التوحد السبب «مجهول».. وآليات العلاج «معروفة»

مقالات

تحقيق: راندا جرجس

التوحد مرض نفسي يحدث اضطراباً في النمو، ويصيب الأطفال في سن مبكرة، ينتج عن اضطراب خلل عصبي وظيفي في الدماغ، ويؤدي إلى ضعف في التواصل الاجتماعي واللفظي وغير اللفظي مع استخدام أنماط سلوك متكررة، وهو يندرج تحت قائمة الأمراض التطورية أو النمائية، أي التي تظهر في سن مبكرة مع نمو الطفل، وتظهر عليه سمات التوحد، التي تتشكل في عدم التواصل اللغوي، وانعدام القدرة على تكوين العلاقات أو الاندماج في المجتمع.
يقول الدكتور طلعت مطر استشاري الأمراض النفسية، إن أعراض التوحد تظهر عادة قبل سن العامين، حينما تلاحظ الأم أو الأسرة أن تفاعل الطفل مع الأم غير طبيعي، فلا يبادلها الابتسامة، ولا يستجيب للمداعبة أو للنداء أو الأصوات، ولا يهتم بالألعاب، التي يهتم بها الأطفال في هذه المرحلة، ويظن الأهل عادة أن الطفل يعاني مشكلة في السمع، وكثيراً ما يستشيرون طبيب الأنف والأذن، وكلما كبر الطفل تزداد الأعراض وضوحاً؛ إذ تشمل اضطرابات في ثلاث أمور وهي:-
* الناحية اللغوية؛ حيث يتأخر الطفل كثيراًَ في التحدث أو التلفظ، وعندما يكتسب بعض الكلمات تكون غير مفهومة، أو يردد فقط آخر كلمة في الجملة، التي وجهت إليه، فمثلاً إذا قلت له (صباح الخير)، يردد «الخير»، وربما يعير عن نفسه بضمير المتكلم كأن يقول «أنت» بدلاً من «أنا» أو يردد عبارات بعينها من دون معنى.
* الناحية الجسدية، يقوم الطفل بتكرار حركات جسدية، كان يحرك يديه ويدورها بطرقة متكررة أو يلف حول نفسه أو يحرك جسمه بطريقة متكررة.
* الناحية الاجتماعية التواصلية، وهي تظهر على شكل عدم اهتمام الطفل بالآخرين، ولا يستطيع اللعب مع الأطفال، الذين في عمره؛ لأنه لا يفهم قواعد اللعبة، ويهتم بأشياء غريبة، فمثلاً إذا أعطيته لعبه على شكل سيارة، نجده يهتم فقط بجزء منها، ويتمسك به طوال الوقت، وربما يقوم بحركات وسواسية؛ كأن يرص الألعاب بطريقة معينة، وإذا حاول أحد تغيير الشكل أو النظام يبكي، وحين تناديه لا ينظر إلى العينين.

نسبة الإصابة

يشير د.طلعت إلى أن العلم لم يتوصل بعد إلى سبب التوحد؛ ولكن توجد بعض العوامل، التي لها علاقة باحتمالية ولادة طفل متوحد؛ ومنها كبر سن الأم عند الولادة؛ حيث وجد أن السيدات اللواتي ينجبن بعد الخامسة والثلاثين، تكون لديهن احتمالية ولادة أطفال متوحدين أعلى من الصغيرات في العمر، كما وجد البعض علاقة بمرض الأم أثناء الحمل والتوحد، كما أن التلوث البيئي ربما يكون له أثر في زيادة نسب الإصابة بالتوحد، ووجد العلماء أن هناك سبباً وراثياً، وخاصة في حال التوأم الكامل (من بويضة واحدة)، إذا أصيب طفل تكون احتمالات إصابة الآخر تقرب من 100%، وتتراوح نسب التوحد من ثلاثة إلى خمسة أطفال لكل ألف طفل، وتجدر الإشارة إلى أن أعراض التوحد تختلف في شدتها من حالة إلى أخرى، ويميل الأطباء إلى تشخيص «الطيف التوحدي» بدلاً من مرض التوحد؛ لأن الأعراض ربما لا تكون جميعها متواجدة في طفل واحد، وبهذا ترتفع النسبة إلى واحد لكل مئة طفل.
يستكمل: وجد أن شكل مخ الأطفال المتوحدين يختلف عن شكل وحجم الطفل العادي، ولا يوجد أي علاج دوائي لمرض التوحد؛ ولكن يوجد علاج سلوكي وتأهيلي؛ لتعليم الطفل سلوكات التواصل الاجتماعي؛ لأن مخ الإنسان يتشكل ويتغير بالتعلم، ومن الأساليب الحديثة: استخدام الروبوت أو الإنسان الآلي في تنمية قدرات الأطفال التواصلية، وكلما كان التدخل مبكراً؛ تكون النتائج أفضل، وهناك بعض الأشخاص، الذين يعتقدون أن تغيير الغذاء للطفل ومنعه من أغذية معينة وإعطائه أخرى، ربما يحسن حالته؛ ولكن لا يوجد أي مستند علمي قوي يثبت ذلك، وتستخدم الأدوية في معالجة بعض الاضطرابات السلوكية عند الأطفال المتوحدين؛ ككثرة الحركة أو التشنجات إن وجدت.

