اضطراب الهوية الانشقاقي طريق إلى الانتحار

مقالات

تثير النفس البشرية الحيرة في كثير من مواقفها وسلوكها، وأيضاً من حيث الأمراض التي تصاب بها، ومن هذه المشاكل الصحية، اضطراب الهوية الانشقاقي، وهو أحد الاضطرابات المتعلقة بالهوية، والذي يمكن أن يؤدي إلى الانتحار.
ويمكن تعريف الشخصية ،بأنها نمط ثابت من الاستقبال والتفكير، والتعامل مع النفس والبيئة، وإن كان ذلك بصورة نسبية، والاختلاف في حالات الشخصية يكون في اتساع مداها الاجتماعي والشخصي فقط.
يظهر المصاب بالاضطراب الانشقاقي بشخصيتين، تتميزان بأنهما مختلفتان ومنفصلتان بشكل تام، ولهما السيطرة الكاملة على طبيعة وتصرفات المصاب، وهو يتعامل بإحداهما مع الآخرين والمحيطين، ويصل للدرجة التي تجعله لا يتذكر ما قام به من أفعال وتصرفات.
ونتناول في هذا الموضوع مرض اضطراب الهوية الانشقاقي بالتفصيل، وكذلك العوامل والأسباب التي تؤدي إلى هذه المشكلة، والأعراض التي تظهر، مع بيان طرق الوقاية الممكنة وأساليب العلاج المتبعة والحديثة.

اضطرابات عقلية

تصنف الاضطرابات الانشقاقية بأنها اضطرابات عقلية، وبسببها فإن المصاب يفقد التنسيق بين الأفكار والذكريات والسلوكيات والهوية، وبتعبير آخر تحدث له حالة من الانفصال عن الأحوال التي تحيط به.
وتعود الإصابة بهذه الحالة في الأغلب إلى الصدمات التي يتعرض لها الشخص، وبالتالي فإن المصاب يحاول إبعاد الذكريات المريرة التي مر بها عن مراكز الإدراك، ويهرب بوسائل تخرج عن إرادته، وتكون غير صحية، وبالتالي تؤدي إلى معوقات ومشاكل متنوعة في حياته اليومية.
وترتبط الأعراض التي يعانيها المصاب باضطراب الهوية الانشقاقي بنوع هذا الاضطراب، كما أن الضغوط النفسية ربما تكون سبباً بزيادة هذه الأعراض، وهو الأمر الذي يجعله جلياً.
وتتراوح أعراض هذا الاضطراب من فقدان للذاكرة وصولاً إلى تبني هوايات أخرى بديلة، وعلى الرغم من أن علاج هذه الحالة صعب، إلا أن المصابين يتعلمون أساليب جديدة حتى يتأقلموا ويحيوا حياة سوية. وتعد النساء أكثر إصابة بهذا الاضطراب من الرجال؛ حيث تشير الإحصاءات التي أجريت حوله إلى أن هناك من بين كل 10 مرضى 7 إناث مصابين به.

مرحلة الطفولة

يشير علماء النفس إلى أن الاضطرابات الانشقاقية، تكون في العادة طريقة تلجأ إليها النفس للتعامل مع آثار صدمة ما، وفي معظم الأحيان، فإن هذه الاضطرابات تحدث في مرحلة الطفولة، عندما يتعرض الطفل لإحدى صور الاعتداء، وكذلك الصدمات النفسية الشديدة.
وتشمل هذه الصور الاعتداء البدني أو العاطفي أو الجنسي لمدة زمنية طويلة بشكل نسبي، والمرور بتجارب الاستغلال الجسدي، وكذلك بصورة أقل عدم تكيّف المصاب مع الواقع الذي يحيا فيه، وذلك كأن تكون بيئة المنزل غير مستقرة، أو تثير الخوف والقلق، وكذلك عندما يفقد التكيّف مع نفسه.
ويمكن أن يتسبب الضغط النفسي الذي يكون سببه الكوارث الطبيعية، أو الحروب والصراعات المسلحة في الإصابة بالاضطرابات الانشقاقية، وكذلك التعرض لبعض التجارب ذات الطبيعة السيئة كالاختطاف أو التعذيب، وفي بعض الحالات يرجع السبب إلى بعض الإجراءات الطبية المطولة في مرحلة عمرية مبكرة.

