«القلب المنكسر» متلازمة تهدد حياتك

مقالات

يعد القلب أهم أجهزة الجسم، ومن خلاله تستمد بقية الأعضاء قوتها وحيويتها، ولا يقتصر دوره على الجانب المادي الملموس؛ من خلال ضخ الدماء والغذاء، الذي يصل إلى بقية أنحاء الجسم.
ويقوم القلب بدور آخر لا يقل أهمية أو تأثيراً، وهو الدور المعنوي، فالكثير من الأشخاص إذا امتلأت قلوبهم فرحاً ونشاطاً وإقبالاً على الحياة، صاروا أكثر قدرة على الإنجاز، وتحقيق كل الأهداف المطلوبة، وبذلك يصح البدن وتنتعش الروح.
يوجد على الجانب الآخر مضار كبيرة، إذا كان القلب مملوءاً بالحزن والانكسار، من خلال ما يتعرض له من صدمات عاطفية، أو مواقف مؤلمة تجعل القلب دائماً منكسراً، وهذه الحالة من انكسار القلب، توصف من الناحية الطبية بمتلازمة القلب المنكسر.
ويبدأ شعور الشخص بأعراضها؛ من خلال الإحساس بآلام في الصدر من ناحية القلب، وهذا الألم مصدره الضعف الذي يلحق بعضلة القلب، ويكون التفسير الوحيد لهذا الضعف، هو التعرض لآلام عاطفية ووجدانية شديدة.
نتناول في هذا الموضوع مشكلة متلازمة القلب المنكسر بكل تفاصيلها، مع بيان العوامل والأسباب التي تؤدي إليها، وكذلك الأعراض التي تظهر نتيجة حدوثها، وطرق الوقاية الممكنة وأساليب العلاج المتبعة والحديثة.

آلام وجدانية

تتعدد الأسباب العاطفية التي يمكن أن تؤدي إلى الإصابة بمتلازمة القلب المنكسر؛ مثل التعرض لفقدان عزيز من خلال موته، أو المشكلات الناجمة عن الخلافات الزوجية، خاصة حرمان الأب أو الأم من رؤية أبنائهما، وكذلك المشكلات التي تنم عن فقدان الثقة في أحد الأشخاص، كالخيانة مثلاً.
وتعد النساء أكثر الفئات تعرضاً لهذا النوع من الأمراض؛ نظراً لشدة تعلقهن عاطفياً، واهتمامهن بالحب والإخلاص، وحاجتهن الدائمة للاهتمام مع قلة تجاربهن.
ويأتي الأطفال وكبار السن في المرتبة الثانية؛ نظراً لشدة احتياجهن للرعاية والاهتمام، فيكون فقدان الأحبة، أو عدم وجود المخلصين من حولهم، سبباً في الإصابة بهذه المتلازمة.

نوبة قلبية

تشبه متلازمة القلب المنكسر النوبات القلبية، وإن كانت لا تعد في حد ذاتها مرضاً بالقلب، ويتضح ذلك عند الكشف على من يعانون أعراضها، فنجد أن القلب بحالة طبيعية، والضعف في عضلة القلب مع وجوده، إلا أنه لا يستمر طويلاً.
ويمكن أن يستعيد المريض صحته كاملة بعد فترة من الزمن، ويعد الشعور بآلام في القلب أحد أبرز الأعراض، والتي من خلالها يمكن التفرقة بين أمراض القلب والقلب المنكسر.
وتبدأ الأعراض بعد تعرض المصاب لصدمة عصبية أو عاطفية، وتكون على هيئة شعور بآلام في الصدر وضيق شديد، وربما وجد الشخص نفسه يضع يده على صدره، وكأن نوبة قلبية سوف تصيبه.

اكتشاف المشاكل

يزداد الألم كلما هيأ المصاب نفسه للضعف، وربما أصابه إحساس بالدوار في بعض الأحيان، ويمكن أن تؤدي بعض حالات القلب المنكسر إلى اكتشاف مشاكل بالقلب فعلاً.
وتكون متلازمة القلب المنكسر سبباً في اكتشاف هذا المرض؛ لذلك يجب الحرص على التعامل الجاد مع أي مشاكل صحية تطرأ على أي فرد من أفراد الأسرة.
ويمكن الاطمئنان عند الكشف الصحيح والدقيق من قبل الأطباء المتخصصين، إذا كانت النتائج مبشرة أما غير ذلك؛ ولذلك يجب البدء في تحديد طرق التعامل مع المشكلة التي ظهرت.

