«الأكل الليلي» يسبب أمراضاً متعددة

مقالات

يعد تناول الطعام من الأمور المحببة لدى الأشخاص، وهو من علامات الإقبال على الحياة والرغبة فيها، فالإنسان مثلاً عندما يمر بأوقات يشعر فيها بالسعادة، فإنه يبدأ التفكير في تناول أشهى الأطعمة والمشروبات؛ كي يشاركها أصدقاءه والمقربين له.
ويغلب على كثير من الأشخاص حب الطعام والنهم فيه، إلى درجة الرضا بالسمنة، وغيرها من مشكلات الإفراط في الغذاء، في مقابل عدم الحرمان أو التعرض للجوع.
يمكن لحالات كثيرة اعتبار تناول الطعام أحد الأشكال المرضية، وإن كان من الصعوبة بمكان إقناع أحد بأن تناول الطعام مشكلة صحية يجب الحذر منها، والعمل على مقاومتها واعتبارها حالة مرضية، ومن هذه الحالات متلازمة الأكل الليلي. ونتناول في هذا الموضوع مرض الأكل الليلي بكل جوانبه، مع بيان العوامل والأسباب التي تؤدي إلى الإصابة بهذه المشكلة، وكذلك أعراضها التي تظهر، وتقديم طرق الوقاية الممكنة وأساليب العلاج المتبعة والحديثة.

تعريف المتلازمة

يمكن تعريف الأكل الليلي بأنه إفراط الشخص في تناول الطعام خلال الليل، حيث يقوم بتناول كمية كبيرة بعد وجبة العشاء، كما أنه يعاني اضطرابات في النوم.
ويكون هذا الأمر بصورة متكررة حتى تصبح عادة ومتلازمة، وتعتبر هذه المتلازمة أحد أنواع الأمراض التي يجب الالتفات إليها ومواجهتها.
ويتسبب هذا المرض في إصابة الشخص بالسمنة وزيادة الوزن، إلا أن المشكلة تكمن في أن سبب هذه المشكلة وجود اضطراب داخلي يدفع الشخص للجوع ثم الأكل خاصة في أوقات الليل، وربما كان النقص في بعض عناصر الجسم هو الدافع الأساسي للإصابة بها.
أكل مرضي
يظهر اضطراب الأكل الليلي في بداية الأمر كشيء عادي، حيث يقوم المصاب ليلاً من أجل الأكل، لكن يتم تكرار العملية والاعتراف بأنه يقوم لهذا الغرض، بناء على دافع داخلي يعبر عنه بأنه جوع.
ويظن المصاب أنه لن يهدأ إلا بالأكل، أي أن الحالة الفسيولوجية للجسم تستدعي أن يتناول الطعام.
وتشمل أعراض هذه المشكلة أيضاً اضطراباً مزاجياً ونفسياً يكون ملازماً للمصاب، كما أن وزنه يزيد بشكل ملحوظ، وذلك لأن الأكل في الليل لا يصاحبه بذل أي مجهود.
وتزداد احتمالات إصابة مرضى الأكل الليلي بالمرض؛ بسبب سلوكهم غير السوي نحو الأكل، وبصورة متكررة وبنهم شديد، بغض النظر عن نوعية الطعام.

أرق وفقدان شهية

تتسبب حالة الأكل الليلي في استيقاظ المصاب أكثر من مرة في الليلة الواحدة، والأكل بصفة مستمرة.
وتزداد المشكلة تعقيداً عندما يظن الشخص أن هذه الصفة من مميزاته وعلامات شخصيته، إلا أن الأمر فعلاً يدعو للقلق وليس باعتباره ميزة.
ويتضح من خلال ذلك أن هناك مشكلة كبيرة في علاج هؤلاء الأشخاص، الذين لا يعترفون بهذا الاضطراب كحالة مرضية يجب العلاج منها.
وتتضمن الأعراض كذلك انعدام الشهية في فترة النهار، وذلك بخلاف الليل الذي تزداد فيه الشهية.
ويرتبط ذلك مع الشعور بالإرهاق والأرق الشديد، الذي لا يجد له سبيلاً للعلاج، إلا الأكل في أوقات الليل.
ويجب الانتباه إلى أن المصاب يجد صعوبة في تذكر ما حدث منه خلال الليل من حيث الأكل الكثير، ويمكن أن يشمل الأمر عدم تذكره القيام لإعداد الطعام أصلاً.
وتختلف نوعية الطعام الذي يقوم المصاب خلال الأكل الليلي بتناوله، حيث يمكن أن يكون الطعام غير مناسب، أو ربما كان ضاراً لصحته، ولكن الأمر خارج عن سيطرته.

