تصلب الشرايين..داء العصر

مقالات

تحقيق: راندا جرجس

يستهدف تصلب الشرايين، الأشخاص المصابين به في هدوء وصمت، من دون أي أعراض، حتى ترتفع نسبة الانسداد، وتؤدي إلى إعاقة تدفق الدم؛ حيث إن هذا المرض ينتج عن ترسب الدهون على الجدار الداخلي للشرايين، ما يزيد من سمكه وصلابته، وينجم عنه تصلبها وتضيقها تدريجياً، ويعد تصلب الشرايين من أمراض العصر، التي تعد سبباً رئيسياً للإصابة بالنوبة القلبية، والسكتة الدماغية، وأمراض القلب والأوعية، وتجدر الإشارة إلى وجود بعض المؤثرات، التي تعد عاملاً أساسياً في حدوث انسداد الشرايين؛ مثل: التدخين، السمنة، وبعض الأمراض المزمنة كالسكري، الكوليسترول، ارتفاع ضغط الدم، وعدم الالتزام بنظام الحياة الصحي.
يقول الدكتور فاروق بلال (استشاري أمراض القلب التداخلية)، إن معــــظم المرضى الذين يعانون تصلب الشرايين العصيدي، في الغالب لا تظهر علــــيهم أية أعراض في المراحل المبكرة من الإصابة، فـــي حين يترافق تضيق الشــــرايين وازديــاد انسدادها مع شعور المريض بألم في الصــــدر عند بذل مجهـــود ما، خاصــة عند المشي، وتُعــــرف هذه الحالة الصــحية باسم «الذبحة الصدرية النموذجـــــية»، ويمكن أن تزول بعــــد الراحة وتناول الأدوية المناسبة، وربما ينتشر هذا الألم إلى العنق والطرف العلوي الأيســـر، ومن العلامــــات الأخرى، التي يمكن ظهورها؛ هي: الشعور بضيق في التنفس عند الحركة، إضافة إلى التعب وخفقان القلب.
وتعد الفئة الأكثر عرضة لهذه الإصابة: مرضى السكري إلى جانب المدخنين، والمصابين بارتفاع ضغط الدم والكوليسترول، والبدانة البطنية، والتوتر والضغط النفسي، وغير الملتزمين بممارسة التمارين الرياضية بانتظام، إلى جانب أصحاب الأمراض الوراثية: (تصلب شرايين القلب التاجي).

مخاطر ومضاعفات

يذكر د. فاروق أن أسباب «تصلب الشرايين العصيدي» تتنوع بين العوامل الوراثية والأنظمة الغذائية والأمراض؛ مثل: داء السكري وارتفاع الكوليسترول وضغط الدم والتدخين؛ حيث تؤدي جميعها إلى تراكم اللويحات على الجدار الداخلي للشرايين الإكليلية، ويتم التشخيص بناء على نتائج تحاليل الدم؛ لمعرفة نسبة الكوليسترول وسكر الدم، واختبار الجهد على جهاز المشي، مع تخطيط صدى القلب عند الجهد، واختبار الإجهاد النووي، وفحص الشريان السباتي وشرايين الأطراف السفلية بالموجات فوق الصوتية (دوبلر)، والتصوير الطبقي المحوري للأوعية الدموية مع فحص الكالسيوم، وتصوير الأوعية التاجية، والذي يعد المعيار الأمثل للكشف عن التصلب العصيدي، ما يؤدي إلى تعرض الشخص المصاب إلى مضاعفات خطرة كالإصابة بنوبة قلبية، أو اضطراب نظم القلب، أو الموت المفاجئ بأزمة قلبية، أو السكتة الدماغية، أو مرض الأوعية الدموية المحيطية، الذي ربما يؤدي إلى مخاطر بتر أحد الأطراف، أو التصلب العصيدي في الشرايين الكلوية مع ارتفاع ضغط الدم الثانوي.

التصلب اللويحي

يوضح الدكتور فكري الديب، (استشاري الأمراض القلبية التداخلية)، أن الأسباب الحقيقية التي تؤدي إلى الإصابة بمرض التصلب اللويحي لا تزال غير معروفة تماماً حتى الآن، إلا أنه يرتبط بشكل واضح بتقدم السن وما يتركه من تأثير على الأوردة والشرايين، ويعني تصلب الشرايين ازدياداً واضحاً في تصلب وسماكة الأوعية الدموية (الشرايين) التي تحمل الأوكسجين والعناصر الغذائية من القلب إلى باقي أنحاء الجسم، ما يؤدي أحياناً إلى إعاقة تدفق الدم إلى باقي الأعضاء والأنسجة، وتتسم الشرايين السليمة بالمرونة وقابلية التمدد، ولكن جدرانها يمكن أن تتصلب مع التقدم في السن، وهو ما يعرف بتصلب الشرايين.
يستكمل: يعد التصلب اللويحي أحد أنواع تصلب الشرايين، إلا أن المصطلحين يستخدمان أحياناً للدلالة على نفس المرض؛ حيث يشيران إلى تجمع الدهون والكوليسترول ومواد أخرى على جدران الشرايين على شكل لويحات، ما يعيق تدفق الدم فيها، ويمكن لهذه اللويحات أن تنفصل عن جدار الشريان، لتتحول إلى خثرة تسري في الأوعية قد تتسبب بحدوث الجلطات، ويصنف التصلب اللويحي ضمن أمراض القلب عادةً إلا أنه يمكن أن يصيب الشرايين في مختلف أنحاء الجسم، إلا أن الأمر الجيد أنه يمكن الوقاية من هذا المرض، وعلاجه تماماً.