صدمات

لم يتم تحديد السبب الرئيسي في مرض متلازمة القلب المنكسر، إلا أنه يمكن أن تعود الإصابة إلى مجموعة من العوامل التي تساعد في حدوثها.
ووجد من خلال البحث والدراسة أن القلب ربما تعرض إلى تدفقات مفاجئة من الهرمونات الخاصة بالضغط النفسي، مثل الأدرينالين، وهو أمر من المحتمل أن يؤدي إلى الضعف في عضلة القلب بشكل مفاجئ.
ويتلازم حدوث هذه المتلازمة مع تعرض المصاب بها إلى حالة نفسية وعصبية شديدة، مثل إبلاغه بموت عزيز لديه، أو اكتشافه خيانة شخص ما له أو تعرضه لخسارة كبيرة.
وتشمل الحالة النفسية تعرضه لمعاملة قاسية من قبل الآخرين بصفة مستمرة، ويؤدي إلى نفس المشكلة التعرض للسخرية من الآخرين، أو الانتقاص الدائم من القدر والمنزلة، مما يشكل ضغطاً نفسياً يمكن أن يولد العديد من المشكلات النفسية والصحية، ومن بينها الإصابة بمتلازمة القلب المنكسر.

تمزق اجتماعي

يؤدي إلى الإصابة بمتلازمة القلب المنكسر كذلك التمزق الأسري، وفي الغالب تكون حالات الطلاق التي تقع بين الأزواج بداية ظهور الأعراض؛ حيث يسيطر الإحساس بالخذلان والضياع وفقدان الرغبة في الحياة، مع النظرة السوداوية بصفة عامة، وفقدان الثقة في كل من حول الشخص، والإفراط في الكراهية والعنف في التعامل، حتى مع الأشخاص الذين يحاولون المساعدة في تخفيف حدة المشكلة.
ويمكن أن تؤدي أيضاً مجموعة من الأمور التي تقف عائقاً أمام مواصلة الحياة في الإصابة بهذه الحالة، ويكون ذلك ظاهراً بين الرياضيين بشكل كبير، فعند التعرض مثلاً لحادث يفقده القدرة على مواصلة اللعبة التي يمارسها، فإن ذلك يعد نهاية حتمية لكل تطلعاته المستقبلية، وكذلك التعرض للحوادث التي تصيب الشخص بالعجز في أحد أعضائه، أو في أعضاء حساسة كالعين أو القدمين.
ويضاف إلى ذلك تعاطي بعض العقاقير والأدوية، وكذلك الانحراف السلوكي وتعاطي المواد المخدرة، التي تجعل الشخص يعيش في انفصال شبه كامل عن المجتمع، وتدمر حالته النفسية وتصيبه بالضياع، ويسيطر الرفض من المجتمع على تفكيره، ما يؤدي إلى زيادة الضغوط النفسية، وحدوث متلازمة القلب المنكسر.

خطر على الحياة

تؤدي الإصابة بمتلازمة القلب المنكسر إلى خطر كبير على الحالات التي تتعرض له، وتتعدد المضاعفات الناتجة عن التعرض لهذه المتلازمة، ولكن الخطر الأكبر تعرض المصاب لخطر الموت المفاجئ؛ جرّاء هذه المشكلة؛ حيث ربما تكررت مرات الإصابة وكانت درجة شدتها عالية، مما ينذر بتوقف القلب عن العمل والموت المفاجئ.
وتضاف إلى ذلك مجموعة من المضاعفات، التي تختلف درجة خطورتها بحسب سرعة التعامل معها، مثل ارتداد السوائل في الرئتين، ولهذا مضاره الشديدة، وكذلك انخفاض ضغط الدم بصورة مفاجئة، وارتفاع وتسارع ضربات القلب، ما يستدعي التحرك السريع والجاد، والعرض على الطبيب للتشخيص، وتحديد وسائل العلاج المناسبة.
ويمكن أن تزداد الحالة سوءاً؛ حيث تأتي المضاعفات من الناحية النفسية، فربما أدى الضعف في عضلة القلب إلى عدم القدرة على ممارسة الأنشطة التي تتطلب مجهوداً كبيراً، وتحاط الحياة بجو من الحرص الدائم، الذي يصل إلى حد الإزعاج والتوتر النفسي.

