السكري داء مزمن.. علاجه حُسن الإدارة

مقالات

تحقيق: راندا جرجس

يعد داء السكري من الأمراض المزمنة التي لا علاج لها؛ حيث إنه يستمر ملازم المريض طوال حياته، وهو يستهدف جميع الأعمار، كما يمكن أن يصيب الأطفال وهم ما زالوا في داخل الرحم، لأنه يصنف من الأمراض الوراثية، كما أن الإهمال وعدم المتابعة وضبط السكري بالنظام الغذائي وتناول الأدوية، يؤثران في الممارسات الحياتية للشخص المصاب، كما أنه يسبب العديد من المضاعفات على معظم أجهزة الجسم، وخاصة مع ازدياد هرمون النمو عن الحد المطلوب، وأهمها الأعصاب، والأوعية الدموية، وأمراض العيون واللثة والأسنان، وغيرها من المخاطر التي تهدد حياة المريض.
تقول الدكتورة أمل مدانات، استشارية أمراض الغدد الصماء والسكري: إن هذا المرض يمتاز بارتفاع مزمن لمستوى سكر الدم، لذا فإن العناية به يجب أن تكون مستمرة وشاملة، وينقسم إلى ثلاثة أنواع، هي:
* النوع الأول للسكري: ويحدث عندما تهاجم المناعة الذاتية خلايا «بيتا» الموجودة في البنكرياس، والمسؤولة عن إنتاج هرمون الأنسولين، ما ينجم عنه نقص تام في مستوى الأنسولين في الدم.
* النوع الثاني: ويكون نتيجة لنقص متدرج في مستوى إفراز هرمون الإنسولين وغالباً ما يصاحبه نقص في تعرف خلايا الجسم إلى الهرمون، أو ما يعرف بمقاومة مفعول الإنسولين.
* النوع الثالث: سكري الحمل الذي يصيب الحامل في الثلث الثاني أو الثالث من الحمل لدى السيدات غير المصابات بالسكري قبل الحمل.

مضاعفات مرضية

وتوضح د.أمل، أن عدم السيطرة على داء السكري، يرتبط بظهور مضاعفات، نتيجة تأثر الأوعية الدموية الدقيقة، وينتج عنها اعتلال شبكية العين الذي يعد السبب الرئيسي لفقدان البصر، واعتلال الكلى المسبب للفشل الكلوي، واعتلال الأعصاب الطرفية الذي ينتج عنه تقرحات القدمين وفقدان الأطراف، كما أن السكريين معرضون للإصابة بأمراض الأوعية الدموية الكبيرة كالذبحات الصدرية، السكتة الدماغية، وغرغرينا الأطراف.
وتضيف: «هناك مفهوم خاطئ أن النوع الثاني للسكري أقل وطأة من النوع الأول، وذلك لأسباب عدة: فمن المعروف أن النوع الثاني مرتبط بنقصان إفراز الإنسولين المتزايد على مدى الزمن، لذا فإن المرضى بعد حين سيحتاجون إلى العلاج بالأنسولين، ومن ناحية أخرى، فإن هذا النوع يبدأ بشكل تدريجي، لذا فالمصاب لا يلحظ تغيرات على وضعة العام، وفي كثير من الأحيان يتم تشخيص وجود المضاعفات عند اكتشاف السكري لأول مرة».

وصايا تدبيرية

تؤكد د. أمل، أن الإصابة بالسكري لا تعني حتمية الإصابة بمضاعفاته؛ حيث إن حسن إدارة الشخص للسكري يساعده في الوقاية من المضاعفات، ما يؤدي إلى تحسين نوعية حياته؛ حيث إن السيطرة المحكمة على السكري هي بمثابة خط الدفاع الأول من مضاعفات السكري، ويتم ذلك بالمواءمة بين النشاط الجسماني وكمية ونوعية الطعام والأدوية الخافضة لمستوى سكر الدم، وتتنوع علاجات السكري ما بين الحبوب الفموية، أو الحقن اليومية أو الأسبوعية، والأنسولين، كما يحتاج المريض إلى زيارة الطبيب المعالج أربع مرات في السنة، ومراقبة نسبة السكر التراكمي كل ثلاثة أشهر، ويفضل أن يصل إلى مستوى أقل من 6.5%، كما يجب المحافظة على مستويات دهون الدم، عن طريق التقليل من تناول الدهون المشبعة واستبدالها بالزيوت النباتية، كالألبان القليلة أو الخالية من الدسم، ولحوم الطيور والأسماك، والإكثار من الخضار؛ حيث يصل مستوى الكولسترول الكلى إلى أقل من 200 ملغم /‏دل، والسيئ أقل من 70 ملغم /‏دل والشحوم الثلاثية أقل من150 ملغم /‏دل، ويكون مستوى ضغط الدم أقل من 130/‏80 ملم/‏زئبقي، مع فحص وظائف الكلى، وفحص مستوى الزلال الخفي في البول مرة واحدة سنوياً،
وتستكمل: «يجب الحرص على فحص القدم وممارسة النشاط الجسماني كرياضة المشي السريع بمعدل 30 دقيقة بشكل يومي، وضرورة زيارة طبيب العيون والأسنان مرة في السنة، ويجب الانتباه إلى أن داء السكري ربما يختفى خلال أيام لدى المرضى المصابين بالسمنة المفرطة والسكري بعد الخضوع للعلاج الجراحي: مثل تكميم المعدة، ويعود ذلك إلى قلة كمية الطعام المتناول، وسوء الامتصاص، إضافة إلى تغيرات في هرمونات الجهاز الهضمي، ونوعية البكتيريا المعوية».