تطور المرض

يفيد د. فكري بأن هناك العديد من العوامل التي ثبت أنها تسهم في تسريع تطور مرض التصلب اللويحي، ومنها ارتفاع ضغط الدم وداء السكري واضطرابات الدهون في الدم والتدخين ونمط الحياة غير النشيطة والسمنة ومقاومة الأنسولين والالتهابات الناتجة عن الأمراض؛ مثل التهاب المفاصل والذئبة أو الإنتانات، أو الالتهابات مجهولة السبب ونمط الحياة المملوء بالتوتر، وتتطور الإصابة بالتصلب اللويحي تدريجياً، وعادةً ما لا يكون للحالات الخفيفة من المرض أي أعراض ملحوظة، وتظهر أعراض التصلب اللويحي بشكل واضح عندما يتسبب التصلب اللويحي بتضيق أو انسداد الشريان لدرجة تعيق تدفق الدم بشكل كاف للأعضاء أو الأنسجة، وربما تسد خثرة دموية تدفق الدم بشكل كامل أو تتحرر بشكل يسبب نوبة أو سكتة قلبية.

أعراض الإصابة

يؤكد د. فكري أن أعراض التصلب اللويحي التي تظهر في الحالات المتوسطة والشديدة تعتمد على الشريان المتأثر؛ حيث يمكن أن تؤدي إصابة الشرايين القلبية إلى أعراض تشمل آلام الصدر أو الضغط (الذبحة الصدرية)، أما إصابة الشرايين المؤدية إلى الدماغ فتشمل أعراضها الخدر المفاجئ أو الضعف في الذراعين أو الساقين، وصعوبة أو إدغام الكلام، وفقدان الرؤية بشكل مؤقت في إحدى العينين أو ارتخاء عضلات الوجه، وتشير هذه الأعراض إلى الإصابة بنوبة نقص تروية عابرة، التي ربما تتحول إلى سكتة دماغية إذا لم تتم معالجتها، وكذلك ينجم عن إصابة الشرايين المؤدية إلى الأطراف بالتصلب اللويحي، عدة أعراض تشمل داء الشريان المحيطي، كآلام الساقين أثناء المشي (العرج)، أما عندما يستهدف هذا المرض الشرايين المؤدية إلى الكليتين ينجم عنه ارتفاع ضغط الدم أو الفشل الكلوي.

نتائج مرضية

يؤكد د.فكري أن مضاعفات التصلب اللويحي تعتمد على الشرايين المتأثرة بالمرض، ويختلف باختلاف الشريان المصاب؛ حيث إن تضييق الشرايين القريبة من القلب يؤدي إلى الإصابة بداء الشريان التاجي، والذي يتسبب بآلام في الصدر (ذبحة صدرية) أو نوبات قلبية أو بقصور القلب، وعند إصابة الشرايين المؤدية إلى الدماغ ينجم عنه داء الشريان السباتي، والذي يتسبب بنوبة نقص تروية أو سكتات دماغية، وعندما يستهدف الشرايين المؤدية إلى الأطراف، يُحدِث مشاكل في تروية الأطراف، تعرف بداء الشريان المحيطي، ويمكن أن يؤدي ذلك إلى خفض القدرة على الإحساس بالحرارة أو البرودة ما يزيد من خطر التعرض للحروق أو قضمة الصقي، وفي بعض الحالات النادرة، يمكن أن يؤدي نقص التروية الحاد إلى «تموّت الأنسجة؛ أي (الغنغرينا)»، وفي حالة تضييق الشرايين المؤدية إلى الكلى، ما يمنع الدم الحامل للأوكسجين من الوصول إليها، ويمكن أن يؤثر ذلك مع مرور الوقت في وظائف الكلى، بشكل يعيق طرح الفضلات خارج الجسم.

