الألوان..قوة تؤثر في حياتنا

مقالات

إعداد: محمد هاني عطوي

علينا أن نشعر بالسعادة والفخر لأننا نعيش في عصر بات الناس فيه يعترفون أخيراً بقوة الألوان وتأثيرها في حياة الإنسان. ومنذ القدم استخدمت الألوان لأغراض علاجية حيث تبين أنها تلعب دوراً رئيسياً في تهيئة مزاجنا وعواطفنا ومشاعرنا وحالتنا الذهنية.
وتتطلب معظم الأماكن نوعاً معيناً من الألوان التي تستجيب لطبيعة العمل المنجز فيها. ومن المذهل أن نعلم أن لكل فرد رأيه الخاص حول المعايير اللونية. فلكل شخص لونه الخاص به ولا يوجد أحد محايد في هذا الأمر. علاوة على ذلك، ومن خلال معرفة اللون الذي يتوافق مع طاقتنا، يمكننا تحقيق هدفنا بشكل أسهل وأسرع.
المعاني المتميزة والرموز والقيم التي تثيرها الألوان عند كل فرد تدفعه إلى استنتاج مفاده أنه لا ينبغي علينا التقليل من شأن أي شيء مهما بلغ صغره حتى ولو كان ظلاً لأنه يمكن أن يكون لهذا الظل تأثير غير محدود في حياتنا.
نعيش في عالم نابض بالحياة، يعمل كحافز ملهم مثالي لأي مخطط نسعى إلى تحقيقه. فكل شيء من حولنا مجموعة من الألوان، بدءاً من الأرض التي نمشي عليها. فالمخلوقات التي نراها ليست بيضاء وسوداء فقط. فالألوان واحدة من الأشياء العديدة التي تلعب دوراً حيوياً في حياتنا اليومية لا سيما خلال النهار علاوة على ذلك، نحن كائنات حيوية، وواحد من أهم مصادر الطاقة لدينا يكمن في طيف الألوان المشتقة من الضوء. ومن الأهمية بمكان ملاحظة أن الحياة على الأرض تعتمد اعتماداً كبيراً على الطيف الكهرومغناطيسي والأطوال الموجية للألوان، حيث يحمل كل طول موجي تردداً متنوعاً مع طاقته المميزة. وفي هذا الصدد يتأثر نظامنا الكيميائي الحيوي، وبالتالي رفاهيتنا العامة، بشدة بهذه الطاقات، لأنه عندما يرى الناس ألواناً معينة يشعرون بمشاعر مميزة.

أداة تواصل

اللون أداة تواصل مرتبطة بالتأثيرات الدينية والثقافية والسياسية والاجتماعية. فأولاً وقبل كل شيء، توجد الألوان الأساسية: الأصفر والأحمر والأزرق في قمة أي بنية لونية، بحيث يمكنك اعتبارها بمثابة الآباء الأصليين لجميع الأجيال المستقبلية من الألوان. فالأصفر لون الاحتفال بالربيع. وغالباً ما يرتبط بالشمس، ويمثل الفرح والسعادة والتفاؤل. ويقال إنه يحفزنا عقلياً، ويساعدنا في الاستفادة من حكمتنا الداخلية الفطرية كما أنه يعزز لدينا التركيز لأنه صبغة «الحذر» ويتطلب منا الوعي الكامل، وهذا بالضبط السبب في أنه لون الحافلات المدرسية وعلامات المرور. ومن الناحية الفيزيائية أو الطبيعية، يعتبر اللون الأحمر سائداً لأنه يمدنا بالقوة من الأرض لمواجهة يوم صعب عندما نشعر بشيء من التبعثر في الحياة. واللون الأحمر يشجعنا على العناية بأجسادنا وتوجيه قوتنا نحو أنماط الحياة الصحية المعدلة بشكل جيد. أما الطاقة المهدئة للأزرق فيمكنها منحنا القدرة على الاسترخاء الذهني والدعم للاستمرار في السير مع عجلة الحياة، وهذا هو السبب في أن الكثير من الناس يميلون إلى الشعور براحة أكبر بالقرب من الماء ويسافرون إلى الشواطئ لقضاء إجازات مريحة. إنه اللون الذي يعمل على تضخيم مشاعر السلام الداخلي لدينا، ويجعلنا نثق بالحياة كما أنه مفيد لتطوير ثقة عميقة في النفس ما يخفف علينا مشاعر القلق ويساعدنا بشكل طبيعي حتى في الوقاية منه لا سيما فيما يتعلق بالمستقبل والسيناريوهات التي تربض باستمرار في عقولنا حول «ما قد يحدث». ومن هنا نفهم أن هذا النوع من الألوان هو أساس لكل الألوان الأخرى.

