سوء التغذية..ناقوس الخطر

مقالات

تحقيق: راندا جرجس

بعد تخطي مرحلة الطفولة يخرج الأبناء عن سيطرة الوالدين في التحكم فيما يتناولون من أطعمة، ويعتمدون على أنفسهم في اختيارها، كما أنهم يجهلون الفوائد الصحية للأطعمة والعناصر الغذائية الموجودة، وقيمة الوجبات المتوازنة، حيث إن فترة المراهقة تجعلهم في حالة عدم اتزان أو انتظام في مواعيد الطعام ويميل البعض منهم لعمل ريجيم أو إلى الأكلات النباتية فقط ما يفقدهم فرصة النمو بشكل صحيح، ويعد الأطفال وكبار السن أيضاً من الفئة المعرضة لسوء التغذية ما يؤثر في حالتهم الصحية.
تقول الدكتورة دينا البلتاجي أخصائية التغذية، إن التغذية السليمة تبدأ من المنزل، حيث إنه على الوالدين أن يكونوا قدوة مثالية يحتذي بها أبناؤهم، فمشاركتهم في تناول الوجبات الصحية يشجعهم على الإقدام عليها، مع الأخذ في الاعتبار عدم توجيه النقد الدائم على سلوكياتهم الغذائية حتى لا يتولد عندهم التعنت والتشبث بالرأي، ومن المهم أن نتذكر أن الأمر ليس خيارات فردية للطعام وإنما هي قرارات صحية وأخرى غير صحية، وفي كل الأحوال سينمو المراهق، وسيصل لمرحلة النضج لكنه سيتعود على عادات غذائية إما أن تكون صحية أو خاطئة تسبب الأمراض، والجدير بالذكر أن المراهقين يحتاجون إلى تناول جميع أنواع الأغذية الرئيسية حيث إن هذه الفترة تتميز بنمو الجسم السريع والتغير الكبير في الهرمونات التي تحتاج إلى عناية وتغذية خاصة، تمكنهم من تخطي هذه المرحلة بصحة جيدة، حيث إن أجسامهم تكون في هذا العمر بحاجة إلى تناول من 2200 إلى 3200 سعرة حرارية في اليوم للحفاظ على معدلات النمو المناسبة بينما تحتاج الفتيات ما بين 1800 إلى 2400 سعرة حرارية في اليوم، والتي تزيد على حاجة الكبار في المعدل المتوسط، ولذلك فإن اتباع نظام غذائي صحي يحتوي على جميع العناصر الغذائية من كربوهيدرات، بروتينات ودهون، بالإضافة إلى الفيتامينات والمعادن، أمر لا بد من مراعاته، لبناء جيل من الشباب الصحيح بدنياً ونفسياً قادر على العمل والإنتاج.

كربوهيدرات وبروتينات

تفيد د. البلتاجي بأن الكربوهيدرات تنقسم إلى البسيطة والمعقدة وهي المسؤولة عن منح المزيد من الطاقة لفترات أطول وهي ضرورية للمراهقين بنمط حياتهم، ومن الأمثلة الجيدة على ذلك الخبز والقمح الكامل، الأرز البني، أما الكربوهيدرات البسيطة فهي عادة ما تكون السكريات التي لا تقدم طاقة طويلة الأجل والإفراط في تناولها يسبب زيادة غير مرغوبة في الوزن، بالإضافة إلى مشاكل صحية أخرى، ولا بد أن نعرف أهمية البروتينات لبناء العضلات ونموها، ومن الأمثلة على مصادر البروتين: اللحوم الحمراء، الدجاج، السمك، البقوليات، أما الدهون فمنها الدهون الأحادية غير المشبعة (مثل زيوت عباد الشمس والزيتون) وهي هامة في عملية النمو، ومنها الدهون المشبعة، التي تؤدي لانســداد الشرايين وارتفاع مستويات الكوليسترول مثل الدهون الموجودة في السمن والزبدة، وعلى الرغم من أن معظم المراهقين يحصلون على ما يكفي من البروتينات والكربوهيدرات والدهون، إلا أنهم لا يتناولون الكمية الكافية لهم من الألياف والخضراوات والفواكه، وبالتالي يعانون نقصاً في نسب الفيتامينات والمعادن.