عدم التواصل

تذكر الدكتورة أماني عثمان أخصائية الطب النفسي، أن الأطفال الذين يصابون بمرض التوحد يعانون صعوبات في ثلاثة مجالات تطورية أساسية؛ وهي: التواصل الاجتماعي؛ والعلاقات المتبادلة مع الآخرين، كاللغة؛ السلوكات النمطية، وبما أن هذا الاضطراب هو اضطراب طيفي؛ فإننا نجد الأطفال يختلفون في نسب تلك الصعوبات كل طفل حسب درجة الطيف، الذي يعانينه، وهناك أعراض مهارات التواصل:-

* لا يستجيب لمناداة اسمه.
* صعوبة في فهم الإيماءات.
* صعوبة في التواصل البصري والنظر إلى عين الآخر أثناء التحدث.
* غالباً ما يبدو أنه لا يسمع.
* يرفض العناق أو ينكمش على نفسه.
* يبدو أنه لا يدرك مشاعر وأحاسيس الآخرين.
* يبدو منعزلاً ويفضل أن يلعب وحيداً.

مهارات وسلوك

تفيد د.أماني بأن الطفل المصاب بالتوحد يعاني صعوبة في المهارات اللغوية؛ حيث إنه يبدأ بالنطق والكلام في سن متأخرة، مقارنة بالأطفال الآخرين، كما أنه يفقد القدرة على الكلام أو جمل معينة كان اكتسبها في السابق، يقيم اتصالاً بصرياً ضعيفاً، حينما يريد شيئاً ما مُلحاً، لا يتبع الأوامر؛ لصعوبة إدراك اللغة الاستقبالية، يتحدث بصوت غريب أو بنبرات وإيقاعات مختلفة، يتكلم باستعمال صوت غنائي، وتيريّ أو بصوت يشبه صوت الإنسان الآلي، لا يستطيع المبادرة إلى محادثة أو الاستمرار في محادثة قائمة، وربما تكون لغته وكلماته نمطية وتكرارية، ويستطيع نطق بعض العبارات أو المصطلحات؛ لكنه لا يوظف استخدامها.
تضيف: هناك أيضاً أعراض السلوك النمطي، وتظهر على شكل أنه يمتلك عادات وطقوساً يكررها دائماً، ينفذ حركات متكررة؛ مثل: الهزاز، الدوران في دوائر أو التلويح باليدين، يشعر بالتوتر الشديد والعصبية في حال حدوث أي تغير في روتينه، دائم أو قليل الحركة، يهتم وتثير فضوله أجزاء معينة من الأغراض؛ مثل: دوران عجل في سيارة لعبة، المشكلات الحسية؛ حيث نجد استجابة غير معتادة بشكل مبالغ فيه، للضوء، للصوت أو للمس؛ لكنه أحياناًَ غير قادر على الإحساس بالألم.

