«اكتئاب المراهقين»..السبب مجهول والعواقب خطرة

مقالات

يمر الشخص في حياته بعدد من المراحل العمرية، إلا أن فترة المراهقة لها خصوصية؛ وذلك لأنها تموج بالعديد من المتغيرات والاضطرابات، التي ربما تعصف به.
وتؤثر هذه التغيرات وبشكل كبير في جميع مراحل الحياة التالية، حتى الشيخوخة، ولا يمكن القول إن العقل يستطيع السيطرة على هذه الفترة؛ بل إن المشاعر والعواطف هي المسيطر والمحرك الرئيسي للمراهق.
وتتسم تعاملات المراهق بعدم الحيادية، فهو يحب ويكره الشيء نفسه، وكذلك يميل إلى الانطواء كلما وجد الظروف غير مناسبة لتحقيق رغباته، وهنا يبرز أخطر الأمراض، التي تكثر في هذه المرحلة؛ وهو الاكتئاب.
«الصحة والطب» تتناول في هذا الموضوع مرض اكتئاب المراهقين بصورة مفصلة، مع بيان العوامل والأسباب، التي تؤدي إلى هذه الحالة، وكذلك الأعراض التي تظهر نتيجتها، مع تقديم سبل الوقاية الممكنة وأساليب العلاج المتبعة والحديثة.

مجموعة الضغوط

يمكن تفهم الوضع، الذي يعانيه المراهق، والذي يتسم بقدر كبير من التناقض والتخبط؛ من خلال النظر إلى مجموعة الضغوط، التي تحيط به، مع قلة الخبرة والشعور بالضعف، وعدم القدرة على التأثير في الأحداث.
ويجد المراهق نفسه مثلاً فريسة للاستهزاء من أقرانه، الذين يميلون إلى إشعاره بالضعف أو الفقر؛ من خلال معايرته بحاله المادية.
ويكون الأهل في الكثير من الحالات سبباً لتدهور حالة أبنائهم النفسية، خاصة في هذه المرحلة بقصد أو دون قصد.
ويضاف إلى ذلك العديد من الأسباب، التي تجعل المراهق يميل إلى العزلة، ويشعر برفض المجتمع إلى أن يتدارك الآباء هذه المشكلة.

تخبط وسلبية

تتعدد الأعراض التي يمكن من خلالها النظر إلى المراهق على أنه مصاب بالاكتئاب، وأول هذه الأعراض عدم الانسجام مع البيئة المحيطة، وكذلك الشعور بعدم التقبل المتبادل مع البيئة، ومن يشاركه الحياة فيها من زملاء وأقران.
ويدفعه ذلك الأمر إلى الهرب ذاتياً؛ من خلال الانطواء على الذات، مع تغذية أحاسيس القهر أو السطحية، وقلة الذات التي تدفع المراهق دفعاً إلى الاكتئاب، الذي يمكن وصفه بالحدة والشراسة.
وتختلف الأعراض الاكتئابية في مرحلة المراهقة من شخص لآخر، بحسب معطيات بيئته والظروف الأكثر ضغطاً عليه، فربما كان فقيراً، ومشكلته ضيق ذات اليد لدى أهله، والآخر ربما يكون غنياً؛ ولكن لا يبالي به أحد، وآخر يعاني الضعف، وثالث مشكلته خوف الآخرين منه.
ويمكن تحديد بعض الأعراض، التي تتسم جميعها بعدم التناسق، أو لا تحمل في الغالب مبررات مقنعة، إلا أنها تدل على وقوع المراهق في شباك الاكتئاب؛ مثل: البكاء بشكل فجائي أو بصورة تحمل قدراً كبيراً من الحرقة والمرارة، وكأن هناك صراعاً داخلياً لديه يريد أن يظهر للعلن.