عادات خاطئة

تؤكد د. البلتاجي على أن هناك عادات خاطئة يفعلها الفتيان والفتيات بعد تخطي مرحلة الطفولة، وغالباً ما يفضل المراهقون الوجبات السريعة المليئة بالدهون المشبعة مثل الهامبرجر، السجق، البيتزا، الشكولاتة، الحلوى، حيث تحتوي هذه الوجبات على نسبة عالية من الصوديوم والدهون المشبعة ولا يوجد بها توازن في السعرات الحرارية، كما أنها تسبب زيادة في الوزن مع الافتقار إلى الفيتامينات، والكالسيوم والألياف الغذائية اللازمة لسلامة القولون، ما يستوجب أن يتحدث معهم الوالدين عن أهمية الأطعمة الصحية والتقليل من كميات الأطعمة السريعة، بالإضافة إلى استبدالها أحياناً بخيارات صحية أكثر مثل البرجر المعد منزلياً بطريقة صحية، ولا بد من مساعدتهم على التخلص التدريجي من استهلاك الصودا واستبدالها بالماء أو بعصير الفاكهة الطبيعي، وهناك بعض العادات اليومية التي ربما يعتادها الأبناء ويجب تغييرها مثل: عدم تناول وجبة الإفطار وبالتالي شعورهم بالكسل والخمول من بداية اليوم، وهنا يجب على الأم أن تضع في حقيبة أولادها بعض الأطعمة التي يمكن أو يسهل عليهم تناولها في الطريق إلى المدرسة مثل بعض الفواكه أو الخضراوات (الجزر والخيار) أو بعض حبات من المكسرات كالجوز، الفستق، الفول السوداني، كما يجب الانتباه إلى أن تناول الوجبات الخفيفة الغنية بالسعرات الحرارية وعالية الدهون كالشوكولاتة والشيبس، تزيد من الوزن، على الرغم من إمكانية الاستعاضة عنها بالفشار الذي يعتبر من الطعام المغذي، غير عالي السعرات الحرارية.

إنقاص الوزن

تذكر د. البلتاجي أن بعض الأبناء في هذه السن ما بين الطفولة والنضوج، يعتقدون أن الامتناع عن تناول إحدى الوجبات الرئيسية، يساعدهم في إنقاص الوزن، ولكن هذا الفكر خال تماماً من الصحة، حيث إن تناول ثلاث وجبات في اليوم هو مفتاح توازن الطاقة الذي يحتاجون إليه ليومهم الطويل وأنشطة حياتهم المختلفة بالإضافة إلى وجبتين صغيرتين من الوجبات الخفيفة الصحية، وتعتبر أفضل طريقة للتحكم بالوزن عند المراهقين الذين يعانون السمنة بالإضافة إلى تشجيعهم على ممارسة الرياضة باستمرار، كما أن العديد منهم يتحولون إلى نباتيين فجأة (لا يأكلون اللحوم والطيور والأسماك) كما أننا نجد منهم من يتبع نظاماً غذائياً قاسياً يؤدي إلى الإصابة بفقر الدم الناتج عن نقص الحديد، وذلك تصرف شائع بين المراهقين، وخاصة الفتيات، فلابد من مراعاة أنهم لا يزالون بحاجة إلى السعرات الحرارية للنمو إلى جانب البروتينات والكربوهيدرات والدهون، وربما تتعرض بعض المراهقات إلى أمراض نفسية متعلقة بالغذاء كخطر الإصابة بمرض فقدان الشهية العصبي أو البوليميا.

