«الطفل الأوسط».. متلازمة تسبب خللاً في الشخصية

مقالات

يكتسب الطفل المشاعر والأحاسيس؛ عبر تعامل الأم معه، الأمر الذي يتم منذ مرحلة الحمل، إلا أن هناك أطفالاً يمكن أن يصابوا بأعراض واضطرابات نفسية في مرحلة عمرهم الأولى، والتي ترجع إلى مشاكل في تعامل الوالدين معهم، ومن هذه الاضطرابات «متلازمة الطفل الأوسط».
ويُعرّف الأطباء «متلازمة الطفل الأوسط»، بأنها اضطراب يصيب الكثير من الصغار خلال مرحلة الطفولة، ويتسبب في الكثير من الأوضاع المُشوهة أو غير الطبيعية في الأسرة.
ويمكن أن يكون هذا الاضطراب سبباً لأضرار تؤثر في التطور النفسي والعاطفي السليم للطفل، وأيضاً للمعاناة من مضاعفات في الصحة الجسدية، وهو الأمر الذي يُلقي بظلاله على مستقبله.
نتناول في هذا الموضوع مشكلة «متلازمة الطفل الأوسط» بالتفاصيل، مع بيان العوامل والمسببات، التي تؤدي إلى هذه الحالة، وكذلك الأعراض التي تظهر، إضافة إلى طرق الوقاية المُمكنة، وأساليب العلاج المُتبعة والحديثة.

إهمال الطفل الأوسط

تحدث مشكلة «متلازمة الطفل الأوسط»؛ عندما يهمل الوالدان أو أفراد العائلة الطفل المتوسط بصورة ما؛ وذلك وقت ولادة طفل آخر، فيحصل على الاهتمام والرعاية بشكل كامل، وفي نفس الوقت فإن الطفل الأكبر، أو ما يُطلق عليه البكر يتحمل بعض المهام المنزلية البسيطة، وكذلك الأعمال السهلة، وهو الأمر الذي يجعله محط إعجاب وتشجيع الآخرين.
ويتسبب الإهمال، الذي يعانيه الطفل الأوسط في تولد شعور النقص لديه، وكذلك انعزاله عن والديه، وربما تملكته مشاعر الغيرة والحقد ناحية إخوته، وهو ما ينتهي به إلى الإصابة بهذه الحالة.
ويحدث هذا الأمر عادة بصورة طبيعية؛ لأن الوالدين لا يرغبان بالتخلي عن الابن المتوسط، أو مجرد تجربة هذا الأمر، وما ينبغي على الوالدين في هذا الجانب؛
هو تجنب الأخطاء في هذا الجانب؛ وذلك عند ملاحظة أن الطفل بدأ يتأثر باهتمامهما بأخيه الأصغر.

طفل جديد

يعد السبب الرئيسي وراء «متلازمة الطفل الأوسط»؛ هو إهمال الأم لطفلها الأوسط؛ عقب ولادة طفل جديد، ويمكن تفسير هذا الأمر بأن قلة خبرة الأم في التعامل مع طفلها الأول تؤدي إلى أن تمنحه المزيد من الرعاية والاهتمام؛ حيث تحمله دائماً ولا تتركه يبكي، وهو نفس ما يحدث من بقية أفراد العائلة كالجد والجدة.
ويختلف الأمر مع الطفل الثاني، فالأم اكتسبت خبرة من تربية أخيه الأكبر؛ ولذلك فإنها لا تبالغ في حمله، وتتركه عند بكائه؛ حيث ترى إن كل هذه الأمور كانت أخطاء وقعت فيها عند تعاملها مع الطفل الأول.
ويزداد الأمر سوءاً مع ولادة طفل جديد؛ لأنه سوف يستحوذ على اهتمام الأم والعائلة، وفي نفس الوقت فإن الأخ الأكبر يكون قد اكتسب بعض المهارات التي تُمكنه من المساعدة في القيام ببعض المهام البسيطة، وبالتالي فإنه يلقى الثناء والإعجاب من الوالدين والأقارب.
ويجد الطفل الأوسط نفسه في هذا الوقت منعزلًا، فهو لا يحوز اهتمام الأم المشغولة مع الطفل الرضيع، وكذلك الإعجاب الذي يناله الأخ الأكبر؛ لأنه يفتقد للمهارات التي تعينه على مساعدة أمه.