تقلبات مزاجية

تتميز فترة المراهقة بمحاولات كثيرة؛ لإظهار التبرم والغضب لأسباب واهية، ربما يمكن وصفها بأنها ستارة تخفي الاكتئاب، الذي يعانيه، ولا يمكنه البوح به، إلا من خلال العنف والغضب والبكاء.
ويتراكم على قلب المصاب شعور باليأس من التغيير للواقع، الذي يراه مريراً وأسود، وربما كان هذا اليأس هو الحجة التي يبرر بها كل انحراف يركن إليه.
ويفقد بسبب ذلك الرغبة في المحافظة على النظام أو ممارسة الأنشطة، لتحقيق أهدافه، ويدافع عن الفوضى التي يراها رداً طبيعياً تجاه ما يعتري نفسه من آلام.
ويرى المراهق الذي يعاني الاكتئاب الآخرين دائماً سبباً في فشله، أو عائقاً أمام رضاه عن نفسه، خاصة المتميزين منهم، فيأخذ تجاههم جانباً عدائياً، ولا يرضخ لهم؛ بل في بعض الحالات يرى أن سقوطهم وتأخرهم مصدر سعادته، وكنوع من التعويض النفسي والتفريغ لحالة الاكتئاب، التي تشل كل تفكيره وتحتل كل كيانه.

رؤية خاطئة

يرى المصاب بالاكتئاب نفسه أنه ضحية، وهو غير مقصر أبداً، وأن الجميع يجني عليه، وإذا اتسم بنوع من المصداقية عاد باللائمة على نفسه، كنوع من الشعور بالذنب وجلد الذات، الذي يستمر لفترات طويلة.
ويقود التفكير الظلامي لحالة الاكتئاب لدى المراهق إلى الكراهية للحياة، ومن الممكن أن يفكر أو يحاول الانتحار كسبيل للخلاص؛ نظراً لأنه يرى في نفسه العجز التام عن التفكير أو الإنجاز، أو التقدم في أي مجال أو دراسة، في حين يتفوق الآخرون.
وتنتابه مجموعة من التغيرات الصحية؛ مثل: الضعف وفقدان الوزن وعدم الرغبة في الأكل، وربما ضعف الرؤية؛ جرّاء التفكير الزائد والهرب من خلال النوم الطويل، ويمكن أن يتخذ الاكتئاب شكلاً مضاداً؛ من خلال الإفراط في الأكل والشرب، والسهر والضحك الهستيري.

نفسي وجسماني

لا يمكن فصل التشابك بالنسبة للأسباب التي تؤدي إلى اكتئاب المراهقة؛ من حيث الأسباب الفسيولوجية والنفسية؛ لأن كل واحدة منهما تساعد في إبراز الآخر وتأكيده واستمراره، كما أنه لا يمكن القطع بسبب محدد للاكتئاب في مرحلة المراهقة؛ نظراً لأن المراهق ربما كان صاحب رؤية عالية الوضوح، فيقبل العديد من أسباب الاكتئاب ولا ينفعل لها.
ويبرز في النواحي الصحية كسبب من أسباب هذه الحالة العامل الوراثي، وضعف المناعة الذاتي، وكذلك حدوث مشكلات في الدماغ، كالالتهابات أو حدوث تغير كيميائي معين، أدى لفرط الإحساس بالحزن والضيق، وكذلك الإصابة بالأمراض المزمنة، والتعرض للحوادث أو مشاهدتها، كعامل من عوامل الإصابة بالاكتئاب.
وتضاف إلى ذلك المشاكل الأسرية التي تعد من أكبر أسباب الاكتئاب؛ مثل العنف الأسري من أحد الوالدين أو كلاهما، وكذلك حالات الطلاق والعنف بين الزوجين، والمستوى الاجتماعي الذي يعيش فيه الطفل.
وتساعد كل هذه العوامل على ظهور الاكتئاب للعلن، إلى جانب الحرمان العاطفي، ورهاب الامتحانات والمذاكرة، والتعرض لمرات رسوب، وكذلك التعرض لمواقف السخرية من الآخرين.

