«ضيق النفس الحاد»..الخطـر القـاتل

مقالات

تهدد متلازمة ضيق النفس الحاد حياة الأشخاص المصابين بها، نتيجة التهاب نسيج الرئة، وتجمع السائل في الأكياس الهوائية المرنة والصغيرة، والتي يطلق عليها الأسناخ الرئوية، أو الحويصلات الهوائية.
ويمنع تراكم السوائل داخل الأكياس الهوائية امتلاء الرئتين بالهواء الكافي، وتكون الرئتان أثقل، وأكثر صلابة بسبب هذه السوائل، الأمر الذي يعوق تمددهما للحصول على الأوكسجين.
ويقل بالتالي الدم الذي يصل إلى مجرى الدم عن معدله الطبيعي، وتحرم أعضاء الجسم من الأوكسجين اللازم للقيام بوظائفها.
تشبه هذه الحالة متلازمة الضائقة التنفسية الحادة عند الأطفال، إلا أن علاجها مختلف، وتعد من الحالات التي تهدد الحياة، لذلك تحتاج إلى تدخل سريع، ووضع المريض على جهاز تنفس صناعي.
ونتناول في هذا الموضوع مرض متلازمة ضيق النفس الحاد بالتفاصيل، ونقدم العوامل والأسباب التي تؤدي إلى الإصابة به، مع بيان الأعراض التي تظهر وطرق الوقاية والعلاج.

عرض أساسي

يطلق على هذه الحالة مسمى متلازمة الضائقة التنفسية الحادة، وكانت أول حالة تم تشخيصها بهذا المرض في عام 1967.
ويعاني المعرضون للإصابة بهذه المتلازمة إنتاناً حاداً من مصدر رئوي، كالتهاب رئوي، أو مصدر بعيد عن الرئتين، كعدوى في البطن، أو استنشاق محتوي المعدة، أو رضح للرئتين، ويؤدي كذلك للإصابة بهذه المتلازمة تلقي مشتقات دم كثيرة، أو إصابات وكسور عدة، أو الغرق.
ويعتبر العرض الأساسي لمتلازمة ضيق النفس الحادة، هو ضيق النفس الشديد، والذي يحدث في العادة خلال ساعات قليلة إلى عدة أيام من الإصابة، أو عدوى الأمراض.
ويتعافى بعض المرضى بصورة تامة، في حين أن البعض الآخر يعاني ضرراً مستمراً في الرئتين، ولا يعيش طويلاً معظم المصابين بمتلازمة ضيق النفس الحاد، كما أن خطر الوفاة يزداد مع التقدم في العمر، وشدة المرض.

ارتشاح الرئتين

تختلف أعراض متلازمة ضيق النفس الحاد، وفقاً لسبب الإصابة بالمتلازمة وشدتها، وكذلك وجود أمراض القلب، أو الرئة الأساسية.
وتشمل الأعراض نزلة تنفسية شديدة، أو ضيقاً في التنفس الشديد، وسرعة التنفس بصورة غير طبيعية، مع صعوبة فيه.
وينخفض ضغط الدم، أو ما يعرف بالصدمة، مع الارتباك، والتعب الشديد، والتشوش الذهني، وهو ما يؤدي إليه انخفاض مستوى الأوكسجين في الدم.
وتشمل الأعراض السريرية ظهور ارتشاح في صور الأشعة في كلتا الرئتين، وذلك دليل على وجود وذمة فيهما، مع عدم وجود قصور في القلب.
ويوجد كذلك دليل على خلل ملحوظ في الأكسدة، ويلاحظ الطبيب عند استخدامه السماعة الطبية أصواتاً غير عادية، تشير إلى وجود سائل في الرئة، إضافة إلى ازرقاق الجلد، والشفتين، والأظافر.

تسرب السائل للدم

تعود الإصابة بمتلازمة ضيق النفس الحاد إلى تسرب السائل من الأوعية الدموية الأصغر في الرئتين إلى داخل الأكياس الهوائية، التي تتم فيها عملية أكسدة الدم. ويحافظ في العادة الغشاء الوقائي على السائل في الأوعية، ويمكن أن يتلف نتيجة المرض، أو الإصابة الشديدة، وتحدث الإصابة نتيجة مضاعفات التهاب رئوي كبير، أو إصابة رئوية حادة.
وتحدث كذلك نتيجة مضاعفات الصدمة الإنتانية، وهي أحد أبرز أسباب الإصابة بهذه المتلازمة، وبسبب الإصابات الجسدية الشديدة، أو استنشاق الدخان، أو الأبخرة السامة بتركيزات عالية، أو السوائل الغريبة، مثل سوائل المعدة.
ويتجمع السائل في الأسناخ الرئوية بسبب التهاب أنسجة الرئة، ما يعوق دخول الأوكسجين إلى الدورة الدموية.

