«الحساسية»..تقتل أحياناً

مقالات

يرفض كثير من الأشخاص تناول أنواع معينة من الطعام أو الشراب، ويسألون عن مكونات المادة الغذائية، أو الدوائية التي تعرض عليهم، وتكون إجاباتهم عند الاستفسار عن سبب السؤال، أنهم يشكون أو يعانون أحد أنواع الحساسية، تجاه أطعمة معينة أو بعض المشروبات أو الأدوية.
ويجب أن نحسن الظن بهؤلاء المصابين بنوع من الحساسية، وتلبية كل ما يطلبون؛ لأن هذا ليس نوعاً من الرفاهية الزائدة أو التدقيق غير اللازم، بل هو أمر لا يمكن التهاون فيه، حيث إن الحساسية يمكن أن تكون قاتلة في بعض الحالات.
تتعدد أنواع الحساسية التي يمكن أن تصيب الشخص، وليس السر في الطعام، وإنما المشكلة في جهاز مناعة المريض الذي يعاني هذه الحساسية.
ونتناول في هذا الموضوع مرض الحساسية عموماً، ونقدم بعض العوامل والمسببات لهذه المشكلة، إضافة إلى الأعراض وطرق الوقاية الممكنة، مع طرح عدد من أساليب العلاج التقليدية والحديثة.

حائط الصد الأول

يقوم جهاز المناعة بدور مهم في حياة الشخص، فهو بمنزلة حائط الصد الأول تجاه الهجمات التي تسببها العدوى بأنواعها المختلفة.
ويتمتع الشخص بصحة ممتازة عندما تكون الأوامر الدفاعية في محلها، وتحدث المشكلة في الوقت الذي يبدأ فيه جهاز المناعة الخلط بين المواد لسبب غير معروف.
ويبدأ في مهاجمة عناصر معينة لحظة دخولها الجسم، كالحساسية من اللبن والسمك والفول، وغيرها العديد من المواد، التي ربما تكون ملامستها كافية لإحداث الحساسية.
وتستمد الحساسية خطورتها من خلال المكان الذي تؤثر فيه، فمثلاً عندما تصيب منطقة الأنف والجهاز التنفسي، يكون من أعراضها ضيق في النفس مع ارتفاع درجات الحرارة، مع وجود بعض التقرحات في منطقة الحنجرة، ويؤدي ذلك إلى صعوبة في البلع.
ويمكن أن تمتد الحالة حتى تشمل مناطق بالجلد، فتظهر به التقرحات والأورام مع احمرار البشرة، وشعور بالحكة يصعب معه التحكم في انتشار الآلام، وتختلف حالات الحساسية من حيث الشدة وعدمها، وكذلك تمثيل خطر على الحياة وسرعة التعافي.

عامل مهم

يمكن القول إن نوع المادة التي تحدث بسببها الحساسية ومكان الإصابة، هو عامل مهم لتحديد الأعراض وكذلك الخطورة، ومعرفة تحسس الشخص من المواد ودرجته.
وتبدأ أعراض الحساسية تجاه المواد الطيارة، مثل الأنسجة والغبار والمواد العشبية الدقيقة، بانفعال الأنف تجاهها، فبمجرد مرورها أمام الأنف أو دخول أجزاء منها، يبدأ الفرد في العطس بصورة مفاجئة ومتكررة.
ويصحب ذلك سيلان في الأنف مع الشعور بالحكة، ويمتد الأمر إلى التأثير على العينين، اللتين تبدآن في الدموع لا لشيء إلا الحساسية التي أصابت الجسم، وبدأ الجهاز المناعي في إرسال الأجسام المضادة لمهاجمتها، ويستتبع ذلك دمع العين واحمرارها والتهابها.