نقاط تشخيصية

توضح د.أماني أنه يجب أن يتم تقييم حالة الطفل المصاب مـن قبـل فريـق كامـل مـن تخصصات مختلفة، كطبيب أعصاب، وطبيب أطفال متخصص في النمو، طبيب نفسي، مختص علاج لغة وأمراض نطق، مختص علاج مهني، وأخصائي تعليمي؛ حيث يُجري الطبيب المعالج فحوصاً منتظمة للنمو والتطور؛ بهدف الكشف عن تأخر النمو لدى الطفل، وتتمثل في إجراء تحاليل طبية؛ مثل: تحليل إفرازات الغدة الدرقية؛ اختبارات سمعية؛ تخطيط رسم مخ، وهناك نقاط أساسية لابد من التركيز عليها عند تقييم الطفل؛ مثل:-
• التاريخ التطوري، ويتمثل في الحصول على تاريخ مرضي كامل عن الحالة من فترة ما قبل الحمل، والولادة وحتى اللحظة الراهنة، التي يتم فحصه فيها، والإلمام بالمتغيرات التي طرأت عليه في هذه الفترات، وهل تناول عقاقير أو أصيب بحمى أو أمراض مزمنة وغيرها.
• التاريخ الوراثي، فلابد أن نحرص دائماً على أخذ معلومات عن التاريخ الوراثي بين أفراد أسرة الزوج أو الزوجة، وهل هناك أحد من أفراد العائلتين أصيب بأي خلل جسدي أو نفسي؛ حيث أكدت البحوث أن حوالي من 30 % إلى 50% من حالات التوحد ربما يكون لها أصول وراثية، وكذلك أوضحت الدراسات، أن بعض الأسر التي يعاني أطفالها اضطراب التوحد لديهم مشكلات في التفاعل الاجتماعي مع المحيطين بهم.

تقييم سلوكي

تفيد د.أماني بأن التقييم السلوكي للأطفال المصابين بالتوحد يتم عن طريق أسلوبين أساسيين؛ وهما: الملاحظة غير المباشرة التي يتم من خلالها ملاحظته أثناء اللعب؛ فيترك الطفل يلعب ببعض الدمى، وربما يطلب من أحد إخوانه اللعب معه، ويبدأ الأخصائي في رصد بعض الملاحظات؛ ومنها ردة فعله عند وجود الإخوة أو الأم معه في الغرفة؛ لمعرفة هل يقترب منها تدريجياً؟ أو يحاول أن يلعب معها؟ وهل هناك اتصال بصري معها؟ وهل يقبلها أو يجلس بجوارها أو يلعب معها أو يعطيها اللعبة، ويتم كذلك بتوجيه أسئلة لوالدة الطفل عن كيفية وطريقة لعبه في المنزل وسلوكه أثناء الأكل، حديثه، واستخدام يديه، واهتمامه بمشاركة إخوته في اللعب، أما الملاحظة المقننة فتتم من خلال استخدام اختبارات، فلا بد من وضع أسس ودرجات معينة لها؛ وذلك من أجل الخروج بنتيجة مقننة؛ ولذلك يجب التنويه إلى أن التشخيص المبكر قدر الإمكان له أهمية بالغة، وخاصة قبل بلوغ الطفل سن الثلاث سنوات؛ حيث إنه يُشكل عنصراً مهماً في تحقيق أفضل الاحتمالات والفرص؛ لتحسن الحالة كما أنه الوسيلة المثلى لتجنب المضاعفات؛ حيث يمكن أن تؤدي المشكلات المتعلقة بالتفاعل الاجتماعي والتواصل والسلوك إلى مشاكل بالمدرسة وصعوبات تعلم، ومشاكل وظيفية، والاعتماد الدائم على غيره وعدم القدرة على العيش باستقلالية، والعزل الاجتماعي، والضغط النفسي داخل الأسرة، والوقوع ضحية للتحرش والتعرض للتنمر.