صورة خطيرة

يقلل تجمع السوائل إمكانية الرئة على التمدد، ويعوق قدرة الجهاز التنفسي على أداء وظيفته في إدخال الأوكسجين إلى الدم، وهو ما يخفض نسبة الأوكسجين في الدم بصورة خطيرة.
ويحدث هذا المرض في العادة مع حدوث فشل في أجهزة أخرى بالجسم، كالكليتين والكبد، ويعد أصحاب الحالة الحرجة الذين تقتضي حالتهم الصحية البقاء في المستشفى لفترات طويلة، أكثر عرضة للإصابة بمتلازمة ضيق التنفس الحاد، وكذلك المصابون بإنتان الدم. ولوحظ أن نسبة من المدخنين، ومدمني الخمور، أكثر عرضة للإصابة بالمتلازمة، وربما كانت سبباً في الوفاة.

ملازمة المستشفى

يضطر معظم المصابين بمتلازمة ضيق النفس الحاد إلى الإقامة في المستشفى، ويعود ذلك إلى خطورة الإصابة بهذه المتلازمة، وبالرغم من شفاء كثير من المرضى، إلا أن هناك من يعاني ضرراً دائماً في الرئة، يصل إلى الإصابة بتليف رئوي مزمن، وربما يعاني الكثيرون خللاً في الدماغ بسبب نقص الأوكسجين.
ويعتبر معدل وفيات هذه المتلازمة مرتفعاً، ويصل إلى نحو 55%، ويقل عدد الوفيات نتيجة تحسن الظروف العلاجية.
وتعود أسباب الوفاة إلى الفشل المجموعي، وهو ما يتعلق بالمرض الأولي، ويكون بالأساس الإنتان، وكذلك العدوى التي تكتسب في المستشفى، وفي الأغلب يكون التهاباً رئوياً، أو في أعقاب مضاعفات التنفس الصناعي، حيث يؤدي الضغط المرتفع إلى استرواح الصدر، أو إفراز وسائط التهاب.

الجلطات الدموية

يعاني المصابون بمتلازمة ضيق النفس الحاد مضاعفات نتيجة فترات بقائهم الطويلة في المستشفى، وتعد أكثر هذه المضاعفات الإصابة بالجلطات الدموية.
ويحتم استخدام جهاز التنفس الصناعي الاستلقاء من دون حركة، ما يؤدي إلى زيادة خطر الإصابة بالجلطات الدموية، وبالذات في الأوردة العميقة في الساقين.
ويؤدي تشكل جلطة في الساق إلى إمكانية انفصال جزء منها إلى إحدى الرئتين، أو كلتيهما، ما يمنع تدفق الدم.
ويمكن أن يتسبب الضغط وحجم الهواء في جهاز التنفس الصناعي، بإجبار الغاز على أن يمر من خلال فتحة صغيرة في السطح الخارجي للرئة، متسبباً بانهيار الرئة، أو ما يعرف باسترواح الصدر.

عدوى من الجراثيم

ويسهل أن تصاب الرئتان بالعدوى بسبب الجراثيم، حيث يؤدي توصيل جهاز التنفس الصناعي مباشرة بأنبوب يدخل في القصبة الهوائية، إلى مزيد من التلف فيهما.
ويمكن حدوث تندب وسماكة بالأنسجة بين الأكياس الهوائية، في ظرف فترة زمنية قصيرة من بداية الإصابة بالمتلازمة.
ويؤدي هذا التندب إلى تصلب الرئتين، وبالتالي يجعل تدفق الأوكسجين إلى مجرى الدم من الأكياس الهوائية صعباً للغاية.
ويتسبب طول مدة البقاء في المستشفى، أو على جهاز التنفس الصناعي، بالتعب والضعف العضلي، كما أن المرضى ربما عانوا اكتئاباً قابل للعلاج. وتتأثر ذاكرة المصابين بالمتلازمة وقدرتهم على التفكير، بسبب المسكنات وانخفاض مستويات الأوكسجين في الدم، وربما قلت آثار هذه المشكلة مع مرور الوقت، أو صار الضرر دائماً.