ألم في الفم

تنتقل الحساسية إلى أجزاء أخرى من الجسم، وبحسب مكان الإصابة بالتحسس، كما في حساسية الأطعمة، حيث يشعر المصاب بألم في الفم بما يشبه الوخز.
وتبدأ أجزاء الفم بالتأثر الظاهر، حيث تصاب بالتهاب وتورم في الحلق واللسان والشفتين، مما يؤدي إلى ظهور طفح جلدي، يعلم الشخص من خلاله أن هذا الطعام يسبب له حساسية، وذلك بشكل خاص.
ويكتفي المصاب بهذه الحالة بتدوين المواد التي سببت له الحساسية، مع ابتعاده عنها، حيث إن السبب في تحسس الجسم وجهاز المناعة للمواد الغذائية لم يتم تحديده حتى الآن.

حشرات ونباتات

تمتد الحساسية إلى أشياء كثيرة، من بينها التحسس من لدغات الحشرات، ويعتبر هذا النوع من الحساسية شائعاً بين البشر أكثر من غيرهم.
وتتضمن كذلك لسعات بعض النباتات، ومن أعراض هذا النوع تورم المنطقة التي تصاب بشكل سريع للغاية، مع اتساع في دائرة الورم والطفح الجلدي.
ويشعر المصاب بحكة غريبة، ويصحب ذلك ظواهر عالية، تلفت الانتباه إلى هذه الإصابة، وعلى الأخص لدى الأطفال؛ حيث يصاب بالسعال وضيق النفس، وهو ما لا يدع مجالاً للشك أن هذا الشخص مصاب بحساسية تجاه لدغات الحشرات.

حساسية الدواء

تتشابه هذه الأعراض مع حساسية الدواء؛ حيث يظهر الاحمرار في الوجه مع التورم وحكة في الجلد، والشعور بالوخز في الجسد كله.
وينبغي لذلك عدم أخذ الدواء إلا بعد التعرف إلى المواد التي يتركب منها، أو على الأقل أخذ الدواء تحت إشراف الطبيب.
وتشتد خطورة الحساسية عندما تتطور الأعراض إلى فقدان الوعي، وانخفاض في ضغط الدم، ويسبقه في العادة ضيق بالتنفس.
ويظهر كذلك على جلد المصاب طفح، يدل على أن حالة الحساسية الشديدة بدأت في التفاعل داخل الجسم بسرعة، وتتطلب تحركاً فورياً من أجل مواجهتها، قبل أن يتعرض المريض لخطر يهدد الحياة.

خلل بالجهاز المناعي

يعد الجهاز المناعي بالجسم المحرك للدفاعات ضد أي أجسام ضارة تدخل إليه، وفي حالات الحساسية يقوم جهاز المناعة بتحريك المواد المضادة لأجسام ليست ضارة.
ويعامل جهاز المناعة هذه الأجسام على أنها ضارة، وذلك بسبب خللٍ ما حدث، ويبدأ بتكوين مواد كيميائية مضادة لهذا الجسم، سواء كان طعاماً أو دواء. وتعتبر المشكلة الكبرى أن هذا التصرف يخزن داخل الجسم، كإجراء يحدث في كل مرة يدخل فيها هذا العنصر إليه.
وتختلف درجة التحسس من مادة إلى أخرى، فربما اقتصر الأمر على الاحمرار والحكة، مع الامتناع عن المواد المسببة للحساسية، وتارة أخرى تتفاقم الحالة وتزداد سوءاً، فيحدث غثيان وفقدان للتوازن مع الدوار، وربما وصل الأمر إلى الإغماء.

أضرار متعددة

تعد الحساسية من الأمراض التي تتعدد مضاعفاتها؛ وذلك لأن النتائج لا يمكن توقعها من ناحية، ولكثرة المواد التي يمكن أن تتسبب فيها من جانب آخر.
ويختلف الأمر من شخص لآخر، ومن أهم المضاعفات التي يخشى وقوعها هو التأق، والذي يعتبر شيوعاً للتقرحات في الجسم، مع الارتفاع المفاجئ في الضغط، مما يؤدي إلى فقدان الوعي، وفي حالة عدم التعامل الدقيق والسريع مع هذه الحالة، ربما مثل ذلك خطراً على الحياة.
ويمكن للحساسية أيضاً أن تتسبب في الإصابة بالأمراض الصدرية والربو، وهو من دواعي ضيق النفس الناتج عن الالتهابات الداخلية.
وتتعدد الالتهابات كذلك في الجسم من بعض الأنواع، وبشكل خاص إذا تأثرت الجيوب الأنفية والرئة، وهي مواطن شديدة التأثر بالحساسية والتأثير بالبدن في حالة العطب.