علاجات حديثة

تشير أخصائية التربية الخاصة نيفين عزيز إلى أن علاج التوحد له طرق متعددة، ويعتمد بشكل كبير على تعديل الجانب السلوكي، المعرفي، العلمي، المهارات الاجتماعية واللغوية، والتدريب على الإدراك الجسدي والحسي، وجلسات التخاطب، ومن أحدث الطرق العلاجية الحديثة، التي تستخدم مع العلاج الدوائي هي الأكسجين؛ حيث يكون الطفل المصاب داخل غرفة مجهزة تحت ضغط الأكسحين، ما يعمل على تنشيط المخ، وتحسين القدرات الإدراكية عند الأطفال المصابين بالتوحد، ويساعدهم على التعلم وتنمية المهارات، ويحتاج المريض إلى عدد كثير من الجلسات الأكسجينية، وتتراوح من 15 إلى 20 جلسة.
وتختلف من طفل إلى آخر بحسب درجة التوحد من طفيف إلى متوسط وشــديد، كما قامت بها دولة اليابان، هي زرع ذكريات في الأدمغة البشرية؛ بهـــدف التوصيل والعلاج، وقام الباحثون بإنشاء تشــوهات بصرية في الأدمغة للمشاركين؛ لإقناعهم برؤيـــة خطوط سوداء على أنها خطوط حمراء، والتركيز على الخطوط بالتزامن مع توصيل أدمغتهم بجهاز الرنين المغناطيسي؛ لقياس نشاط الدماغ، لتكشف نتائج الرنين المغناطيسي، أن أدمغتهم قامت بإقناعهم بأنهم كانوا يجرون التجارب بالشكل الصحيح، وأنهم يشاهدون الخطوط السوداء باللون الأحمر؛ لذا فإن آلية الدماغ العصبية التي يقوم عليها استدعاء الذاكرة تبقى هي ذاتها.

تحليل السلوك

تؤكد نيفين، أن طفل التوحد يحتاج إلى طرق مختلفة ومتميزة عن الطفل العادي؛ وذلك من أجل إعادة تأهيله بشكل جيد؛ للتواصل مع العائلة والمجتمع والأصدقاء؛ وذلك من خلال تحليل السلوك التطبيقي، وهو من أنجح الطرق وأكثرها انتشاراً بين المتخصصين؛ حيث إنه يعتمد على تحليل السلوك التطبيقي وتعديل السلوك للأطفال، كما أنه يثبت اكتساب الأطفال لمهارات عديدة في تعلم اللغة والمهارات الاجتماعية ومهارات التعلم بشكل عام، ويعتمد هذا البرنامج على تقسيم المهارات المقعدة إلى مهارات بسيطة يسهل على الطفل تعلمها؛ حيت يتم إجراء تحليل لمهارات المصاب؛ من أجل الوصول إلى تحسين أدائه وسلوكه ويساعد الطفل على الاستقلالية، وأيضاً على تعزيز السلوك المرغوب الذي قام به الطفل حتى يزداد، وتعديل السلوك غير المرغوب به.

نصائح أسرية

توصي نيفين، عائلة الطفل المصاب بالتوحد بقبول الأمر بهدوء وتعاون؛ حيث إن ذلك يعد الخطوة الأولى في العلاج، ويساعد على نحاجه وتعديل السلوك وتطوره بدرجة عالية نحو الأفضل، وكذلك الاهتمام بالتغذية الجيدة للطفل؛ من أجل نموه بشكل صحي، والالتحاق بمراكز التأهيل المتخصصة قبل مرحلة رياض الأطفال، وضرورة دمج طفل التوحد الطفيف داخل المدارس، التي يوجد بها صفوف دمج، ووضع خطط تعليمية من قبل فريق العمل المتخصص داخل المدرسة، بالتعاون مع اختصاصي التربية الخاصة، وبمشاركة وموافقة ولي الأمر على العمل بالخطة الموضوعة لتعليم طفل التوحد، وعدم الخجل من سلوكات الطفل في الأماكن العامة وتوعية المجتمع بقبول طفل التوحد واعتبار هذا المرض مثل أي مرض قابل للعلاج.

عقار يعالج التوحد

أجازت هيئة الغذاء والدواء الأمريكية FDA، عقاراً جديداً لعلاج التوحد، الذي تقدر نسبة انتشاره العالمي 1 من كل 160 شخصاً، بحسب منظمة الصحة العالمية، حيث يتم التأكد من تشخيص الإصابة عندما يتم الطفل عامه الثالث مع وجود ظواهر وأعراض تؤكد ضعف التعامل الاجتماعي، عدم التواصل بشكل طبيعي، قيامه بأنماط سلوكية مرضية، ومن المتوقع أن يسهم عقار «balovaptan»، في تخفيف معاناة أطفال التوحد وتعديل سلوكياتهم، وصعوبة إدراكهم ونموهم، واكتسابهم مهارات جديدة.