الظلال اللونية الثانوية

بعد ذلك تأتي الألوان الثانوية البرتقالي والأرجواني والأخضر. هذه الظلال اللونية هي أبناء للألوان الأولية توضح لنا كيف تتفاعل الألوان مع بعضها البعض. وبما أنه يأتي وسط طيف الألوان، يدل اللون الأخضر على السلام والوئام ويطلق طاقة تشعرنا بالتوازن والراحة والهدوء. يجسد الثقة في رغبات الروح وهو الصبغة التي تشعرنا بالأمان عند الإشارات المرورية والتي تدفعنا إلى الانطلاق بسلام. علاوة على ذلك يشير «الضوء الأخضر» للمضي قدماً بعمل ما يتناسب تماماً مع حياتنا البشرية. الديناميكية التي يوفرها اللون الأخضر تعزز لدينا النمو الروحي والقوة لمتابعة رغباتنا بغض النظر عن آراء الآخرين. وفيما يعتبر اللون البرتقالي مضاداً للاكتئاب بل إنه الأساس للتغلب على تحديات الحياة الصعبة، واللون الذي يغرس لدينا الشعور بالمتوقع والشهية للحياة، ويدعمنا للتغلب على مشاعر التعاسة.
فضلاً عن ذلك يساعدنا اللون البرتقالي على تحسين مزاج التحفيز لدينا، والمضي قدماً في الحياة بعد التعرض للمآسي.

اللون البنفسجي

أما طاقة اللون البنفسجي فتمدنا بشحنة من الحيوية من أجل دفعنا إلى الإبداع والعمل الفني، ونقاء الأفكار والمشاعر، ويجلب لنا حس المراقبة الذاتية من خلال توفير الشعور بالراحة الروحية بهدف التأثير في تواصل أعمق مع نفسنا الداخلية. وغالباً ما تكون هذه هي سمات شخصية العاملين في المجال الإنساني والقادة المتواضعين والعادلين. ففي عالم الإنسان، تشكل الظلال استجابات نفسية وتحفيزاً للإدراك الفسيولوجي.

الألوان والقيم العميقة

تحمل الألوان ضمنياً قيماً عميقة في كل ثقافة. فالثقافة الغربية وثقافات الشرق الأقصى والشرق أوسطية والهندية والإفريقية لها تباينات عميقة في رمزية الأصباغ ضمن مبادئها. فعلى سبيل المثال، نجد في بعض الثقافات، أن اللون الأبيض يجسد الفضيلة، ولكن في ثقافات أخرى، يمكن أن يشير إلى الموت. وغالباً ما تنبع رمزية الألوان من أحداث دينية أو روحية أو اجتماعية أو تاريخية.
بالإضافة إلى ذلك، نجد في الثقافات الغربية أن الأرجواني مثلاً يرتبط بالملوك والفخامة والثروة وفي بعض الأحيان بالسحر في حين يمثل اللون الأصفر الجرأة في اليابان، وإحياء الذكرى في مصر والإيمان في الغرب ولذا فإن تنوع الألوان يدل على رمزية مختلفة في كل مجتمع.

الألوان والطب

للألوان في مجال العلاج والطب تأثير كبير في المجتمع ويقال إن للصبغات اللونية تأثير كبير في الأشخاص الذين يعانون اضطرابات في الدماغ أو الذين يعانون اضطرابات عاطفية. فاللون الأزرق من الناحية العلاجية له تأثير مهدئ في العديد من الأشخاص ويخفض التنفس وضغط الدم. في حين أن الأحمر له تأثير معاكس. ويستخدم بعض المعالجين اللون الأخضر للتهدئة والاسترخاء عند الأشخاص الذين يعانون القلق العاطفي أو اليأس.
ويدعي البعض أن اللون البنفسجي مفيد للصداع النصفي وفي حالات التهاب النسيج الخلوي الناجم عن سوء التخلص من الفضلات أو الثقل أو التباطؤ بعد تناول الطعام. أما الأصفر فيساعد على تنشيط الجسد ويخــفف من الاكتئاب. ومن هنا علينا أن نتعلم كيفية استخدام سمات الألوان البنّاءة أو غير المرغوب فيها في آليات تعاملنا لنقل رسالة ضمنية إلى الآخرين.

استحضار الطاقات

تعد كل هذه الظلال والصبغات والأشكال العديدة في حياتنا، التذكرة الروحية أو الرسالة الإلهامية؛ لتزويد عقولنا وأجسادنا وأرواحنا بالحيوية، واستحضار الطاقات المتنوعة، طالما كنا بحاجة إلى الدعم العاطفي أو الروحي.
إنها تسمح لنا بتشكيل تفردنا وتوهجنا الشخصي. والألوان مثلها مثل الصفات، تتبع التغييرات في العواطف؛ ولذا فهي ابتسامات الطبيعة. وكما قال ذات مرة الرسّام الفرنسي بول غوغان، الذي تخرج من بين أحضان المدرسة الانطباعية: «الألوان، يا لها من لغة عميقة وغامضة، إنها لغة الأحلام. فالتنوع في الألوان يرمز إلى جانب مهم من جوانب الحياة؛ حيث لا ينبغي أن يكون هناك أي تمييز تجاه اللغة والعرق ولون البشرة؛ لأن كل واحدة منها تحمل روعة وندرة وأخلاقاً. والحياة لوحة منسوجة لا حد لكبرها نرشها بالأصباغ، التي تخفيها أرواحنا».