فحوص وأشعة

يلزم عند حدوث متلازمة القلب المنكسر أن يتم العرض مباشرة على الطبيب، الذي يناظر الحالة حتى يعلم السبب في الإصابة؛ وذلك من خلال معرفة التاريخ المرضي للمصاب.
ويتلو ذلك الفحص البدني؛ لمعرفة ما إذا كانت الإصابة نوبة قلبية أم متلازمة القلب المنكسر؛ لأن مرضى المتلازمة في الغالب ربما لم يتعرضوا لمشاكل في القلب من قبل.
ويهتم الطبيب في مرحلة التشخيص بمعرفة الأحوال النفسية التي سبقت الإصابة، مثل حدوث أي أحداث جسيمة كوفاة قريب، أو التعرض لضغط عصبي ما، فهذا كله يزيد من الاشتباه في الإصابة بمتلازمة القلب المنكسر.
ويلجأ إلى إجراء عدد من الفحوص، مثل مخطط كهربائية القلب، والذي يحدد مدى انتظام ضربات القلب أو تذبذبها، وهنا تتحدد الإشارة إلى وجود مشكلة في القلب، أو أن الأمر حالة طارئة.
ويتعرف كذلك من خلال الأشعة السينية إلى حالة القلب من حيث التضخم، أو وجود مشكلات أخرى، ويستطيع من خلال اختبارات الدم، معرفة أي زيادة أو ارتفاع في إنزيمات الدم، وهي مؤشر على وجود أي مشكلة، أو تأكيد الإصابة بمتلازمة القلب المنكسر.

حماية القلب

تتم معالجة القلب المنكسر بالصورة نفسها التي يتم التعامل بها مع مرضى القلب، فيبقى المريض تحت الملاحظة مع إعطائه الأدوية المناسبة للحالة، والبقاء في المستشفى حتى تخطي الأزمة.
ويصف الطبيب بعد ذلك مجموعة من الأدوية، التي تعمل على تثبيط زيادة الإنزيمات، وكذلك العمل على تقليل الضغط على القلب بالصورة المناسبة، والذي يحدده التشخيص الدقيق للحالة؛ حيث يختلف الأمر من مصاب لآخر.
ويبقى المريض في مرحلة العلاج فترة من الزمن، ربما لا تتعدى الشهرين، ثم يبدأ في التعافي، مع الحرص على إجراءات الوقاية، والتي يحددها الطبيب؛ لكي يتجنب المصاب تكرار الحالة.
ويحرص الطبيب على إعطاء المريض أدوية يلتزم بها فترة ما بعد التعافي من الإصابة، مع عدم التعرض لحالات ضغط عصبي قدر الإمكان، والتهيئة النفسية لتقبل أي نوع من المفاجآت، بقدر كبير من التسامح والرضا.

تغييرات عصبية

كشفت دراسة طبية حديثة نشرتها مؤخراً مجلة «لانسيت»، عن مناطق في الدماغ تتحكم في الأفعال غير الواعية للجسم، وكذلك معالجة المشاعر، ومن أمثلة هذه الأفعال التنفس والهضم ونبضات القلب، ويتسبب عدم تواصل هذه المناطق في الإصابة بمتلازمة القلب المنكسر.
وتشير النتائج الأولية إلى أن هناك تغييرات في الجهاز العصبي، ربما كانت جزءاً من الإصابة بهذه الحالة، وذلك بسبب ارتباطها بالعاطفة ومحفزات الضغط.
وخضع أكثر من 12 مصاباً بمتلازمة القلب المنكسر للفحص، والذي كشف عن اختلافات بالمقارنة مع مجموعة أخرى، بلغت 30 شخصاً، تتمتع بصحة جيدة.
وبينت نتائج الدراسة أن الاختلافات بين المجموعتين كانت في استجابات الجسم غير الواعية لتفاعلات كيميائية في مناطق بالدماغ بعينها، وهذه الأماكن هي المسؤولة عن الاستجابة للإجهاد.