
ویسمى المرض كذلك بالتهاب اللثة التقرحي المتنخر أو بفم الخندق، وهي تسمیة قدیمة تعود للحرب العالمیة الثانیة، حین أصیب الكثیر من الجنود المتحصنین بالخنادق بالتهاب اللثة الحاد. وترجع الإصابة بالتهاب اللثة الحاد لسببین رئیسیین، هما عدم نظافة الفم وضعف مناعة الجسم، ما یساعد على انتشار البكتیریا والجراثیم، والتي لا یعرف على وجه التحدید كیف تدمر تلك الكائنات الحیة الدقیقة أنسجة اللثة، ولكن الأغلب أن السموم والأنزیمات الضارة التي تنتجها هي التي تفعل ذلك.

المناعة والنظافة

تضيف الدكتورة سنان: یؤدي عدم استخدام فرشاة الأسنان وخیط الأسنان بانتظام بعد الوجبات إلى تراكم بقایا الطعام، التي تتغذى علیها الكائنات الدقیقة الضارة وتتكاثر، وتتكون طبقة البلاك التي تتحول إلى الجیر الصلب.
ویزید من فرصة حدوث التهاب اللثة الحاد عدم استخدام فرشاة أسنان مناسبة یتم تغییرها كلما تقصفت شعیراتها أو انثنت أطرافها، وكذلك في حالات عدم تنظیف الأسنان تنظیفاً جیداً. ویؤدي كذلك عدم وصول الفرشاة لكل أجزاء وثنایا الأسنان أو تأخیر تنظیفها إلى نهایة الیوم بعد ساعات من الأكل إلى تكون البكتیریا وتكاثرها، وبالتالي تكون البلاك وتراكم على الأسنان.

تأثیر التدخین

عن علاقة التدخين بالمرض تضيف د. سنان: یتسبب التدخین وشرب الكحولیات في سوء نظافة الفم، فمن المعروف أن التدخین مدمر لكل ما یمر به داخل الجسم، ویسبب اصفرار الأسنان وتكون صدید بین الأسنان ویمتلئ بالسموم، ویؤدي كل ذلك لسوء نظافة الفم وزیادة البكتیریا الضارة والإصابة بالتهاب اللثة الحاد.

ضعف مناعة الجسم

تؤكد د. سنان أمجد على دور المناعة في مقاومة الجراثیم الضارة ومنع انتشارها وإضرارها بالجسم، لذا فإن ضعف الجهاز المناعي یؤدي إلى تكاثر الكائنات الدقیقة الضارة وعدم قدرة مناعة الجسم على مقاومتها.
وتتعدد أسباب نقص المناعة وضعفها، ومن أشهر الأسباب سوء التغذیة، عن طریق عدم تناول الحد الأدنى الكافي للجسم من الطعام، أو تناول طعام غیر صحي وغیر متوازن تزید فیه نسبة السكریات والدهون، ویفتقد لأنواع الفیتامینات والبروتینات المهمة لعمل الجهاز المناعي.
یؤدي استمرار الإجهاد والتوتر أو الضغط النفسي والإجهاد العاطفي إلى ضعف مناعة الجسم أیضاً، وكذلك الإصابة ببعض الأمراض كالتهاب الكبد المزمن والحصبة والجدري المائي والسرطان والإیدز.
وتضعف وتستهلك الجروح العمیقة الكبیرة التي تنتج عن العملیات الجراحیة والحروق الشدیدة طاقة الجهاز المناعي في منع الالتهابات مكان الإصابة.
وتضعف المناعة حال إهمال النظافة الشخصیة، كعدم غسل الیدین بعد استعمال المرحاض أو بعد التنزه أو لمس أشیاء غیر نظیفة، وتضطرب المناعة مع قلة النوم وعدم أخذ قسط كاف من الراحة بشكل متكرر، وكذلك تضعف بعض الأدویة الكیماویة المناعة، وعلى رأسها أدویة تثبیط المناعة والمضادات الحیویة وأدویة العلاج الكیماوي للسرطان.

آلام حادة

أما طبيب الأسنان الدكتور عمرو الهادي فيقول: یعاني مریض التهاب اللثة الحاد ألماً حاداً في اللثة، ونزیفاً بعد الضغط علیها، وتظهر القروح علیها وتتورم، ویصبح لونها أكثر احمراراً عن الطبیعي الذي یسمى الزهري الرائق، ویلاحظ وجود خط رمادي أو جزء رمادي باللثة مع الشعور بالألم عند البلع.
ویشعر المریض بطعم سيء في فمه مع رائحة كریهة، ویمكن أن یجد تضخماً في الغدد اللیمفاویة، تحت الفك أو في العنق ویظهر غشاء یسمى بالأبیض الكاذب، وهو ناتج عن طبقة من الخلایا المیتة. وعادة لا یتأخر المصاب بالتهاب اللثة الحاد في العلاج، نظراً لما یلاقیه من آلام شدیدة وحادة في فمه، ولكن إذا تأخر أو أهمل مراجعة طبیب الأسنان فإن المرض یتفاقم وتزداد متاعب وصعوبات الأكل والبلع، وتخترب أنسجة اللثة والنسج الداعمة لها ویصبح من المحتمل أن یحدث ضرر وامتصاص لعظم الفك.