انقسام بين شخصيتين

يعيش مريض اضطراب الهوية الانشقاقي في صراع داخلي، نتيجة الانقسام الشديد بين الشخصيتين اللتين يحملهما، وذلك لدرجة أن كل شخصية يجعل لها اسماً مختلفاً.
وتظهر على المريض بسبب الصدمات المتوالية والكبيرة، أعراض واضطرابات تحولية ووجدانية، وكذلك أعراض متداخلة تنسج كلها الهوية الانشقاقية.
ويعاني كذلك بعض المصابين، تقلبات مزاجية سريعة ومتكررة، وغالباً ما تكون اكتئاباً شديداً، بسبب الصدمة التي تعرض لها.
ويتعرض البعض لوساوس قهرية، والتي تكون مؤثرة في حالته بصورة مباشرة، وترتبط هذه الوساوس كذلك بالصدمة التي تعرض لها، والرغبة في الهروب من التفاصيل المتعلقة بها، مع عدم التعرض مجدداً لها.
ويمكن أن تشمل هذه الوساوس، خوف المريض من الخروج من منزله، أو رغبته في إغلاق الأبواب بصورة جيدة، أو غسل يديه بشكل متكرر خوفاً من الجراثيم والقاذورات.
ويحاول أن يشتت المريض انتباهه من خلال اللجوء إلى بعض التصرفات الغريبة، مثل عد الأرقام أو تكرار الغناء، وتتسبب هذه الحالة بخوفه من فعل العديد من الأشياء، حتى أنه يخشى مقابلة أي شخص، أو أن يدخل المنزل.

مريض كاذب

يحاول العديد من الأشخاص الادعاء بأنهم مصابون باضطراب الهوية الانشقاقي، غير أن تصرفات هؤلاء المدعين تكون سبباً في كشفهم؛ حيث يظهرون الأعراض في شكل متضخم وشكوى متكررة، وفي العادة، فإن من يحاول هذا الأمر يكون كاذباً، وهو يدعي هذا المرض محاولة منه لتبرير أفعاله العدوانية.
ويعد أول عرض يكون سبباً في كشف هذا الادعاء، أن المصاب بهذه المشكلة بالفعل ينسى كل التفاصيل المتعلقة بالشخصية التي تنشق عنه، في حين أن الشخص الكاذب يدعي أنه فقد ذاكرته في سلوكياته الخاطئة فقط.
ويحاول من يدعي المرض، أن يضخم من تصرفاته، وذلك أثناء وقت يكون فيه تحت الملاحظة، كما أنه يحاول حل المشاكل التي تقع فيها الشخصية الأولى.
ويعد الخجل والتوتر، أحد أبرز الأعراض التي يعانيها المصاب بالفعل، وهو ما يظهر للآخرين في صورة ارتباك، إلا أن مدعي المرض لا يظهر عليه هذا الارتباك.

الموت انتحاراً

يعاني مصاب اضطراب الهوية الانشقاقي، عدداً من المضاعفات، والتي ربما كانت بسبب العلاج الخاطئ، وذلك بحسب الأبحاث التي أجريت على مصابين بهذا الاضطراب.
وتشمل هذه المضاعفات، سلوكيات عدوانية وأفعالاً متحرشة تظهر بصورة مستمرة، وربما أثرت مثل هذه التصرفات والأفعال في أفراد العائلة، وبالذات الأطفال، وهو الأمر الذي يجعل فرصة انتقال المرض في العائلة الواحدة كبيراً.
وتشير بعض النظريات إلى أن أغلبية المصابين بهذا الاضطراب ينهون حياتهم بالانتحار، أو يموتون بسبب تصرفاتهم الخطيرة أثناء نوبات المرض.
وتزيد الأمور سوءاً عندما يصاحب الاضطراب، الإصابة بأمراض أو اضطرابات أخرى، سواء أكانت عضوية أو ذهانية أو اضطرابات في الأكل، أو يكون المصاب مدمناً لإحدى المواد المخدرة أو الكحوليات.
وينصح المصابون بهذا النوع من الاضطراب، وكذلك الأشخاص القريبين منهم بالحصول على استشارة طبية بشكل فوري، وبالذات عندما يلاحظ على المريض سلوكيات إيذاء الآخرين أو نفسه، وكذلك عندما تراوده أفكار انتحارية؛ حيث يجب التوجه في هذه الحالة إلى غرفة الطوارئ.