اعتلال الشبكية

ويذكر الدكتور مادهاف راو، استشاري طب العيون وجراح الشبكية، أن مرض السكرى يضر بالعينين مع مرور الوقت، ما يؤدي إلى تدهور البصر وفقدان البصر في بعض الأحيان، وهناك مجموعة من مشاكل العيون التي تُؤثر في المصابين بسبب هذا المرض، مثل: الوذمة البقعية السكرية، المياه البيضاء والجلوكوما (المياه الزرقاء)، واعتلال الشبكية السكري الذي يعد الأكثر شيوعاً، ويحدث نتيجة ارتفاع مستويات سكر الدم، ما يؤدي إلى تورم أو حدوث تسريب الأوعية الدّموية بالشبكية، وتتراوح أنواع الإصابة ما بين البسيطة والمعتدلة والشديدة، وعلى سبيل المثال، ففي اعتلال الشبكية السكري التكاثري، تبدأ في أوعية دموية جديدة غير طبيعية في النمو على الشبكية، ومع ذلك، فإن السبب الأكثر شيوعاً لقصور البصر لدى مرضى السكري هو الوذمة البقعية السكرية، والتي تسبب فقدان الرؤية، وهي شائعة بشكل خاص في الفئة العمرية العاملة وتتطلب علاجاً طويل الأمد، يبلغ متوسط الفئة العمرية التي تصاب بالوذمة البقعية السكرية 50 عاماً، وهناك بعض الحالات بعمر 24 عاماً، ومن الممكن أن تُؤثر هذه الحالة في قدرتهم على مواصلة العمل وتعطيل حياتهم بشكل كبير إذا لم يتم بدء العلاج في مرحلة مبكرة.

الوذمة السكرية

يؤكد د. مادهاف، أن السبب الأكثر شيوعاً لقصور البصر بالإمارات العربية المتحدة، هو الوذمة البقعية السكرية، وتراكم السوائل في بقعة الشبكية، ومنطقة تقع في مركز الشبكية، ما يؤدي إلى حدوث تــورم بقعة الشبكية، وسماكتها، ما ينجم عنه في نهاية المطاف تشويه الرؤية، ومن الممكن أن يؤدي إلى فقدان البصر، وتجدر الإشارة إلى أن هـــــذه الحالة لا تسبب أعراضاً، أويمكن أن تســـتمر مــــن دون أن تُلاحَظ، لكن ربما يعاني المرضى عدم وضوح الرؤية أوتبدو الألوان التي يرونها باهتة، وإذا لم يتم علاج هذه الحالة، فإنها تؤدي على المدى الطويل إلى مشاكل صحية أخرى، مثل فقدان القدرة على الحركة والاستقلالية، وانخفاض تقدير الذات وصعوبات في أداء المهام التي تتطلب تركيزاً بصرياً مكثفاً، وتُعد أفضل طريقة لتجنب تدهور هذه الأعراض بالنسبة لمرضى السكري هي إجراء فحوص العين بانتظام وزيارة الطبيب.

