«اضطراب الجسد» وهم يسبب الاكتئاب والانتحار

مقالات

يصاب كثير من الأشخاص بحالة من القلق المتعلق بمظهرهم الخارجي، ويدور هذا القلق حول شعورهم بوجود عيب أو أكثر لديهم، ويرجع هذا الأمر إلى حالة الهوس التي أصابت المجتمعات، والتي تتعلق بفكرة المظهر الخارجي للشخص، وهو ما أطلق عليه الأطباء الاضطراب الوهمي للجسد، أو اضطراب التشوه الوهمي للجسم، أو رهاب الإصابة بالتشوه.
ويعرف الأطباء وعلماء النفس اضطراب التشوه الوهمي للجسد بأنه اضطراب نفسي، وبسببه يعاني المصاب التركيز بصورة زائدة عن الحد بتخيل عيب شكلي، وترجع هذه المشكلة إلى عدم توافق شكل الجسم مع المعايير المثالية التي وضعها المجتمع.
يعد هذا الاضطراب منتشراً للغاية، ويصاب به الذكور والإناث على حد سواء، وفي الغالب فإن متوسط سن الإصابة يتراوح بين 15 إلى 17 عاماً، ويؤدي إلى فقدان الثقة بالنفس والاكتئاب، وكذلك التفكير في الانتحار.
ونتناول في هذا الموضوع مشكلة الاضطراب الوهمي للجسم بكل جوانبها، مع بيان العوامل والأسباب التي تؤدي إلى الإصابة بها، وكذلك الأعراض التي تظهر، وطرق الوقاية الممكنة منها مع أساليب العلاج المتبعة والحديثة.

فتيات وذكور

يتركز اهتمام الفتيات اللائي يعانين الاضطراب الوهمي للجسم على الوزن وحجم القدمين وتفاصيل الأنوثة الأخرى، وكذلك الشعر، ويكون التركيز بشكل أكبر على إخفاء العيوب، وذلك من خلال استخدام مساحيق التجميل، وهن عادة يتفقدن المرآة بصورة دائمة، ويتعمدن تنظيف الجلد وخدشه بهدف الوصول إلى الصورة المثلى.
ويشعر الذكور المصابون بهذه الحالة بعيوب في شكل عضلات الجسم، وبخفة شعر الرأس، وفي الغالب فإن الرجال المصابين بهذا الاضطراب يتجنبون الارتباط بالزواج، ويكونون أكثر ميلاً لإدمان الخمور والمخدرات.

أشكال الاضطراب

يتضمن الاضطراب الوهمي للجسد عدداً من الأشكال، ومنها توهم المصاب بسوء شكل عضلاته، وهو الأمر الذي ينتشر في الذكور، وإن كان هناك نسبة بسيطة من الإناث يعانين نفس الشعور. ويظن المصاب أن بنية جسده ضعيفة وهزيلة، وأن هيئته ليست بالشكل الذي يتمناه، وبالإضافة إلى ذلك فهو يخشى الإصابة بالبدانة.
ويعاني مرضى الشكل الثاني تخيل عيوب لدى المقربين منهم، وهو ما يطلق عليه اضطراب التشوه الوهمي للجسد بالوكالة، وفي الغالب فإن هذه العيوب لا وجود لها.
وتظن الأم المصابة بهذا الاضطراب مثلاً أن هناك عيباً في أنف ابنتها، وبالتالي تجبرها على إجراء عملية تجميل.
ويمكن أن يعاني المصاب إحساس أن ملامح الوجه غير متناسقة أو متماثلة، وذلك كأن يشعر أن العين اليسرى أصغر من اليمنى، أو أن النمش على الخدين غير متماثل، وفي بعض الأحيان يكره المصاب مظهره بشكل عام، حيث يتخيل أن هناك قبحاً بجميع أجزاء الجسم.

تغير غير منطقي

يشعر المصاب بهذا الاضطراب في بعض الحالات بأن هناك تغيراً غير منطقي حدث بأحد أجزاء جسمه، ومن ذلك مثلاً أن شعر رأسه يتناقص بشكل يومي، أو أن وجهه يتساقط بسبب ضعف عضلات الوجه، أو أن عينيه ليستا في مكانهما الصحيح.
ويقوم المصاب بتشبيه نفسه بشكل الطيور والحيوانات، حيث يشبه نفسه بالدجاجة أو القرد، أو إحدى الشخصيات القبيحة.
وتشكو نوعية أخرى من المصابين من أنهم مختلفون عن بقية البشر، وهنا تصف المريضة ملامحها بأنها غير أنثوية، أو يصف رجل ملامح جسده بالأنثوية، أو المبالغة في شكوى البعض من التجاعيد وعلامات الشيخوخة.

