العقم..أسباب متعددة وعلاجات متطورة

مقالات
تحقيق: راندا جرجس

يُعرّف العقم بأنه عدم قدرة الزوجين على الإنجاب بعد فترة من الزواج تمتد إلى سنتين، من دون استخدام أي موانع لحدوث الحمل، وتختلف الأسباب عند الرجل والمرأة، كما يمكن أن ترجع لعوامل وراثية أو نفسية، وتتضح جميع العوامل المانعة في الفحص، وخضوع الزوج والزوجة للفحوص اللازمة؛ ليتم تشخيص الحالة على أسس سليمة، واختيار الطريقة الصحيحة للعلاج، وفي السنوات الأخيرة تطورت الطرق العلاجية ومعالجات العقم بشكل كبير؛ حيث بدأت تجرى عمليات الإخصاب الحديثة والمتعددة مضمونة النتائج.
يقول الدكتور يمان التل استشاري جراحة أورام الكلى والمسالك البولية والعقم، إن العقم يُعرّف بأنه عدم حدوث حمل بعد عام من المحاولة على الإنجاب بمعدل تقريبي1 من كل 6 أزواج يعانون العقم، و30 % من الحالات المصابة تكون المشكلة من الرجل، ويعود ذلك لأسباب متعددة، وعادة تحدث نتيجة وجود مشكلة في إنتاج أو نقل الحيوانات المنوية، ويختلف العلاج بناء على تشخيص الحالة، الذي يتم بأخذ سيرة مرضية مفصلة وكشف سريري، والقيام بإجراء فحص للجينات والهرمونات؛ لتحديد سبب المشكلة، وهناك بعض العوامل التي تدل على الإصابة بالعقم عند الرجال؛ مثل:-
* الخلل في الهرمونات المحفزة للخصيتين؛ حيث تكونان في هذه الحالة غير مصابتين، إلا أن هناك ضعفاً في إنتاج هرمون الـ(FSH) من الدماغ، وهو الذي يحفز الحيوانات المنوية، وتكون أسباب نقص الهرمون؛ نتيجة وجود أورام الغدة النخامية، وبعض الأمراض الوراثية النادرة؛ مثل: متلازمة كلامان.
* فشل الخصية الذي تتعدد أسبابه، كإصابتها بالضمور والكسل، إضافة إلى العوامل المناعية.
* الإصابة ببعض الأمراض؛ مثل: النكاف، أو ربما بسبب أسباب جينية؛ مثل: متلازمة كلاينفيلتر، وكذلك الخضوع للعلاج الكيماوي.
* وجود دوالي بالخصيتين، التي ينتج عنها حدوث توسع في الأوردة بهذه المنطقة، مما يؤدي إلى ارتفاع حرارتها، وحصول ضعف بتصريف الدم، وأظهرت الدراسات أن الدوالي تصيب 15% من الذكور، وينصح بمعالجتها فقط عند وجود تأثير على إنتاج الحيوانات المنوية، وأفضل العلاجات استخدام الميكروسكوب الجراحي؛ حيث إنه يعمل على نقص نسبة عودة الإصابة.

العقم عند النساء

الدكتورة شيماء حبيب أخصائية أمراض النساء والتوليد، تقول: إن العقم أو عدم القدرة على الإنجاب يحدث عند الإناث؛ نتيجة لوجود تكيسات أو لفشل المبيض، أو لخلل في وظيفته، ما ينجم عنه عدم إنتاج نوعية جيدة من البيوض قابلة للتخصيب، ويؤثر في حدوث الحمل، ويكون السبب حدوث خلل في وظيفة الغدة النخامية المسؤولة عن تحفيز المبايض للعمل وإنتاج البيوض، وانسداد قناة فالوب؛ حيث إنها المسؤولة عن توصيل الحيوانات المنوية، وغالباً ما يحدث التخصيب داخل هذه القنوات، ويعود سبب الانسداد إلى الالتهابات المزمنة المتكررة، وتلف الأهداب في نهاية القناة؛ نتيجة التصاقات من عمليات سابقة في الحوض، أو بسبب عيوب خلقية؛ مثل: قصر طول القناة، وتنقسم أنواع العقم إلى عقم أولي الذي يصيب السيدة من دون استخدام أي موانع للحمل، والعقم الثانوي الذي يمكن أن يحدث بعد إنجاب طفل.