استبعاد الأمراض الأخرى

يشمل تشخيص الحالات المصابة باضطراب الهوية الانشقاقي، إجراء تقييم للأعراض في البداية، وذلك بهدف استبعاد أي أمراض أخرى يمكن أن تكون وراء هذه الأعراض.
ويقوم الطبيب المعالج بالفحص البدني للمريض، وذلك من خلال طرح أسئلة مفصلة عليه، ومراجعة الأعراض التي يعانيها، وربما تفيد بعض الاختبارات في استبعاد بعض الأسباب، مثل بعض أمراض الدماغ أو إصابات الرأس، وكذلك الحرمان من النوم، أو التسمم؛ حيث من الممكن أن يسبب ذلك أعراضاً كالشعور بعدم الواقعية أو فقدان للذاكرة.
ويطرح الأخصائي النفسي على المريض في الفحص النفسي، عدداً من الأسئلة، والتي تقيم أفكاره ومشاعره وسلوكه، مع مناقشة ما يعانيه من أعراض، وربما تفيد كذلك المعلومات التي يجمعها من أفراد العائلة والأصدقاء وزملاء العمل.

مسارات العلاج

يعتمد علاج اضطراب الهوية الانشقاقي على 3 مسارات، منها العلاج النفسي التحليلي، وهو أشهر طرق علاج هذا النوع من الاضطرابات.
ويتم اللجوء إلى العلاج المعرفي السلوكي، إضافة إلى هذا النوع، مع تناول بعض العقاقير، وبالذات لمن يعانون أثر الصدمات، وذلك لأن هذه العقاقير تعمل على تثبيت مزاج المريض.
ويمكن أن يتم وصف مضادات الاكتئاب والقلق، أو عقاقير مضادات الذهان، وكل هذه العقاقير تساعد في السيطرة على الأعراض المقترنة باضطراب الهوية الانشقاقي، وذلك لأنه لا تتوفر عقاقير خاصة به. ويمكن اللجوء كذلك إلى العلاج بالتنويم، فهو فعال مع هذه النوعية من الاضطرابات، وجلسات الكهرباء التي تخفف من شدة الأعراض التي يعانيها المريض، وبخاصة ما يتعلق بأعراض الاكتئاب الشديد.
ويلاحظ أن الاستجابة للعلاج تكون بطيئة للغاية، وهو ما يحتاج إلى صبر من المريض، كما أنه يمكن للمصاب ارتكاب جرائم خطيرة من دون تذكر أي شيء عنها.

الانفصام والانشقاق

تكشف الإحصاءات الحديثة أن نسبة الإصابة باضطراب الهوية الانشقاقي لا تتجاوز 2%، ويدعي أكثر من ربع الأشخاص أحياناً أنهم يشاهدون أنفسهم وكأنهم في فيلم، وهو ما فسره الباحثون بأنهم ربما يكونون عانوا من ظاهرة التفارق.
وتشير دراسة جديدة إلى أن هناك ما يتراوح بين 6.5% إلى 7% من البشر مصابون بأحد أشكال الاضطرابات الانشقاقية غير المشخصة.
يتساءل الكثيرون هل هناك فرق بين انفصام الشخصية واضطراب الهوية الشخصية؟، وهناك بالفعل لبس بين هذين المرضين، فالأول يحتاج إلى أدوية تخفف ما يعانيه من هلوسات يراها ويسمعها، وهو في حاجة إلى علاج تحت إشراف طبيب نفسي في أحد المستشفيات.
ويحتاج المصاب باضطراب الهوية الانشقاقي إلى المتابعة النفسية عند معالج نفسي، وهو لا يعاني من الهلوسات التي توجد عند مريض الانفصام.
ويعد ما يميز مريض الانفصام عن المصاب باضطراب الهوية الانشقاقي، أن الأول ذو شخصية واحدة، إلا أنها مفككة أي غير ملتحمة، في حين أن الثاني له أكثر من شخصية.