تدمير ذاتي

يسعى المراهق بعد إصابته بالاكتئاب إلى تدمير ذاته دون قصد، ويسمى البعض ذلك في بعض الأحيان هروباً من الذات، حتى لا يستمر في التذكير بالأمور المؤلمة، وهذه من المضاعفات الخطرة.
ويتسبب الاكتئاب في أن يرمي المراهق نفسه في أحضان المخدرات والمسكرات، حتى يصنع عالمه الخاص، الذي يعبر فيه عن كل ما لا يستطيع البوح به في الواقع، إلا تحت تأثير المخدر.
وتتعدد المضاعفات الخطرة لاكتئاب المراهقة، بأن يصير علامة بارزة في إحداث المشكلات مع زملائه وأصدقائه، مع التأخر في مستواه الدراسي عامة، والسلوكي والصحي على المستوى الشخصي.
وتظهر كذلك الانحرافات الأخلاقية، والرغبات الجانحة إلى الاعتداء، ما يجعله مصدر قلق للمحيطين به، سواء الأقارب وغيرهم.
وتصل حدة المضاعفات إلى أوجها بتبلور فكرة الانتحار في ذهن المراهق، وليست كلها من باب الرغبة في الموت؛ بل ربما تكون استخفافاً بالموت، ورغبة في مواجهته.

جرس إنذار

يجب أن يتنبه الآباء خاصة والمجتمع عامة إلى أن الشباب هم المستقبل، وعلى قدر قوتهم تكون قوة المستقبل، والعكس صحيح، لهذا لابد من العناية ونشر الوعي بملاحظة المراهقين، للعمل على معرفة الوقت الذي يجب فيه التدخل ولو طبياً؛ لإنقاذهم من الاكتئاب.
ولا يمكن التنبؤ بما يمكن أن يحدث، لو تمكن الاكتئاب وكره الذات من مراهق لا يعي أبعاد الحياة، ولا يقدر الأمور في نصابها الصحيح، فربما يرى المكتئب والده الذي يلزمه بالمذاكرة بأنه أب متسلط، ويجب التخلص منه، وإن كان تصرف الأب له ما يبرره، إلا أن الابن في هذه المرحلة لا يعي، ولا يرى الأمر بالصورة الشمولية.
ويمكن اللجوء إلى الطبيب النفسي في هذه الحالة، مع العلم أن معالجة مثل هذه الأمراض يحتاج إلى وقت طويل؛ لكي يستعيد المراهق توازنه وثقته بنفسه.

تحمل وصبر

يعتمد العلاج على رغبة القائمين على رعاية المراهق في شفائه، مع تأكيد أهمية تحمل كل تصرفاته، وعدم تعريضه للنقض.
وينبغي كذلك مراقبته؛ للتعرف إلى الأنشطة التي يقضي من خلالها وقته، والتأكد أنه لم يلجأ إلى المواد المخدرة أو المسكرات، للخروج من ضائقته، ويمكن التعرف إلى ذلك عن طريق أصدقائه، الذين يحرصون على أن يتجاوز صديقهم أزمته.
ويمكن أن تعمل الأدوية المضادة للاكتئاب على تقليل المشكلة، مع الحرص على التوازن الغذائي المناسب الذي يوفر للمراهق جواً صحياً يزيد من تفاؤله.
ويجب العمل على حل المشكلات الأسرية، التي كانت يوماً سبباً في اكتئابه، أو مساعدته على تقبلها ولو تدريجياً.

إظهار المشاعر

ينصح الأطباء النفسيون الآباء بإظهار الاهتمام بمشاعر المراهق؛ لأن هذا الأمر يتيح له معرفة أن هناك من يهتم به، وينقذه من حالة الاكتئاب.
كما يساهم في تجاوز هذه المشكلة مساعدته في بناء التقدير لذاته؛ من خلال الثناء عليه، وملاحظة ما يحققه من نجاحات، سواء في الدراسة أو ما عداها من مجالات كبعض الهوايات.
ويفيد تشجيع المراهق على تكوين الصداقات الجيدة، والعلاقات الإيجابية في تعزيز ثقته بنفسه، ومساعدته على التواصل مع المجتمع المحيط به، وتجنيب العلاقات مع بعض الأفراد الذين تؤدي مواقفهم أو سلوكاتهم إلى تفاقم الاكتئاب.
وتساعد الألعاب الرياضية والأنشطة المدرسية في المحافظة على تركيز المراهق على كل ما هو إيجابي، وتجنب السلوكات السلبية، وتشير الدراسات إلى أن ممارسة المراهق للرياضة تقيه كثيراً من المخاطر. ويجب التأكد من أنه يتناول وجبات صحية بانتظام؛ وذلك عبر توفير الأطعمة المتنوعة من خضراوات وفواكه وغيرها في المنزل، ولابد من أن يحصل على كفايته من النوم، بتجنب السهر وما يترتب عليه من أضرار.