«اضطراب الهلع»..نوبات خوف متكررة تهدد حياتك

مقالات

يعرّف الأطباء والباحثون نوبات الهلع بأنها حالة من الخوف الشديد والمفاجئ، والذي يتسبب في تحفيز ردود الفعل الجسمانية، بالرغم من عدم وجود سبب لهذه الحالة.
ويظهر على المصاب بهذه النوبات عدد من الأعراض، والتي لا يتذكر كيف بدأت، وعند حدوثها يظن أن أزمة قلبية تهاجمه، أو أنه على شفا الموت.
ويمكن أن يتعرض الكثيرون لما يسمى بنوبة الهلع، وذلك مرة أو اثنتين طول العمر، إلا أن تكرار النوبات بصورة غير متوقعة، مع استمرار الخوف من الإصابة بنوبات أخرى، هذه الحالة يطلق عليها مسمى اضطراب الهلع.
تمكث نوبات الهلع مدة لا تتجاوز دقائق معدودة، ومن النادر أن تمتد أكثر من ذلك، غير أن الخوف من تكرارها يؤثر في المصاب في حياته وتعاملاته، بالرغم من أنها في حد ذاتها لا تمثل تهديداً للحياة، وتظهر أعراض اضطراب الهلع في الأغلب في أواخر فترة المراهقة، وتصيب النساء بشكل أكبر من الرجال.
ونتناول في هذا الموضوع مشكلة اضطراب الهلع بالتفاصيل، إضافة إلى كشف العوامل والمسببات لهذه الحالة، مع بيان الأعراض التي تظهر، وطرق الوقاية الممكنة وأساليب العلاج المتبعة والحديثة.

السبب مجهول

يلعب عدد من العوامل دوراً في الإصابة باضطراب الهلع؛ وذلك لأن السبب الرئيسي وراء الإصابة به لا يزال مجهولاً.
وتشمل العوامل المؤدية للإصابة الوراثة، والضغط النفسي القوي، وربما كانت هناك تغيرات حدثت في طريقة أداء بعض أجزاء الدماغ لوظائفها وراء هذا الاضطراب، وكذلك استعداد جسمي عقلي يجعل المصاب حساساً بشدة للتوتر أو المشاعر السلبية.
ويتساءل البعض عن السبب وراء استمرار نوبات الهلع، والذي يرجعه الباحثون والاختصاصيون إلى ما يتعلق بالتفسير الخاطئ لأعراض الجسد، أو ما يتعلق بالأفكار التي يعتنقها البعض.
ويحدث التفسير الخاطئ لما يشعر به المصاب في هذه الحالة، وعلى سبيل المثال فإن الألم الذي يعانيه في الرقبة والكتف يظن أنه أعراض لذبحة صدرية، في حين أن الأمر لا يعدو سوى شد وتقلص في العضلات، وكذلك عندما يعاني ألماً في الرأس مع زغللة البصر، فيتم تفسير هذه الأعراض على أنها نزيف في المخ، في حين أن الحقيقة أنه مجرد اتساع حدقة العين، حتى تستفيد من مجال البصر بشكل أكبر.

الأفكار المثالية

تؤدي الأفكار التي يصدقها الجميع دون أن يناقشوا درجة صحتها إلى معاناة نفسية للبعض، فهذه الأفكار تتسبب في مشاعر تناسبها، وبالتالي يترتب عليها تصرفات، وعلى سبيل المثال فإن الطالب عندما يعتقد عدم قدرته على النجاح في اختباراته، فهذا سيؤدي إلى توتره وعجزه وشعوره بالخوف، وبالتالي فإن درجة تحصيله سوف تقل، وربما فقد المقدرة على المذاكرة، أو اعتذر عن دخول الامتحان.
وتلعب الأفكار المثالية والبحث عن الكمال وإرضاء الجميع، والغرق في مشاعر الذنب دون مبرر حقيقي، دوراً في كثير من القلق المرضي، والذي يظهر على شكل نوبات الهلع.
وتزيد فرص حدوث هذا الاضطراب عندما يتواجد مصابون من الدرجة الأولى، ويؤدي كذلك إلى زيادة خطر الإصابة ضغوط الحياة الكبيرة، مثل موت أحد الأشخاص المقربين أو إصابته بأحد الأمراض الخطِرة.
ويمكن أن يكون للتغيرات المؤثرة في حياة بعض الأشخاص دورٌ، ومن ذلك حالات الانفصال أو الطرد من العمل، وربما كان وراء ذلك التعرض لبعض الحوادث الكبيرة، مثل الاعتداء البدني أو حادث ضخم، كما أن تعرض الطفل للاعتداء الجسماني أو الشائن وراء هذا الاضطراب.