نفسية فسيولوجية

يعتبر الأكل الليلي من الحالات المرضية التي تتداخل أسبابها، فهي تبدأ نفسية فسيولوجية في الوقت نفسه؛ وذلك لأن السبب الرئيسي ربما يكون وراثياً، وله صورة فسيولوجية تشعر المريض بالجوع في أوقات الليل المختلفة، ويكون الأمر معكوساً خلال النهار، فربما يشعر بالشبع أو فقدان الشهية للأكل.
وتتطور الحالة لتدخل التأثيرات النفسية والعصبية ضمن الأسباب القابلة لتطوير الحالة واستدامتها؛ حيث يفقد المصاب بمتلازمة الأكل الليلي الوعي عندما يقوم لإعداد الطعام وتناوله.
وتزداد المشكلة كلما كان الشخص تحت ضغط نفسي وعصبي، أو كان ممن يعيشون في جو مملوء بالغموض، مثل الوحدة؛ لذا تصاب به الفئات التي تعيش جواً نفسياً صعباً.

السمنة والأمراض النفسية

يلازم الأسباب التي تؤدي إلى الإصابة بمرض الأكل الليلي أن يكون الشخص يعاني السمنة، وبالتالي تزداد مع هذا الاضطراب.
ويمكن أن تعود الإصابة بها إلى بعض الأمراض النفسية، مثل الاكتئاب والقلق والتوتر الشديد.
وتسهم المخدرات بشكل كبير في إحداث حالة اللاوعي والاكتئاب، وكذلك زيادة حدة القلق، الذي يؤدي بدوره إلى حدوث متلازمة الأكل الليلي المرضي.
ويلعب العامل الوراثي دوراً في الإصابة، وإن كان ذلك ليس بالأمر الذي يمكن الجزم به، ولكن الصفة الجينية التي تبعث على الشعور بالجوع، ثم عدم القدرة على النوم إلا بعد تناول الطعام، تجعل القول بأن هناك خللاً جينياً يحدث للشخص المصاب أمراً مقبولاً.

مشكلات بالأجهزة الحيوية

تعتبر السمنة أبرز المضاعفات التي يتوقع أن يصاب بها المريض.
ويمكن أن تسبب العديد من المشكلات الخاصة بأجهزة الجسم المختلفة، مثل الجهاز التنفسي، حيث يتعرض المصاب لضيق النفس، وبالتالي تتسارع دقات القلب وضرباته بشكل ملحوظ.
ويجوز في بعض الحالات المصابة بهذا الاضطراب حدوث مشاكل خاصة بالجهاز الهضمي، مثل صعوبات في البلع والهضم، خاصة لعدم وجود الوعي الكافي، الذي من خلاله يمكن العناية بالمضغ بصورة مناسبة، أو عدم النوم مباشرة بعد تناول الطعام، مما يسبب حالة متناقضة من الإمساك أو الإسهال.
ويزداد الأمر حدة إذا أثرت الحالة في العظام، أو تسببت الأطعمة التي يتناولها المصاب في حدوث مشاكل تسممية، ناتجة عن الطعام غير الصحي أو غير المناسب.
ويمكن كذلك أن تتعرض الساعة البيولوجية في أوقات الاستيقاظ والنوم إلى الخلل والاضطراب، مما يجعل سلوك الشخص أكثر حدة، وميلاً إلى الوحدة أو العداء للآخرين، من دون سبب واضح.