نصائح إرشادية

يوصى د.مادهاف، مرضى السكرى بعدد من الطرق لتجنب الإصابة ببعض حالات العين، أو للحد من تدهور فقدان البصر؛ حيث يُساعد التحكم الجيد بمستوى سكر الدم على المدى الطويل في الوقاية من الإصابة باعتلال الشبكية السكري والوذمة البقعية السكرية والحد من خطر إصابة المرضى به، وتُعد أفضل الطرق للوقاية التعاون الفعّال مع الطبيب ومراقبة أي تغييرات في الرؤية من خلال الحضور لإجراء فحوص العين المتكررة، أما بالنسبة لمرضى السكرى من النوع الثاني، فيجب أن تكون المتابعة بمعدل مرة كل ثلاثة أشهر، كما يجب التحكم بمرض السكري بالأنسولين، واتباع النظام الغذائي وممارسة التمارين الرياضية، وقياس مستويات سكر الدم بانتظام.

الأسنان واللثة

يشــــير الدكتور أحـــــمد طلبة، طبــــيب الأسنان إلى أن داء السكرى من الأمراض الشائعة، وهناك علاقة وطــيدة بينه وأمراض اللثة والأسنان، وتعد أحـــد أهم الأعراض الأساسية والظاهرة التـــي يتميز بها مريض السكري، هي نـــــقص إفزازات الغــــدد اللعابية، ما يؤدي إلى ازدياد تراكم الجير علــــى اللــــثة والأســـنان، إضـــــافة إلى الإصابة بالتسوس، والتهــــابات اللثة، ما يساعد طبيب الأسنان فـــــي التشخــــيص فيما إذا كان المــــريض لديه سكر أم لا، وهـــــناك بعض العلامات التي تظهر على الأسنان مثل:
– انبعاث رائحة كريهة من الفم التي تعد أهم مميزات هذا المرض.
– تراجع اللثة عن الأسنان، نتيجة تآكل في العظم والأنسجة المحيطة والداعمة بالأسنان، ما يؤدي إلى خلخلة الأسنان، وخاصة الأمامية.
– التهابات في اللثة حادة أو مزمنة، وحدوث خراجات ونزف لثوي متكرر، مع وجود قيح أو صديد يخرج من بين اللثة والأسنان.
– اضطراب في حاسة التذوق، وإصابة الفم بالفطريات، وخاصة في اللسان واللثة والخدين من الداخل.
– وجود فراغات بين الأسنان، ما ينجم عنه مشكلة في الإطباق.
– تأثر النسيج العظمي للفكين، ما يساعد على عدم ثبات طقم الأسنان.
– تأخر في التئام الجروح؛ حيث إن مرض السكري يسبب تلفاً في خلايا الدم البيضاء (وسيلة الدفاع الأولى للجسم ضد العدوى).

متابعة وقائية

يذكر د.أحمد، أن مرضى السكري، يمكنهم تجنب كل هذه المشـاكل والوقاية منها بالمحافظة على مستوى السكر بقدر المستطاع، وذلك بالالتزام بالأدوية والوجبات الصحية السليمة مع الاهتمام بغسيل الأسنان مرتين على الأقل في اليوم، وزيارة طبيب الأسنان بشكل دوري كل 3 أشهر، للفحـص وتنظيف الأسنان من الجير عن طــريق جهاز الألتراسونك الموجود في عيادة الأسنان، أما بالنسبة للأطفال المصابين بمرض السكري، فيتوجب على الأبوين، العناية الخاصة والمستمرة بأسنان صـغارهم، للوقاية من أمراض اللثة والأسنان المصاحبة للمرض، وذلك بالمــتابعة الدائمة في المنزل، وتعليم الطفل تفريش أسنانه 3 مرات يومياً، واستخدام خيط الأسنان الطبي مرة على الأقل يومياً، مع ضرورة دفع الصغير لتناول كمية كافية من السوائل بشكل مستمر لتعويض نقص اللعاب المصاحب لمرض السكري، وأخيراً المتابعة مع مختص أسنان أطفال بشكل دوري.

زرع خلايا البنكرياس

يعتمد علاج داء السكرى في المقام الأول عـلى تنظيم حياة المصاب بشكل صحي، وتناول الأدوية في مواعيدها، مع الحرص على الامتناع عن أنواع الأطعمة التي يمكن أن تزيد من تطور المرض للأسوأ، وكذلك ممارسة الرياضة بشكل مستمر.
وفي الحالات المزمنة يتم اللجوء لحقن الأنسولين للحد من المضاعفات التي يمكن حدوثها، ولكن مؤخراً تمكن الباحثون من التوصل إلى أن زرع خلايا في البنكرياس تعمل على تنظيم إفراز الأنسولين ونسبة السكر في الدم، وخاصة لمرضى النوع الأول، حيث إنهم يعانون انخفاضاً حاداً في مستويات السكري بالدم