الخوف من المستقبل

يعاني مصاب اضطراب التشوه الوهمي للجسد الخوف من المستقبل، حيث يخشى أن تصير العيوب التي يدركها أسوأ بمرور الوقت، ومن ذلك زيادة التجاعيد أو الصلع، كما أنه يشعر بالشحوب وهزال مظهره.
ويخاف المصاب من وجود خلل عضوي في المكان الذي يظن أن به عيباً، حيث أشارت دراسة إلى أن هناك ما لا يقل عن 10% من المصابين بهذا الاضطراب يظنون أن الجزء الذي به عيب هو جزء هزيل ويعاني خللاً عضوياً، ولذلك فربما أحس المصاب بسبب انشغاله بعيب في الأنف أنه يمكن أن يكسر.

الانشغال بمظهر الجسد

تظهر أعراض الاضطراب الوهمي للجسد عندما ينشغل المصاب بشكل كبير بمظهره الجسدي، ويظن أن هناك تشــــوهات أو عــــيوباً في جسمه، والتي تتسبب في أن يبدو شكله قبيحاً.
ويؤدي هذا الظن إلى أن يكرر المصاب تفحص مظهره بالمرآة، أو على العكس يتجنب النظر إلى المرايا بشكل تام، وفي بعض الحالات يقارن المصاب بين مظهره ومظهر الآخرين.
ويضاف إلى ذلك ظن المصاب أن المحيطين به يركزون انتباههم على مظهره بصورة سلبية، وهو الأمر الذي يدفعه إلى الحصول على استشارات طبية بصورة متكررة، واللجوء إلى إجراء عمليات تجميل، وبالرغم من ذلك فإنها لا تحقق له الرضا الكافي.

أفكار انتحارية

يمكن أن تكون الأعراض على هيئة اهتمام مبالغ فيه بالعناية الشخصية، ويرفض المصاب أن يظهر في الصور تحت دعوى أن مظهره يكون غير جيد، كما أنه يتجنب اللقاءات الاجتماعية، ويفرط في وضع مساحيق التجميل بهدف إخفاء العيوب التي يتوهمها.
ويحذر الأطباء من أن الاضطراب الوهمي للجسد ربما يتضمن بعض المضاعفات، والتي تشمل أفكاراً وسلوكيات انتحارية، بالإضافة إلى الإصابة بالاكتئاب والاضطرابات المزاجية الأخرى، مثل القلق والوسواس القهري، واضطرابات الطعام.
ويصاب المريض بنقص احترام الذات والانعزال الاجتماعي وفقدان الثقة بالنفس، وهو الأمر الذي ينعكس عليه في عدم توفر صداقات مع آخرين، والتغيب بكثرة عن العمل أو الدراسة، كما أن كثرة الخضوع لإجراءات طبية دون داع سيكون له تأثير سلبي في الناحية الصحية والاقتصادية.

‏لا يزال مجهولاً

لا يزال السبب الرئيسي وراء الإصابة باضطراب التشوه الوهمي للجسد مجهولاً، إلا أنهم يرون أن كثيراً من الأمراض النفسية ترجع إلى أسباب عديدة، ومنها العوامل الكيماوية الحيوية، وذلك لأن بعض الأسانيد توضح أن النواقل العصبية التي ترتبط بالحالة المزاجية، وبخاصة السيروتونين، ربما كانت وراء الإصابة بهذا الاضطراب. وتعود الإصابة في بعض الحالات إلى عوامل نفسية كعدم الثبات الانفعالي، وفقد القدرة على التكيف مع الواقع، والميل العصابي، ويلاحظ أن كثيراً من المصابين بالاضطراب الوهمي للجسد يعانون اضطراب الشخصية الهستيرية أو الشخصية الوسواسية، وتكون الغيرة لديهم مرتفعة بشكل كبير، بالإضافة إلى مستوى عال من الاكتئاب.
ويمكن أن تعود الإصابة كذلك إلى عوامل بيئية، لأن البيئة والتجارب الشخصية ربما كانت وراء هذه المشكلة، ومن ذلك مثلاً تعرض المصاب للسخرية التي تتعلق بمظهره في مرحلة الطفولة، أو سن المراهقة، والتعرض للإساءة، والنقص في احترام الذات، مع التركيز الاجتماعي على الجمال.
وأظهرت بعض الدراسات أن العوامل الوراثية من الممكن أن يكون لها تأثير، حيث تزيد نسبة الإصابة عندما يكون هناك أحد أفراد العائلة مصاباً بهذا الاضطراب.