نقص التغذية

تشير أخصائية التغذية العلاجية ربا الحوراني، إلى أن سوء التغذية أو ما يعرف بعدم حصول جسم الإنسان على العناصر الأساسية اللازمة لبناء الجسم بشكل صحيح، سواء عن طريق غذائه أو عدم القدرة على امتصاصها بسبب تنوع الأغذية الشديد في نظامه الغذائي، أو تدهور صحته الجسدية بسبب الإصابة بحالة مرضية معينة، وإن لم يعالج منها ربما تسبب الوفاة، أما عندما يكون سوء التغذية قبل إتمام الطفل لعامه الثاني فإنه يؤدي إلى مضاعفات صحية دائمة، يعيق تطوره الذهني أو الجسدي، ومن المرجح أن يكون سبب سوء التغذية التهاباً في الجهاز الهضمي أو الإصابة بمرض مزمن أو أي التهابات أخرى، كما أن الإسهال يقلل من إمكانية امتصاص العناصر الغذائية أو التأثير بكمية الأكل والغذاء التي يتناولها الشخص المعرض للإصابة، وبالتالي يؤثر في الكمية الممتصة والسعرات المستهلك
تستكمل: عندما لا يحصل جسم الإنسان على السعرات الحرارية الكافية والبروتين لإمداده بالطاقة والعناصر الغذائية اللازمة لإبقائه بصحة جيدة، فتشمل سوء التغذية وحالات النقص، الزيادة أو الاختلال في الكمية التي يتناولها الشخص من المواد الغذائية أو المزودة للجسم بالطاقة فتظهر على شكل هزال أو تقزم (قلة الوزن بحسب الطول أو العمر)، أو كزيادة وزن مع انخفاض مستوى المواد الغذائية الممتصة.

أعراض متنوعة

توضح الحوارني أن أعراض سوء التغذية تختلف من شخص لآخر بحسب السبب، وعادة ما تظهر على شكل الهذيان والوهن، ضعف القدرة على التركيز وأداء الوظائف العادية، الشعور بالتعب الشديد والخمول، سهولة الإصابة بالأمراض بسبب نقص أو ضعف المناعة، الدوخة والإرهاق المفرط، حالات من الإغماء، تأخر الدورة الشهرية عند الإناث أو انقطاعها، والإجهاض المتكرر عند الحمل، تأخر النمو عند الأطفال وتسوس الأسنان، ضعف في العضلات، مشاكل في البشرة كالفطريات والطفيليات أو الجفاف، فقر أو ضعف الدم، ويتخذ سوء التغذية أشكالاً عديدة، تشمل ما يلي:
* نقص التغذية الذي يحدث عندما لا يحصل الشخص على ما يكفيه من الغذاء لكي يتناوله ويتسبب في معاناته من الهزال أو التقزم.
* حالات نقص المغذيات الدقيقة، وهي تحدث عندما لا يحصل الشخص على ما يكفيه من الفيتامينات والمعادن المهمة في نظامه الغذائي.
* زيادة الوزن والسمنة، وينجمان عن اتباع نظام غذائي غير متزن أو غير صحي ويسفر عن تناول كميات كبيرة جداً من السعرات الحرارية بالاقتران غالباً مع عدم ممارسة التمارين الرياضية
* أما التضور جوعاً فهو نقص حاد في الغذاء يمكن أن يتسبب في الوفاة.

الأطفال وكبار السن

تفيد الحوراني بأن أكثر من يتعرض لسوء التغذية هم الأطفال خلال مراحل النمو أو النساء خلال فترة الحمل والرضاعة وكذلك كبار السن، حيث إن أجسامهم يلزمها المزيد من المغذيات، مثل الفيتامينات والمعادن، وهم أكثر عرضة لخطر العواقب الوخيمة المترتبة على حالات نقص تلك المغذيات، كما أن الصغار معرضون لأشد مخاطر الموت الناجم عن التضور جوعاً لأن معدل تعرضهم لنقص التغذية أسرع من معدله لدى البالغين، ومن أهم المضاعفات التي تصيب مريض التغذية هي انخفاض في مستوى النشاط البدني، فقدان الشهية، وبالتالي تناول كميات قليلة من الطعام، الذي بدوره يؤدي إلى التدهور العام، والإصابة بمشاكل صحية، وعدم اكتساب الوزن بشكل طبيعي، ما يؤثر في النمو، وبالتالي التأخر بالمشي أو النطق، الأنيميا وانخفاض سكر الدم، الإصابة بالقلق، الاضطراب، الاكتئاب والبكاء بشكل مستمر، ومتواصل وعدم القدرة على النوم بصورة مستقرة، وأيضاً الإصابة بمشاكل جلدية حادة والجفاف، عن طريق الإصابة بإسهال مزمن وعدم نجاح العلاجات بشكل متكرر.
تضيف: يزيد نقص التغذية خطورة الإصابة بأمراض معدية من قبيل الحصبة والملاريا والالتهاب الرئوي، ويمكن أن تتسبب زيادة الوزن والسمنة في الإصابة بأمراض غير سارية ناجمة عن النظام الغذائي، مثل أمراض القلب وارتفاع ضغط الدم (فرط ارتفاع ضغط الدم) والسكتة الدماغية وداء السكري والسرطان.