فحص جسدي

يعتمد تشخيص متلازمة ضيق النفس الحاد على الفحص الجسدي، وتصوير الصدر بالأشعة السينية، ومستويات الأكسجين.
ويجب استبعاد الأمراض والحالات الأخرى، مثل مشاكل القلب التي يمكن أن تسبب الأعراض نفسها، ويظهر تصوير الصدر بالأشعة السينية أجزاء الرئة التي تحتوي على السوائل، وحجم هذه الأجزاء، وكذلك تضخم القلب من عدمه.
وتجمع صور الأشعة المقطعية عدداً من الصور التي تم أخذها من عدة اتجاهات مختلفة، ويتم عرضها في منظر مقطعي للأعضاء الداخلية، وربما وفر هذا المقطع العرضي معلومات تفصيلية عن القلب والرئتين.
وتفيد اختبارات الدم في قياس مستوي الأوكسجين داخل جسم المصاب، بينما توفر اختبارات الدم الأخرى معلومات حول وجود عدوى أو فقر دم، ويتم اختبار إفرازات مجرى الهواء في حالة اشتباه وجود عدوى بالرئة.
ويهدف الاختبار إلى تحديد سبب العدوى، وتتشابه أعراض متلازمة ضيق النفس الحاد مع علامات مشاكل القلب الخطيرة، لذلك ربما يوصي الطبيب المعالج بإجراء فحوص على القلب.
وتشمل تخطيط كهربية القلب، حيث يتتبع النشاط الكهربي للقلب، ويكشف مخطط صدى القلب باستخدام الموجات فوق الصوتية عن المشكلات داخل تشريح ووظيفة القلب.

علاج داعم

يحتاج المصابون بمتلازمة ضيق النفس الحاد إلى البقاء في غرف العناية المركزة، ويكون الهدف من العلاج توفير الأوكسجين للمريض، إضافة إلى معالجة السبب وراء المتلازمة.
ويعتبر علاج المتلازمة علاجاً داعماً، وذلك حتى تتحسن الرئة وتعود إلى أداء عملها، ويمكن استخدام أجهزة التنفس الصناعي، من أجل إعطاء المريض كميات كبيرة من الأوكسجين للرئة المتضررة، وتكون هذه الكميات ذات ضغط عال.
وتعتبر إدارة كمية السوائل الوريدية مهمة بشكل خاص، لأن الإفراط في السوائل يؤدي إلى تراكمها في الرئتين، ونقصها يمكن أن يعرض قلب المريض وأعضائه للإجهاد، وبالتالي للصدمة.
ويشمل العلاج أدوية تعالج الإنتان، وتخفف الالتهاب، وتزيل السوائل من الرئة، ويجب مراقبة المرضى وإعطائهم المحاليل الوريدية، مع توفير التغذية وريدياً، أو من خلال أنبوب أنفي معدي.
ويعمل الأطباء على حماية الرئة من أي اختلاطات، ويمكن أن يحتاج مريض متلازمة ضيق النفس الحاد إلى عدة أشهر، أو سنوات للشفاء التام.

برامج التأهيل

ينصح الأطباء المرضى المتعافين من مرض متلازمة ضيق النفس الحاد، بعدد من الإجراءات تساعد في حماية الرئة، أولها الإقلاع عن التدخين، وتجنب التدخين السلبي.
وينصح بتلقي تطعيم الإنفلونزا السنوي، وكذلك لقاح الالتهاب الرئوي كل 5 سنين، للوقاية من خطر الإصابة بعدوى في الرئة. وينبغي للمريض الذي تم شفاؤه، الحرص على حضور برامج إعادة التأهيل الرئوي، التي تشمل تدريباً على تمارين وتثقيف واستشارات، تساعد المريض في التعرف إلى كيفية عودته إلى الأنشطة العادية، وتحقيق وزن مثالي.
ويعتبر طلب المساعدة في حالة إصابة المريض بأعراض الاكتئاب، من الأشياء المهمة، حيث إن هذا المرض يعد منتشراً بين المصابين بهذه المتلازمة.