سيولة الدم.. أحد الأمراض الوراثية الخطرة

مقالات

يُعدّ مرض سيولة الدم أو الهيموفيليا، أحد الأمراض الوراثية، وفيه لا يتمكن الدم من التجلط بصورة طبيعية، ويعود ذلك إلى افتقاد عدد من البروتينيات المسؤولة عن عملية التجلط، والتي يطلق عليها عوامل التخثر.
ويتسبب المرض في تعرّض المصاب إلى النزيف المستمر؛ نتيجة أي إصابة، وفي الغالب فإن الجروح الصغيرة لا تسبب خطراً كبيراً، إلا أن المشكلة تكون في الأوعية التي داخل الجسم، وبالذات في المفاصل، مثل الركبة والكوع؛ وذلك لأن أي إصابة في هذه المنطقة ربما تؤدي إلى نزيف داخلي، وهو الأمر الذي يمثل خطراً على حياة المريض.
يصنف الأطباء والباحثون، سيولة الدم إلى 3 أنواع، وذلك بحسب المعامل المسؤول عن التجلط، وينتج النوع الأول، وهو هيموفيليا «أ»، بسبب نقص عنصر التجلط رقم 8، ويسمى هذا النوع بسيولة الدم الكلاسيكية.
وتنتج هيموفيليا «ب»، نتيجة نقص معامل التجلط رقم 9، وتشير الإحصاءات إلى أن هذا النوع أكثر انتشاراً في المنطقة العربية، ويتسبب نقص معامل التجلط رقم 11 في الإصابة بهيموفيليا «ج»، وهو أقل الأنواع الثلاثة انتشاراً.
ونتناول في هذا الموضوع، مرض سيولة الدم بالتفاصيل، مع بيان العوامل والأسباب التي تؤدي إلى الإصابة به، وكذلك الأعراض التي تظهر، وطرق الوقاية الممكنة وأساليب العلاج المتبعة والحديثة.

ثلاثة عوامل محفزة

يمتلك الجسم آليات، مهمتها الأساسية هي تكوين جلطة دموية، وذلك عند حدوث نزيف خارجي أو داخلي، حيث يتم تكوين الجلطة على مكان النزيف حتى يتم وقف الدم.
ويعد الاستثناء من هذا الأمر، حالات النزيف الشديد، والتي يكون سببها إحدى الإصابات الضخمة، وذلك لأن آليات التجلط لا تستطيع التحكم فيه.
ويجب أن تتوافر لآليات التجلط، 3 عوامل محفزة لها، وهي: جرح في جدار الوعاء الدموي، وتغير في مستوى تدفق الدم، وكذلك تغير في شكل تراكم الخلايا الدموية بعضها فوق بعض، وهذه العوامل لا تحدث معاً إلاّ عقب الإصابة بجرح، سواء أكان صغيرًا أو كبيرًا.
وتأخذ آليات التجلط ما لا يقل عن 10 دقائق في المعدل التقريبي، وذلك حتى يتم تكوين جلطة صغيرة الحجم تسد الجرح، وعند الإصابة بجروح كبيرة بشكل نسبي؛ فإن الأمر يستدعي إغلاقه من خلال خياطة الأنسجة.
ويترتب على غياب أحد عوامل التجلط حدوث سيولة في الدم، وهو ما يحتاج إلى التدخل الطبي، وذلك بهدف منع حدوث أي نزيف، حتى لا يؤدي ذلك إلى فقد كمية دم كبيرة.

إصابة بسيطة

يعدّ العرض الأساسي لمرض سيولة الدم، هو حدوث النزيف، والذي يتم في أي منطقة بجسم المصاب، سواء أكانت واضحة أو غير ظاهرة، حيث يتدفق الدم بكثافة من أي جرح، بالإضافة إلى تأخر عملية التجلط، أو عدم حدوثها بشكل مطلق.
ويعدّ أكثر المناطق التي تتعرض لحدوث النزيف بسبب هذا المرض، العضلات ومفاصل الجسم، كما أن النزيف يحدث بسبب أي إصابة بسيطة، أو إجراء إحدى العمليات الجراحية الطفيفة، وعلى سبيل المثال خلع أحد الأضراس، وتعاطي إحدى الحقن أو سحب عينة من الدم.