أسس وقواعد

يذكر عبد الباسط الشعيبي مختص التغذية، أن أسس نظام الطعام السليم لجسم الإنسان تعتمد على ثلاث قواعد حيوية، وهي المرحلة العمرية، الوضع الصحي الطبي للجسم، التنوع والتكامل بين كل العناصر الغذائية، والمكونات الكبيرة للغذاء من (نشويات، بروتينات، ألياف، زيوت صحية)، ويتم اتباع هذه القواعد من سنوات الطفولة والنمو الأولي، بعد ذلك يحتاج الطفل إلى اللحوم، ومنتجات الألبان لمواكبة البناء والتطور لأنسجة الجسم، وكذلك سعة كبيرة من الحبوب والنشويات فهي مصدر الوقود المشغل لخلايا الجسم، وعند مراحل البلوغ تتطور الحاجة إلى التغذية السليمة لتتضاعف أحياناً، ويضاف لها الألياف والفيتامينات، العناصر المعدنية التي تأتي من حصص الفاكهة، الخضراوات، السلطات الطازجة، لتأمين أعداد العمليات الحيوية المستمرة داخل الجسم بشكل مستدام، وكذلك للترميم والتعويض الدائم لما يخسره الجسم من هدم وإعادة بناء للكتلة العضلية وأيضاً لتغذية خلايا الدماغ للعمل التفكيري والجهد الذهني.
يستكمل: أما كبار السن فهم يحتاجون إلى جوانب رعاية غذائية خاصة تتلاقى مع احتمال نشوء الأمراض، أو تغير نمط الحياة إلى الحركة الأمثل فنحتاج التركيز هنا على الألياف لتفادي الإمساك المصاحب لقلة الحركة، وأيضاً الفواكه والخضار لتزويد الجسم بمضادات الأكسدة، وكذلك إدراج الأسماك الغنية بالزيوت غير المشبعة المهمة لتعزيز حركة المفاصل، الجهاز القلبي، الوعائي، والذاكرة، ولذلك مع كل مرحلة مما سبق تصوب بوصلة التغذية السليمة نحو الهرم الغذائي المتكامل، بحيث يؤمن كل الاحتياجات من الطاقة والتعويض مع الحرص كذلك على الماء لتوازن تركيب البشرة ولصحة الجهاز الهضمي وصحة الكلى وطرد السموم وتنقية الجسم من الشوائب.

تدابير منزلية

يقع على عاتق الأمهات توفير بيئة طعام صحية والتغلب على المشكلات الغذائية التي يتعرض لها أبناؤها، حيث يجب أن تتبع بعض النصائح لتحقيق ذلك، مثل: توفير الخضراوات مغسولة ومقطعة في الثلاجة كأعواد الكرفس، الخيار، الجزر والطماطم وذلك حتى تكون سهلة التناول في حالة الجوع، توفر الفواكه الطازجة والمجففة في المنزل مثل (الزبيب والمشمش المجفف والفواكه الطازجة) وخاصة أنها مليئة بفيتامين C والحديد والزنك وعناصر أخرى مفيدة للجسم وتقوي الذاكرة.
ويعد الزبادي من الأكلات السهلة، التي يمكن إضافة الفاكهة عليها لتكون وجبة متكاملة محببة ومفيدة بدلاً من تناول الآيس كريم بكثرة ما يؤدي إلى زيادة الوزن.