التهاب اللثة التموتي

يضيف الدكتور عمرو: یتحول المرض إذا أهمل علاجه لالتهاب اللثة التقرحي التموتي، الذي یعرف بتقرح والتهاب وموت الخلایا في اللثة الحفافیة، وهي أول اللثة من ناحیة الأسنان والتي تسمى اللثة الحرة، وتحیط بعنق الأسنان فیما یشبه یاقة القمیص، فیصبح لون هذه اللثة الحفافیة مائلاً للاصفرار، ویصعب إزالتها رغم تموتها لأنها تكشف النسیج الضام تحتها.
ویؤدي التهاب اللثة التقرحي التموتي إلى النزف التلقائي في معظم الحالات، نتیجة انكشاف النسیج الضام حول الأسنان، كما تتورم العقد اللمفاویة تحت الفكیة.
ویتسبب التهاب اللثة الحاد في مضاعفات أخرى، منها فقدان الأسنان وارتفاع احتمالية الإصابة بسرطان البنكریاس والقولون والرئة، فقد كشفت دراسة فنلندیة أن البكتیریا المؤدیة لالتهاب اللثة الحاد، لها دور في الإصابة بسرطان البنكریاس وسرعة العلاج تضعف احتمالية الإصابة بالسرطان مستقبلاً.

التخلص من الجراثیم

عن طرق العلاج يقول طبيب الأسنان الدكتور كابي حداد: یكون علاج التهاب اللثة الحاد بإیقاف المسبب، وهو البكتیریا والجراثیم عن طریق التنظیف الدقیق للثة والأسنان، واستخدام مضمضة فمویة مطهرة تحتوي على ماء أكسجین بنسبة 3% لمدة 3 أسابیع، لتأثیره القاتل في الجراثیم واستخدام المضامض الفمویة المحتوية على الكلورهیكزیدین تخفف من حدة التهابات اللثة.
ويضيف الدكتور حداد: یزیل طبیب الأسنان الأنسجة المیتة من اللثة، ولكن تتم هذه الإزالة على عدة مرات وببطء لأنها مؤلمة للمریض، ویقوم الطبیب بإزالة الجیر وتنعیم أي سطح خشن في الأسنان.
وتساعد المسكنات على كثیر من الحالات في تهدئة الآلام، ویلجأ طبیب الأسنان في بعض الحالات المتأخرة، ووجود أضرار شدیدة وواسعة باللثة إلى القیام بعملیة جراحیة لتجریف اللثة وإزالة الأنسجة المیتة.
ويوضح د. كابي طرق الوقاية قائلاً: یكون الاهتمام بتقویة مناعة المریض جزءاً مهماً من أساليب الوقاية، فیطلب منه طبيب الأسنان أن یحسن نوعیة غذائه ليحتوي على الفواكه والخضراوات والأطعمة الغنیة بفیتامین «ج» المهم في القضاء على البكتیریا والجراثیم بالفم.
ویتجنب المریض الطعام الحریف الحار أو كثیر التوابل، ویوقف التدخین والكحولیات، ولو مؤقتاً، ویعالج مشكلاته النفسیة ویتخلص من المشاعر السلبية ویخفف الضغوط عن نفسه.

التدلیك بالعسل

يضيف د. حداد: أنصح المريض بعمل مضمضة بالماء الدافئ والملح، ملعقة ملح تذاب في كوب ماء دافئ وتتم المضمضة بها، ویقوم بتنظیف أسنانه بالفرشاة ومعجون الأسنان بعد كل تناول للطعام وقبل النوم، ویتخیر النوع الجید لمعجون الأسنان، ویستخدم الخیط لتنظیف ما بین الأسنان من بقایا الأكل والبلاك المتكون والذي لا تصل إلیه فرشاة الأسنان.
ویدلك المریض لثته بالعسل الأبیض لأهمیته في تخفیف وعلاج المرض، ویتخلص المریض من العادات السیئة كإهمال النظافة أو التنفس من الفم أو مص الأصابع.
ویساعد دهن اللثة بزیت القرنفل أو مضغ 3 حبات منه في تخفیف الألم، والتخلص من التهاب اللثة الحاد، ویعمل منقوع النعناع على تعقیم الفم ومحاربة جراثیم الفم الضارة.

أخطر المضاعفات

تشیر دراسة حدیثة إلى ارتفاع احتمالیة إصابة مریض التهاب اللثة الحاد بسرطان البنكریاس بنسبة 24%، مقارنة بالذین لم یصابوا به، وفي نحو 28% ممن فقدوا أسنانهم، كان التهاب اللثة الحاد هو السبب، ویضطر طبیب الأسنان للجوء إلى الخیار الجراحي في الحالات المتأخرة، كالتي توجد فیها جیوب باللثة عمقها أكثر من 5 ملم.
ویصیب التهاب اللثة الحاد جمیع الأعمار، ولكنه أكثر انتشاراً في الأعمار ما بین 20 و 40 عاماً، ویجب على الآباء ملاحظة أسنان أبنائهم والاهتمام بها، خاصة من سن 6 و7 سنوات أو في سن البلوغ، وینتشر المرض في الدول النامیة التي یكثر فیها سوء التغذیة، وقلة الاهتمام بنظافة الفم، خاصة الصغار.
ویحتاج مریض التهاب اللثة الحاد من 3 إلى 9 أسابیع للشفاء التام من المرض، ویؤثر ضعف أو قوة مناعة المریض في طول المدة اللازمة للشفاء بشكل كبیر، مع ضرورة الأخذ بتعلیمات طبیب الأسنان ومراجعته بشكل دوري، والالتزام بالعلاجات الدوائیة والطبیعیة التكمیلیة.