الأنيميا هي البداية

يعاني الطفل المصاب بهذا المرض، من تكرار السقوط عند بدء تعلمه المشي، وهو الأمر الذي يصيبه بالكدمات ونزيف شديد في المفاصل، وبخاصة الركبتين.
ويتسبب هذا النزيف في ظهور ألياف وتيبس في المفاصل، وبسبب الالتهاب الحادث في مراحل النزيف، فإن عضلات الطفل تكون ضعيفة، وهو ما يعرضه لخطر الإصابة بنوع من الإعاقة، وربما يحتاج إلى عملية تغيير مفاصل في مرحلة البلوغ.
ومن أخطر أنواع النزيف التي يمكن أن يتعرض لها مريض سيولة الدم، هو نزيف الدماغ، وبسببه يتعرض للتشنج والإغماء، ويرتبط التئام الجراح بعدد من العوامل، منها عمر المصاب وطبيعة نشاطه وحركته.
ويجب الحذر من تعرض المصاب بالهيموفيليا لأي نزيف، حتى لو كان بسيطاً، مثل نزيف الأذن أو الأنف، لأنه لو استمر لفترة طويلة سيؤدي إلى فقد كميات كبيرة من الدم، وبالتالي يتعرض المريض لمضاعفات تبدأ بالإصابة بالأنيميا، وربما انتهت به إلى فقدان الوعي، وإصابة الجسم بصدمة نتيجة قلة الدم فيه.

العامل الوراثي

يعدّ العامل الوارثي، هو السبب الأساسي وراء الإصابة بسيولة الدم، وذلك لأن هذا المرض أحد الأمراض المنقولة عن طريق الجينات من الأجيال الأكبر إلى الأصغر، ومن المعروف أن الذكر والأنثي كليهما يحملان كروموسومين جنسيين، في الذكر إكس وواي، أما في الأنثى فمتطابقان إكس وإكس.
ويجب حتى تصاب الأنثى بالمرض أن يكون كلا الكروموسومين، حاملين لصفة المرض، وهو ما يعني أن الأم والأب مصابان بالمرض.
ويختلف الأمر بالنسبة للذكر، حيث يكفي أن تكون الأم فقط هي المصابة حتى ينتقل المرض إليه، وهو الأمر الذي يفسر ارتفاع نسبة الإصابة بالمرض في الذكور.
ويمكن أن ترجع الإصابة إلى حدوث طفرة جينية عند تكون عوامل التجلط، وذلك على الرغم من عدم وجود إصابة مسبقة في الأم أو الأب.

الحوامل والرضع

يجب على الأم الحامل المصابة بسيولة الدم، الحرص خلال فترة الحمل على عدم تعرضها لأي نزيف، لأنه ربما هدد حياة الجنين، وذلك بالرغم من أن جسم الحامل يفرز هرمونات تقلل من معدل النزيف بصفة عامة.
وينبغي كذلك على الطبيب، الانتباه إلى هذه الحالة الصحية أثناء عملية الولادة، وذلك من خلال توفير الاحتياطات اللازمة، والتي تأتي في مقدمتها وجود مختص أمراض دم، بهدف اتخاذ التدابير التي تقي الأم من الإصابة بأي نزيف.
وتعتبر معدلات إصابة الأطـــفال حديثي الولادة بمرض سيولة الدم مــــرتفعة، وذلك لأن المرض، أحد الأمراض الوراثية، وبالتالي ينبــغي مراعاة هذا الأمـــر، من خلال بدء علاج مثل هذه الحالات بمجرد الولادة، لأن جسد الطفل في هذه المرحلة يكون ليّناً بشدة، وغير مكتمل النمو، وبالتالي فإن تعرضه للنزيف بسبب صدمة بسيطة، أمر وارد، وهو ما يترتب عليه مشكلة كبيرة في حالة لم يتم وقف النزيف فوراً.