أسئلة بلا إجابات

يدفع الوضع بهذا الشكل إلى إثارة العديد من الأسئلة في نفس الطفل، كأن يتساءل ما مكانه في الأسرة؟ وما دوره بينهم؟ وما المطلوب منه؟
ويؤدي عدم وجود إجابات واضحة لهذه الأسئلة إلى تعرضه للإصابة بـ«متلازمة الطفل الأوسط»، والتي تظهر أعراضها في فقدان الثقة في النفس، وإصابته بالغيرة والغضب، وانعدام المبادرة لديه، والميل إلى الخجل والانطواء.
وينفصل الطفل عن دائرة الأسرة، ويصبح عنيداً بصورة كبيرة للدرجة التي يرفض فيها تلبية أي طلب من أمه، حتى لو كان في مصلحته.
وتصل الأمور في بعض الحالات المتطرفة إلى شعور الطفل بالسعادة؛ عندما يتشاجر والداه؛ حيث إن هذا يعد تعويضاً له عن إهمال الأم.
ويمكن أن تنعكس المشاعر السلبية المتولدة عن هذه المتلازمة على شخصية الطفل عندما يكبر، فيصير جامد الفكر، ولا يتقبل إلا رأيه، وربما تصل الأمور إلى مرحلة من العنف اللفظي أو الجسدي لمن يخالفه الرأي، وفي أحيان كثيرة فإن هذه النماذج تكون حياتها الزوجية غير مستقرة ومعرضة للانهيار.

علاقة ضعيفة

تشير إحدى الدراسات التي أجريت على عينة مكونة من أكثر من 350 طالباً جامعياً إلى أن الأولاد المتوسطين تكون علاقتهم بالأهل ضعيفة.
ووجه القائمون على الدراسة سؤالاً لعينة البحث عن الشخص الذي يلجأون إليه عند طلب المساعدة، هل الآباء أم الأشقاء؟.
وكانت إجابات الأبناء البكر وغيرهم، أنهم يلجأون إلى الأم أو الأب، في حين أن الأبناء المتوسطين اختاروا الإخوة والأخوات، واعتبروا كذلك الأصدقاء جزءاً مهماً من حياتهم بشكل أكبر من الأبناء البكر.
وأرجع القائمون على الدراسة هذا الأمر بأن الأبناء المتوسطين ربما قضوا وقتاً أقل مع والديهم، وهو الأمر الذي ينعكس عليهم بأنهم أقل قرباً منهم.
وأظهرت دراسة أخرى أن الأبناء المتوسطين يعدون شركاء حياة ممتازين؛ وذلك لأن بإمكانهم الانسجام مع الجميع، وهم يمتازون بإجادة التفاوض، ولديهم القدرة على استيعاب الآخرين.

مميزات كثيرة

يرى الباحثون في الجانب الآخر من هذا الاضطراب صورة مضيئة، وذلك لأن الطفل الأوسط يكتسب العديد من الصفات التي تؤهله إلى مواقع الصدارة.
ويمتاز الأبناء المتوسطون بأنهم أقل عرضة لأن يخونوا أصدقاءهم أوشركاءهم، وربما يكون ذلك انعكاس لتقديرهم العلاقات التي لا ترتبط بالقرابة، وربما تسبب تعرضهم للضغط من قبل أقرانهم في الميل لأن يصبحوا أكثر انفتاحا على الآخرين.
وتشير الأبحاث إلى أن الأبناء المتوسطين يكونون في أحيان كثيرة منفتحين ومستعدين بتجربة أشياء جديدة، مقارنة بأشقائهم الأكبر والأصغر سنا، وهو ما فسره الباحثون بأنهم كثيرا ما يجبرون على الاستقلالية والاعتماد على النفس، وبالتالي يكسبهم هذا الأمر خبرات وتجارب أكثر، ويجعلهم يختارون طريقهم وأسلوبهم الخاص.
ويمتاز الطفل الأوسط بأنه مفاوض جيد، فهو يعتاد أن يحصل على كل ما يريده بأسلوب خاص، وفي الغالب فإنه يفهم السؤال والموقف من جميع جوانبه، ولدى الطفل الأوسط مقدرة على تقديم التنازلات، وهو الأمر الذي يجعله يكسب أي جدال.