مناقشة المريض

يجب عدم الاعتماد على التشخيصات الفردية فيما يخص الحساسية، إلا في بعض الحالات المعتادة، والتي يستطيع المصاب نفسه القول بأنها حساسية تصيبه.
ويختلف الأمر في الحالات الأخرى التي يفاجأ فيها الشخص بحدوث أعراض جلدية أو تنفسية غريبة، فإنه ينبغي له أن يحصل على استشارة الطبيب، حتى يحدد المسبب للحساسية، مع الإجراءات الأولية المتبعة للسيطرة على الحالة.
ويسأل الطبيب المصاب عن الظروف التي تمت خلالها الإصابة، من حيث تناول طعام ما أو دواء محدد، وكذلك التعرض لجو معين أو لدغات الحشرات.
ويستطيع من خلال مناقشة سريعة مع المريض، أو من يرافقه، أن يحدد نوع الحساسية، لينتقل بعد ذلك إلى الكشف المبدئي.

مضادات التثبيط

يتم في مرحلة الكشف البدني التعرف إلى حالة الجسم ومكان الحساسية، كالطفح الجلدي والالتهابات والتقرحات، مع الاهتمام بالتعرف إلى حالة التنفس، وهل بها ضيق أو صفير، وكذلك حالة ضغط الجسم، وقدرة المريض على الكلام وأيضاً البلع.
ويهتم الطبيب بطلب اختبارات تخص الجلد، وكذلك عينات الدم لمعرفة المواد التي حدثت بها الحساسية، ويهتم في الحالات الخطِرة بإعطاء أدوية تثبيط الجهاز المناعي، ومضادات الحساسية لكي تستقر الحالة.
وتبدأ خطة علاج الحساسية بأنواعها المختلفة باستخدام المضادات، والتي تقوم بتثبيط جهاز المناعة، وإيقاف المواد التي يفرزها كهجوم دفاعي. ويتم التعامل مع الأعراض الأخرى بالمضادات الموضعية، التي تذهب أثر الالتهاب والتورم، ثم يقوم الطبيب بعد النظر في نتائج الاختبارات الخاصة بالدم والجلد، بتحديد مسبب الحساسية، وينصح المريض بعدم التعرض له أو تناوله، والذي يعتبر السبيل الوحيد المتاح للوقاية من هذه الحالة.
ويمكن أن تفيد العلاجات البديلة في علاج الحساسية، وذلك بحسب بعض الدراسات، ومن ذلك الأدوية العشبية والمضافات الغذائية، وإن كان هناك من يرى أن هذه العلاجات تخفف وتقلل الأعراض فقط، ولا تعتبر علاجاً للمرض.

الرضاعة الطبيعية

أكدت أحدث الدراسات الطبية أن الرضاعة الطبيعية للطفل تقلل خطر إصابته بالحساسية. ووجهت نصيحة للأم بالتركيز على الرضاعة خلال أول أربعة أشهر من عمر الرضيع.
وأشارت إلى أهمية أن تتواصل عملية الإرضاع، مع بداية إطعام الطفل من الأطعمة العادية، وليس عقب إتمام فطامه. وأوضح القائمون على هذه الدراسة أن هذا النظام يقلل فرص إصابة الطفل بالحساسية، وكذلك ما يطلق عليه الداء الزلاقي، أو حساسية القمح.
وأظهرت دراسات سابقة أن تغذية الطفل على السمك، تفيد في الوقاية من الحساسية.
وبحسب الدراسات، فإن أكل الأم للأسماك أثناء الرضاعة، له مردود جيد على طفلها.
وتزيد فرص تحصين الطفل من الإصابة بأمراض كالربو وحساسية الأنف، كلما تنوعت الأطعمة التي يتناولها الطفل خلال العام الأول من عمره.