خطوات العلاج

يعتبر مرض سيولة الدم، من الأمراض التي يستمر علاجه فترة طويلة، ويشكل في الغالب جزءاً من نظام حياة المريض مثل أمراض السكري وضغط الدم وغيرها، ويجب على المصاب بهذا الداء، الالتزام بالتدابير اللازمة وخطة العلاج الموضوعة له.
ويبدأ العلاج من خلال فحص المريض، لمعرفة أي من عوامل التجلط مفقود، وذلك حتى يتم تعويضه إما بصورة منفردة، أو من خلال استبدال دم المريض بدم آخر يحتوي على عوامل التجلط الكاملة.
ويشمل العلاج، استخدام الثلج للتخفيف من شدة النزيف، وذلك بوضعه على المناطق المصابة وبالذات المفاصل، ويعدّ إجراءً مبدئياً، وليس حلاً جذرياً، ويمكن كذلك إعطاء المصاب مسكناً للآلام يحتوي على بروتين التجلط، ومن الممكن أن يُعطى الأطفال من هذا المسكن.
ويتم حقن الطفل المصاب، ببروتينات تجلط الدم بحقنة وريد كل يومين، وذلك حتى يتم تجنيبه أي إعاقة مستقبلية، وهذا العلاج يحافظ على المفاصل والعضلات، ولذلك فهو أفضل علاج، ويمكن اللجوء إلى العلاج الجيني مرة على الأقل في العام، وذلك بهدف منع انتقال المرض بالوراثة مستقبلاً.

أعشاب مفيدة

تشير بعض الدراسات الطبية الحديثة، إلى أن هناك أعشاباً طبيعية تزيد قدرة الدم على التجلط، وهي تستخدم كمكمل غذائي للمصاب بسيولة الدم.
وتشمل هذه الأعشاب زهرة اليارو، وهي شائعة في غابات أوروبا وآسيا، وتمتاز بعلاجها لسيولة الدم، وبالذات في فترة الحمل والرضاعة.
وتقوّي العناصر الغذائية الموجودة في نبات القراص، جدار الأوعية الدموية، وهو الأمر الذي يقلل من فرص حدوث النزيف.
ويعرف أن للبندق فوائد في علاج كثير من الأمراض، والتي تشمل سيولة الدم، وذلك من خلال المساعدة في تقوية جدار الأوعية الدموية، وزيادة قدرتها على تحمل الصدمات.
وتشمل قائمة الأعشاب كذلك، نبات الزعرور، وهو أحد النباتات المعروفة منذ القدم، وكذلك التوت البري، وبالرغم من مذاقه اللاذع والكريه، إلاّ أن له فوائد عديدة في علاج سيولة الدم.

نصائح مهمة

تشير دراسة حديثة إلى بعض النصائح المهمة المقدمة لمرضى سيولة الدم، ومنها تجنب المصابين لبعض الأطعمة التي تمنع تكوّن الجلطات في الجسم، وتشمل هذه الأطعمة الكركم، وهو ممنوع على المصابين بالهيموفيليا، لأنه يمنع تجلط الدم ويساعد على ترققه، وكذلك الزنجبيل على الرغم من احتوائه كثيراً من العناصر الغذائية والفيتامينات، ويتجنب المصابون أيضاً القرفة والفلفل.
ويفيد فيتامين «هـ» مرضى القلب؛ لأنه يحافظ على صحة القلب والأوعية الدموية، إلا أنه ممنوع على المصابين بالهيموفيليا؛ لأنه يرقق الدم ويزيد سيولته.
ويجب على المصاب بسيولة الدم تجنب الرياضات العنيفة التي تتطلب التحاماً أو تدافعاً، وعليه الحصول على استشارة طبية قبل تعاطي أي دواء؛ لأنه ربما يؤثر في قدرة الدم على التجلط.
وينبغي للمصاب بهذا المرض، زيارة طبيب الأسنان بشكل دوري، لتلافي أية أضرار تصيب الأسنان، مع المحافظة على النظافة الشخصية بصفة عامة، وتجنب التعرض لأية إصابات بشكل خاص.