مرونة أكبر

يستطيع الطفل الأوسط أن يواجه التغيرات الطارئة أكثر من أشقائه الأكبر والأصغر، ويعود ذلك إلى المزج بين المخاطرة والانفتاح على التجربة، وهو الأمر الذي يجعله يتأقلم مع الجديد.
ويسعى كذلك إلى أن يحقق العدالة؛ حيث إنه يرى أي ظلم في الأسرة قبل غيره، وعندما يكبر يتفهم احتياجات الآخرين، ويقف إلى جانب المستضعفين.
ويكتسب مرونة وتفهماً أكثر من الأكبر أو الأصغر منه؛ وذلك يعود إلى أنه يجب عليه – ومن سن مبكرة – أن يتمتع بمنطق بليغ حتى تستمع إليه الأسرة.
كما يجب أن يكون مرناً؛ من أجل أن يشارك من هو أكبر منه سناً اللعب، ويراعي احتياجات الأصغر سناً ويعتني بهم.

البداية داخل الأسرة

يؤكد الأطباء النفسيون أن علاج «متلازمة الطفل الأوسط» يتم داخل الأسرة؛ وذلك كي يصبح إنساناً سوياً، ويتحرر من الأحاسيس السلبية.
ويبدأ الأمر من خلال منحه نفس الاهتمام والثقة التي تمنح لشقيقه الأكبر؛ وذلك عبر إسناد بعض المسؤوليات والاختصاصات، التي تكسبه الثقة في نفسه.
كما أنه يشعر بأن الآخرين يثقون فيه، ويتوازى مع هذا الأمر عدم المبالغة في تدليل الشقيق الأصغر؛ لأنه ربما تسبب في تولد أحاسيس الغيرة داخله.
وينصح بالحصول على استشارة معالج نفسي في الحالات التي تتحول فيها مشاعر الطفل المصاب إلى سلوكات عدوانية تجاه والديه وأشقائه.
ويقوم المعالج النفسي في هذه الحالة بتعديل سلوك الطفل، مع توجيه أبويه إلى أفضل الطرق التربوية، التي تساعدهما في استعادته من جديد.

نصائح مهمة

تفيد دراسة حديثة أن العديد من الخطوات والإجراءات تساهم في التغلب على متلازمة الطفل الأوسط، ومن هذه الخطوات تقديم المزيد من المستلزمات الجديدة مثل الملابس والألعاب، وعدم الاكتفاء بإعطائه مستلزمات أخيه المستعملة.
ويجب على الوالدين مراعاة قضاء وقت كاف مع ابنهم الأوسـط، مع منحه اهتمـاماً متبادلاً عبر ممارسة الأنشطة والهوايات التي يحبها، وهو الأمر الذي يجعله يشعر بأهميته في الأسرة.
وينبغي الإنصات إلى رأيه عند إجراء أي نقاش أسري، واحترام أفكاره، لأن ذلك يغرز الثقة في نفسه، ويشعر بأنه محور اهتمام الأسرة.
وتعتبر المشاجرات والمشاحنات بين الإخوة من الأمور الطبيعية، إلا أن على الوالدين مراعاة عدم التجني على الابن الأوسط، بجعله يتنازل في كل خلاف يحدث مع شقيقه الأكبر أو الأصغر، ولكن المفروض معرفة المخطئ وعقابه، لأن تكرار إجبار الأوسط على التنازل لأخويه يشعره بالاضطهاد.
ويجب الابتعاد عن مقارنة الابن الأوسط بالأكبر منه أو الأصغر، وإنما المطلوب الثناء عليه ومدح صفاته الإيجابية، ثم يتم انتقاد التصرف السلبي مع استبداله بآخر إيجابي.