أمراض الرحم

تشير د.شيماء إلى أن هناك بعض الآفات المتعددة التي يمكن أن تصيب الرحم، وتتسبب في العقم عند النساء؛ ومنها: التشوهات الخلقية، ووجود التصاقات أو تليفات داخل تجويف الرحم، وكذلك عندما تعاني السيدة بطانة الرحم المهاجرة، وهو مرض يصيب النساء، وينتج عنه حدوث آلام شديدة، والتصاقات داخل الحوض، كما أن العامل النفسي يمكن أن يكون سبباً رئيسياً في المشكلة، ولا تزال الدراسات قائمة على إيجاد أسباب تأخر الحمل، وخاصة عند الأزواج الذين لا يعانون أي مشاكل صحية.

فحص وتشخيص

تذكر د.شيماء أن تشخيص حالات العقم تتم عن طريق أخذ التاريخ المرضى للزوجين، ويتم إجراء الفحص السريري، والتأكد من عدم وجود أعراض لأمراض ربما تصيب الجهاز التناسلي للطرفين، وكذلك القيام بالفحوص المخبرية التي تشمل متابعة الإباضة شهرياً؛ للتأكد من سلامة عمل المبايض، واختبار الهرمونات الخاصة بالغدة النخامية والإباضة بحسب ما تقتضي حالة المريضة، وفحص قناة فالوب؛ للتأكد من عدم انسدادها، وتصوير الرحم بالموجات فوق الصوتية؛ للكشف عن عدم وجود تليفات، وتختلف طرق العلاج بحسب سبب الإصابة؛ حيث يمكن استخدام العلاج بالأدوية، أو العمليات الجراحية وفقاً لحالة الزوجين، كما يمكن اللجوء إلى تقنيات الحمل المساعد؛ مثل: التلقيح الاصطناعي، أو أطفال الأنابيب والحقن المجهري في حال عدم الاستجابة للعلاجات الأولية.

معالجات حديثة

يشير الدكتور محمد مازن داية اختصاصي الإخصاب المساعد، ومعالجة العقم عند الزوجين، إلى أن مشكلة تأخر الإنجاب تعد من أكثر الأسباب شيوعاً، والتي تستدعي زيارة الطبيب المختص في الإخصاب المساعد والغدد الصماء التناسلية، ويعد هذا الاختصاص من الاختصاصات المتطورة والحديثة، وهو يساعد على توجيه المرضى للعلاج الصحيح والتدبير الحديث لحالة تأخر الإنجاب بوسائل حديثة، وبناء على أسس علمية مثبتة بالدليل العلمي، ونذكر منها العلاجات الجراحية المتطورة التي ظهرت في السنوات الأخيرة، وهي عمليات جراحية يتم فيها التخلص من مشكلة لا يمكن حلها سابقاً، وهي حالات العقم؛ بسبب استئصال الرحم أو لوجود العامل الرحمي؛ حيث تطورت هذه العمليات من عمليات ترميم الرحم في حالات العيوب الخلقية أواستئصال الحواجز الرحمية أو الأورام الليفية الموجودة داخل جوف الرحم بالمناظير إلى أن تم إجراء عمليات زراعة الرحم وبنجاح في أكثر من دولة أوربية وإقليمية، وتعد هذه الجراحة من العلاجات المهمة والواعدة في المستقبل القريب، كما أن هذه الأساليب الحديثة شملت أيضاً مجال التشخيص والعلاج، إضافة إلى أن هناك تطوراً ملحوظاً في أجهزة السونار (الإيكوغرافي الرباعي الأبعاد) الذي أصبح متوفراً في أغلب مراكز الإخصاب، والذي ساعد وبشكل كبير في تشخيص أسباب العقم، وبما في ذلك إعطاء صورة توضيحية دقيقة وسريعة عن حالة تأخر الإنجاب مع تقييم ممتاز لمخزون الإباضة ونفوذية البوقين ومشاكل جوف الرحم من دون اللجوء إلى التقنيات الشعاعية القديمة.
يستكمل: أما فيما يتعلق بالعلاجات الدوائية، فقد تم نشر توصيات حديثة من قبل الجمعية الأوربية والأمريكية للخصوبة في العام 2018 وبداية العام 2019 في مجال تنشيط الإباضة سواء في حالات المبيض متعدد الكيسات أو حالات التنشيط لعمليات أطفال الأنابيب؛ وذلك للحصول على نتائج إيجابية عالية وآمنة، ونؤكد ضرورة وضع الأمان خلال العلاجات الهرمونية؛ لكي يتم التقليل من نسب متلازمة فرط نشاط المبيض؛ وهي حالة كانت شائعة سابقاً ولكن أصبحت الآن شبه نادرة الحدوث.