مناقشة تحفيزية

تأتـــــي عمــــــلية التشــخيص للحالة كوسيلة مهمة للتعرف إلى المشــكلة، من خلال مناقشة الشخص بأسلوب غير مباشر عن طريقة ممارسته للحياة.
ويبدأ الطبيب المعالج بتوجيه عدد من الأسئلة للمريض، مثل هل يعجبه حاله من حيث السمنة الواضحة؟، وكذلك الاختلاف في أوقات تناوله الطعام، وهل هناك مشكلات معينة يعانيها أم لا؟ والأهم هو هل يعتبر الاستيقاظ ليلاً، وتناول الطعام مرات متكررة ومتفرقة أمراً يستحق العلاج أم لا؟
ويهتم أيضاً بمعرفة ما إذا كان المريض يعاني الاكتئاب، وهل يتناول أدوية له، ويجب عليه أن يعرف التاريخ الوراثي والمرضي للحالة، حتى يكون التشخيص أكثر وضوحاً.
ويطلب الطبيب في هذه المرحلة إجراء أشعة على المخ؛ لبيان حالة وظائف المخ، وكذلك يمكن أخذ بعض العينات للاختبار، لمعرفة هل يوجد خلل وراثي يؤدي إلى الشعور بالجوع أم لا؟، ومن ثم عندما يتم تشخيص الحالة تبدأ خطوات العلاج اللازمة والمناسبة.

سلوكي ومعرفي

يعتمد علاج الأكل الليلي على المواجهة الطبية لحالة الاكتئاب، وذلك من خلال إعطاء المريض مجموعة مضادات الاكتئاب، ومن خلالها يمكن أن تتحسن حالة الشخص النفسية إلى نحو إيجابي، يساعده على قبول فكرة أنه مريض ويحتاج إلى علاج. ويمكن أن يُسهم العلاج السلوكي والمعرفي في التغلب على هذا الاضطراب، ويسهم التركيز على تنشيط الجانب المشرق لحياة الشخص في إخراجه من حالة القلق.
ويتأتى ذلك من خلال الراحة والهدوء وتغيير المكان، وكذلك وجود الرعاية والحنان، لتوفير الجو النفسي الملائم، للخروج من هذه الحالة المرضية، وذلك بمرور الوقت، إلى أن يبدأ الشخص في تعديل أحواله ومقاومة العادات الخاطئة في تناول الطعام.

السكري والاكتئاب

أشارت دراسة طبية حديثة إلى أن أكثر من 25% ممن يسعون إلى جراحة تغيير الشرايين هم من المصابين باضطراب الأكل الليلي.
وأكدت كذلك ارتباط تناول كميات كبيرة من الطعام في الليل بمضاعفات السكري، والتي يمكن أن تؤثر في الأعضاء المختلفة للجسم، والشعور بالقلق والاكتئاب.
ولاحظ القائمون على الدراسة أن من يمارسون هذا السلوك الغذائي يكونون أقل اتباعاً للحمية الغذائية المطلوبة منهم، كما أنهم أقل ممارسة للرياضة، وبالتالي أكثر معاناة من الاكتئاب، ويرتبط تناولهم لهذه الوجبات الليلة بشعورهم بالغضب، أو الحزن أو الوحدة أو القلق والانزعاج.
وأظهرت الإحصائيات الطبية والدراسات التي تناولت هذا الاضطراب أن الرجال والنساء يصابون به على السواء، ومن النادر أن يصاب به الأطفال.
وتشير أيضاً إلى أن نسبة الإصابة ربما وصلت إلى 1.5% من مجموع السكان، كما أن ما يبلغ 9.5% من المصابين بالسمنة يعانون هذا الاضطراب.
وتظهر الدراسة أن الإصابة به تبدأ في الغالب خلال مرحلة البلوغ، ويمكن أن تمتد من أواخر سنوات المراهقة إلى أواخر فترة العشرينات.