أي وقت ومكان

يعاني المصابون باضطراب الهلع أعراضَ النوبة، والتي تهاجمهم في أي وقت أو مكان، وتشمل هذه الأعراض زيادة كبيرة في ضربات القلب، تكون مصحوبة بتدفق للدم بصورة عنيفة، وهو ما يصيب بإحساس أن هناك شيئاً يضربه من داخله.
وتتسبب النوبات في تصبب عرق المصاب، بالرغم من اعتدال الجو أو برودته في بعض الأحيان، وذلك يرجع إلى رد فعل العضلات والجسم، وهو أمر طبيعي بسبب الإشارات التي تخرج من المخ.
ويعاني المصاب رجفةً يصفها البعض أحياناً بالتشنج، وربما سبب ارتعاشاً سريعاً في العضلات، ويشعر كذلك ببعض الألم في الصدر، ويصاحب كل هذه الأعراض إحساسه بالخطر، مما يزيد من صدمته.
ويشعر بعض المصابين بهذا الاضطراب بألم قوي في أطراف اليد والأصابع، وكذلك في الرأس مع دوخة، ربما وصلت في بعض الأحيان إلى حد فقد الوعي.

اضطراب عام

يتعرض المصاب أثناء نوبة الفزع بما يمكن أن يسمى اضطراباً عاماً في مختلف أجهزة الجسم، وبخاصة الجهازين العصبي والهضمي، وهو الأمر الذي يفقده القدرة على تحريك أطرافه، وكذلك لا يستطيع تناول أي طعام أو شراب طول مدة النوبة وبعدها بفترة بسيطة.
ويتسبب شعور الخوف المسيطر على المصاب في عدم القدرة على التخلص من هذه الأزمة، وربما أدي الأمر إلى أن يقوم ببعض الأفعال غير المتوقعة أو المفهومة، وهو الأمر الذي يجعل البعض يظن أنه الجنون، وربما تسببت هذه التصرفات في وقوع بعض الأذى له.

خوف دائم

يؤدي إهمال علاج اضطراب الهلع إلى التأثير بصورة كبيرة في المصاب؛ لأن خوفه من النوبات التي تهاجمه ربما يجعله يعيش في خوف دائم، وبالتالي يفسد حياته.
وتشمل المضاعفات التي يتعرض لها المصاب بنوبات الهلع الإصابة ببعض أنواع الفوبيا، مثل الرعب من مغادرة المنزل، وفوبيا قيادة السيارات.
وتؤدي به النوبات إلى احتياجه للاستشارات الطبية بصورة متكررة، كما أنها تجعله يتجنب الكثير من الاختلاط بالآخرين، وبخاصة من لا يعلمون حقيقة مرضه، كما أنها تسبب له الكثير من الأزمات المالية.
ويعاني نتيجة هذا الاضطراب مشكلاتٍ في العمل أو الدراسة، وربما أدي هذا الاضطراب إلى إصابته باضطرابات نفسية أخرى، وعلى رأسها الاكتئاب، ويمكن أن يلجأ المصاب إلى إدمان المواد المخدرة أو الخمور، ويزيد لديه التفكير في التخلص من حياته.

نقاط التشخيص

يشير الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية إلى أن هناك نقاطاً محددة يتم تشخيص المصاب باضطراب الهلع عندما تتوفر به.
وتشمل هذه النقاط تكرار المعاناة من نوبات الهلع وبشكل غير متوقع، ويعاني المصابُ الشعورَ بالقلق بصورة مستمرة عقب حدوث نوبة الهلع.
ويستمر الخوف مما يترتب على هذه النوبات، ومن ذلك التعرض لنوبة قلبية أو تغيرات في السلوك بصورة كبيرة، ومن ضمن نقاط التقييم أن هذه النوبات لا يكون سببها تناول أي مواد مخدرة، أو الإصابة بإحدى الحالات الطبية، أو أحد الاضطرابات الأخرى مثل الوسواس القهري. ويجب أن يقوم الطبيب بإجراء فحص بدني للمصاب، واختبارات دم بغرض التأكد من الحالة الصحية العامة، وكذلك تقييم نفسي.