الأكثر شيوعاً

يذكر د. مازن أن هناك علاجات نستخدمها في معالجة تأخر الإنجاب، وهي العمليات الأكثر شيوعاً حالياً في مجال الإخصاب المساعد؛ ومنها:-
* عمليات التلقيح الصناعي، التي يتم فيها انتقاء الحيوانات المنوية ذات الحيوية والحركة العالية مخبرياً ثم يتم حقنها في جوف الرحم خلال فترة الإباضة، وبعد ذلك يترتب على الحيوانات المنوية المرور عبر قنوات فالوب وتلقيح البويضة في الجزء القريب من المبيض؛ ليتم بعد ذلك عودة البويضة الملقحة، خلال 5-7 أيام إلى جوف الرحم؛ من خلال تقلصات خاصة في أهداب قنات فالوب، وهنا نؤكد أن إجراء عمليات التلقيح الصناعي في حالات إصابات الأنابيب الالتهابية أو وجود الالتصاقات في أو حول قنوات فالوب ويعد إجراء غير مرغوب به ويزيد من خطوره الحمل الهاجر.
* خزعة الأجنة قبل التعشيش، وهي تجري في الأيام الخمسة الأولى؛ بغرض إجراء الفحوص الصبغية؛ للتأكد من سلامة الجنين والبحث عـــن إصابته بمرض جـــــيني يحـــــمله أحد الأبوين أو كـــلاهما، وتعـــــد من التقـــنيات المتطورة جداً، والتي ساهمت بالكشــــف عن الأمراض، وزادت من نسب نجاح عمليات أطفال الأنابيب.
* عمليات استخراج النطاف من الخصية، سواء بدون جراحة أو باستخدام الجراحة المجهرية، وتعد أيضاً من التقنيات التي ساعدت على حل مشكلة كانت سابقاً شبه مستحيلة، وأصبحت اليوم تقنية تساهم في تحقيق الحمل بعد أن يتم استخراج الحيوانات المنوية واستخدامها في عمليات التلقيح المجهري.
* تضاف إلى ذلك تقنيات علمية متطورة ولكن لا تزال تحت الدراسة نذكر منها تنشيط بويضات بحقن الميتاكوندريا أو تقنيات العلاجات الجينية بتقطيع الحمض النووي؛ ولكن هذه الطرق تبقى إلى يومنا هذا غير مستخدمة إلا في الأبحاث، وفي بعض الدول فقط.
* عمليات التلقيح خارج الجسم وعمليات التلقيح المجهري، وتجدر الإشارة إلى أنه يتم تلقيح البويضات بشكل طبيعي؛ بوضع النطاف والبويضات المستخرجة من المبيض في الحاضنة وبظروف مخبرية تشابه بشكل كبير ما يحصل داخل جسم المرأة؛ للحصول على الأجنة ومن ثم إرجاعها إلى رحم المرأة للتعشيش؛ وذلك بسبب عدم نفوذية قنوات فالوب وهذا ما يسمى التلقيح خارج الجسم أما في حالات العقم الذكري الشديد الضعيف في الحركة أو العدد أو الذي يحتوي على نسبة عالية من تشوهات النطاف فيتم اللجوء إلى عملية التلقيح المجهري وهي عملية أكثر تطوراً وتعقيداً يتم فيها تلقيح البويضات خارج جسم المرأة بعد أن يتم سحبها من المبيض وفحصها وتحضيرها في مختبر الإخصاب ومن ثم انتقاء نطفة واحدة فقط وحقنها داخل البويضة مجهرياً وهنا لا توجد أي شروط لعدد أو حركة في السائل المنوي، وتصل نسب النجاح فيها إلى 60 %.

الضغوطات النفسية

في بعض الحالات يبحث الأطباء عن سبب لعدم قدرة الزوجين على الإنجاب، ولكن دون جدوى، ولا يوجد ما يمنع الحمل عند الزوجين، ويكمن العامل الرئيسي في بعض الضغوطات النفسية التي تزيد مع المحاولات الفاشلة، أو نتيجة وجود حالات أخرى مصابة بالعقم في نفس العائلة، أو لشعور المرأة بالخوف من مرحلة الحمل والولادة.
وما يصعب تشخيص هذه الحالات، هو عدم وجود علامات واضحة، فعند المرأة تظهر في شكل عدم انتظام في فترة الحيض. أما عند الرجل فتكون على هيئة مشاكل هرمونية.
ويعد العقم النفسي من الحالات التي يسهل علاجها بشكل كبير، ولكن يحتاج فقط إلى التشخيص السليم.