أساليب وقائية

يوصي د. فكري بضرورة الاعتماد على نمط صحي، يمكن أن يعالج التصلب اللويحي أو يقي منه، ويشمل ذلك:
– الإقلاع عن التدخين.
– اتباع حمية صحية ومتوازنة.
– ممارسة التمارين الرياضية باستمرار.
– المحافظة على الوزن في نطاق صحي.
– التغييرات في نمط الحياة تتم خطوة تلو الأخرى، ما يسمح بالاستمرار فيها على المدى الطويل.

انسداد الشرايين

تشير الدكتورة منى محمديوة، أخصائية أمراض القلب، أن تصلب الشرايين أصبح من أهم أمراض العصر، والسبب الأول للوفيات في العالم؛ وذلك نتيجة لتزايد نسب المرضى الذين يصابون بارتفاع ضغط الدم، وداء السكري، وارتفاع نسبة الكوليسترول، والدهون الثلاثية المرتبطة بالسمنة، وانتشار التدخين، وكذلك العوامل الوراثية التي تعطي فرصة أكبر للإصابة بتصلب وانسداد الشرايين التاجية، إضافة إلى الضغوط النفسية اليومية التي تسبب انقباضات فعلية بعضلة شرايين القلب التاجية، كما يعد نمط الحياة غير الصحي، واستهلاك الطعام المشبع بالدهون، والوجبات الجاهزة، وعدم ممارسة الرياضة، من أهم أسباب الإصابة بأمراض القلب، وخاصة الإصابة بالتصلب والانسداد اللذين يسببان ضعفاً في تروية عضلة القلب، ما ينتج عنه احتشاء العضلة أو جلطة قلبية أو الموت المفاجئ.

علاج تداخلي

تشير د. منى إلى أن إجراء القسطرة القلبية أحدث طفرة في علاج انسداد وضيق الشرايين بدون تدخل جراحي في السنوات الأخيرة، وتم اعتمادها بدلاً من عمليات القلب المفتوح؛ حيث إن العلاج التداخلي يكون من خلال إدخال القسطرة من فتحة مليمترية من اليد أو الفخذ للوصول إلى أدق شرايين القلب، ومن ثم تسليكها ووضع الدعامات القلبية عند الحاجة، دون اللجوء إلى إعطاء المريض تخديراً كلياً، ما يحافظ على أوردة الرجل، ومزاولة حياته اليومية في غضون يومين أو ثلاثة، ويسرع فترة النقاهة بشكل ملحوظ.
تضيف: إن تصلب الشرايين عملية تدريجية ومستمرة، وعلاج الشريان عن طريق القسطرة والدعامة يجعل الشريان يعود إلى حالته الطبيعية بشكل تقريبي، ولكن احتمالات رجوع انسداده تبقى قائمة إن لم يتم التحكم في مختلف عوامل خطر القلب كارتفاع ضغط الدم، السكري، السمنة، ارتفاع نسبة الدهون، والتدخين، إضافة إلى الممارسة الدورية للرياضة التي تسمح بتطـــور أوعية دمـــوية موازية مــــع الزمـــن؛ تساعد في تأمين تـــروية عضـــلة القلب بدلاً عن المتضررة.

أسلوب حياة

تؤكد د. منى أنه يمــــكن الوقاية من تصلب الشرايين عن طريق إجراء بسيط، وهو تغيير أسلوب الحياة، والممارسة المستمرة للرياضة على الأقل المشي لمدة نصـــف ساعة خمس مرات في الأسبوع، والإقـــلاع عن التدخين واتباع حمية غذائية صــــحية بعيدة عــن الدهــــون، وكذلك معالجة الأمراض المزمنة؛ مثل ارتفـــاع ضغط الدم، السكري، والالتزام بالأدوية، والتعامل بإيجـابية مـــع ضغوط الحـــياة اليومـــية، كمــــا يجب أن يضــع المريـــض فــي الاعتبار أن احتــــمال رجوع المرض يعد قـــــائماً، ويمكن حدوث التصـــلب على نفس الشريان أو على الشرايين التـــي لم تكن مصـــابة، إن لم يتبع تعليمات الطبيب المعالج له.

أم الدم

يعرف تمدد الأوعية الدموية بـ (أم الدم)، وهو من المضاعفات الخطيرة التي تحدث للأشخاص المصابين بالتصلب اللويحي في الشرايين، وهو انتفاخ في جدران الشرايين ويصيب مختلف أنحاء الجسم، حيث يشعر المريض بهذه الإصابة بآلام وإحساس بالخفقان في المنطقة التي يوجد بها تمدد في الأوعية الدموية، وربما يتطور الأمر لحدوث نزيف داخلي يهدد حياته أو ربما يكون على شكل تسرب بطيء.
ويمكن أن تتسبب هذه الخثرات في سد شريان آخر في الجسم، وتعتبر أم الدم من المضاعفات الطارئة التي تتطلب تدخلاً طبياً على الفور.