نفسي ودوائي

ينقسم علاج اضطراب الهلع إلى نوعين نفسي ودوائي، وبصفة عامة فإن العلاج يهدف إلى تقليل حدة النوبات، وكذلك تقليل عدد مرات حدوثها، وهو الأمر الذي يجعل حياة المصاب بهذا الاضطراب أفضل.
ويعد العلاج النفسي لاضطراب الهلع ونوباته الخيار الأول؛ وذلك لأنه يساعد المصاب على فهم أبعاد هذا الاضطراب، وبالتالي التعامل معه والتغلب عليه.
ويساعد العلاج السلوكي المعرفي للمصاب على التعلم من خلال تجربته الشخصية، أن الأعراض التي يعانيها أثناء نوبات الهلع لا تشكل خطراً على حياته، كما أن المعالج يمكنه المساعدة عبر جلسات العلاج في إعادة ترتيب الأعراض بصورة تدريجية وبشكل آمن. ويبدأ الشفاء من هذه النوبات في الوقت الذي لا يشعر المصاب أن هذه الأعراض تشكل تهديداً لحياته، كما أن العلاج الناجح يجعله غالباً يتغلب على الخوف من بعض المواقف، التي كان يبتعد عنها نتيجة هذه النوبات.
ويلاحظ أن العلاج النفسي يستغرق فترة زمنية ليست بالقليلة، حتى تظهر نتائجه الإيجابية، والتي تبدأ بانخفاض أعراض النوبات، وفي الأغلب فإن الأعراض تقل بصورة ملحوظة، ثم تنتهي بشكل كلي خلال بضعة أشهر.

مضادات الاكتئاب

تساعد الأدوية في التقليل من الأعراض التي ترتبط بنوبات الهلع، وتشمل هذه العقاقير مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية المضادة للاكتئاب، وكذلك مثبطات استرداد السيروتونين والنورابينيفرين، وهي أيضاً من مضادات الاكتئاب، والبنزوديازيبينات، وهي نوع من المهدئات يستخدم كمسكن للجهاز العصبي المركزي، ويمكن استخدامه في غرفة الرعاية المركزة، للمساعدة على إيقاف نوبة الهلع، وفي العادة لا يتم استخدامه فترة طويلة؛ لأنه يسبب الإدمان.
ويوصي الطبيب المعالج بالجمع بين أدوية بعينها؛ بهدف تعزيز فعالية العلاج، وبصفة عامة فإن الأمر سيأخذ بضعة أسابيع حتى تتحسن الأعراض.
ويجب الانتباه إلى أن كل هذه الأدوية لها آثار جانبية، وبالتالي فيجب على المصاب مراجعة طبيبه المعالج ومناقشته في هذه الآثار.

تغيير وضع الجسم

وجه بعض الباحثين وعلماء النفس عددا من التوصيات والنصائح للمصابين باضطراب الهلع، والتي يمكن أن تسهم في تقليل حدة النوبات والسيطرة على أعراضها.
وتشمل هذه النصائح تغيير وضعية الجسم بمجرد الشعور بنوبة هلع، فيقوم المصاب بتغيير وضعيته إلى الوقوف أو الجلوس بصورة مستقيمة، لأنه هذا يساعد على التنفس بصورة جيدة.
وتساعد كذلك الحركة على تقليل مستويات هرمون الكورتيزول المسؤول عن القلق والتوتر، ومثلا يمكن للمصاب أن يقوم بالمشي ببطء حتى يقاوم القلق.
وتفيد الحركات المتكررة في صرف انتباه المصاب عن الإحساس بالقلق، ويمكن تحقيق ذلك من خلال استخدام كرة التوتر أو بعض الخرز.
وأشار عدد من الباحثين إلى أن الماء البارد يحفز الجهاز السمبثاوي العصبي، حيث يقوم بإبطاء معدل ضربات القلب، وبالتالي يعمل على تهدئة الأعصاب.
ويحسن من مستويات القلق لدى المصاب باضطراب الهلع، وكذلك يقلل من هرمون الكورتيزول مضغ العلكة لمدة أسبوعين، وذلك بحسب إحدى الدراسات الحديثة.