المعالجة النفسية

يرى بعض الأطباء أن جراحات التجميل ربما كان لها مردود إيجابي على المصابين بالاضطراب الوهمي للجسد، إلا أنهم يفضلون تجنب هذه الجراحة بشكل عام، ويمكن اللجوء إليها فقط عند وجود تشوهات خلقية أو نحافة ترجع إلى عوامل طبية.
وتعتبر المعالجة النفسية هي الأساس في التعامل مع المصابين بهذا الاضطراب، وذلك لأنها تساعد على التعرف إلى أفكار ومشاعر وسلوكيات المصاب، وهو الأمر الذي يعطيه القدرة على إيقاف الأفكار السلبية، ورؤية نفسه بشكل أكثر واقعية.
وتساعد المعالجة النفسية كذلك في سيطرة المصاب على رغبات معينة، ومن ذلك تكرار النظر في المرآة مثلاً، أو العبث بالحبوب التي توجد على وجهه.
ويسأل بعض المصابين عن الأدوية التي تمكن من علاج هذا الاضطراب، وفي الواقع فإنه لا يتوافر أي عقار تمت الموافقة عليه بخصوص هذا الاضطراب، غير أن بعض الأطباء يلجأ إلى الاستعانة بمضادات الذهان والاكتئاب في بعض الحالات، وتعتبر المجموعة الثانية هي الأكثر استخداماً، وفي العادة تكون الجرعات المستخدمة منها أكبر من التي تستخدم في علاج الاكتئاب.

نصائح مهمة

ينصح المرضى بالالتزام بحضور جلسات العلاج وإرشادات الطبيب، وعدم التوقف عن هذا الأمر دون الرجوع للطبيب، حتى لو شعر بالتحسن، لأن هذا الانقطاع ربما تسبب في أعراض انسحابية أو انتكاسة الحالة مرة أخرى.
ويشير الأطباء إلى أن علاج المصابين باضطراب التشوه الوهمي للجسد يعد صعباً، وذلك لأنهم يرفضون مساعدة الطبيب النفسي، ولا يتبعون تعليمات تعاطي العلاج، وفي كثير من الحالات يرفضونه.
ويجب على المريض التعرف إلى ما يثير الأعراض لديه، وذلك بهدف تجنبها من خلال مساعدة المعالج، كما ينصح بممارسة الرياضة وتعلم أساليب الاسترخاء وممارستها، مع تجنب الانعزال عن الآخرين.
وينبغي على المصاب بهذا الاضطراب الاهتمام بتناول الأطعمة المتوازنة، والحصول على قدر كاف من النوم، مع الابتعاد عن أي قرار مهم يتعلق بمظهره دون أخذ رأي الطبيب المعالج.

فوضى المقاييس

أشارت الأبحاث المتعلقة بالاضطراب الوهمي للجسد، إلى أن فوضى مقاييس الجمال كان لها دور كبير في إصابة الكثيرين بهذه المشكلة.
وأكدت أن مقاييس الحسن الموضوعة بصورة غير منتظمة تسببت بحبس المرأة في إطارها، لأنها تحدد من خلال معايير اجتماعية وثقافية ما هو الشيء المعيب في شكل الجسم؟ وبحسب الأبحاث فهناك مجتمعات تعلي من شأن المظهر، وتجعله معيار نجاح.
وأضافت أن الاعتقاد السائد أن الاضطراب الوهمي للجسد الذي يصيب النساء فقط، يرجع إلى قضية التنميط الاجتماعي التي تتعلق بالرجل، لأنه أمر معيب الانشغال بالمظهر الخارجي له، بالرغم من أن الإحصاءات أكدت أن الاضطراب يصيب الرجال والنساء بنسب متقاربة.