قص المعدة..وسيلة جراحية لمعالجة البدانة

مقالات

تحقيق: راندا جرجس

تعتبر السمنة من أكثر الأمراض شيوعاً، وأكبر المشكلات التي تعدّ عاملاً أساسياً في الإصابة بالأمراض وخاصة المزمنة والخطِرة التي تؤثر في صحة الإنسان، كما أنها من أهم العوامل التي تؤدي إلى الإصابة بالسرطان، إضافة إلى أنها في جميع الإحصائيات والأبحاث أثبتت أن مؤشرات الإصابة بها في تزايد مستمر ما ينبئ بالخطر، ويرجع ذلك لأسلوب الحياة غير الصحي وعدم الحركة وممارسة التمارين الرياضية بشكل منتظم، وتناول الوجبات السريعة ذات الدهون العالية وغير المغذية، وعلى الرغم من أن المرضى يتبعون طرقاً عديدة لنقص أوزانهم، فإن هناك الكثير من المحاولات التي تفشل نتيجة زيادة الوزن المفرطة، ولذلك ينصح الأطباء باللجوء إلى عمليات جراحة البدانة، ومنها قص المعدة، التي سيتحدث عنها الخبراء والاختصاصيون في السطور القادمة بالتفصيل.
يقول الدكتور عبد القادر ويس، مختص الجراحة العامة والتنظيرية، إن عملية قص المعدة، أو التكميم، هي إحدى العمليات الجراحية التي نجريها لمعالجة البدانة المفرطة والمرضية، والتي يتم من خلاها تصغير حجم المعدة من خلال قصها لتصبح بشكل أنبوبي حجمه تقريباً 20 إلى 25 % من حجم المعدة الأصلي، وهي أحد شكلين رئيسيين لجراحة السمنة، تعمل على تحديد الوارد الفموي بتصغير حجم المعدة ذاتها، أما الشكل الآخر لجراحات البدانة، فهو جراحات تحويل المسار بأشكالها المتعددة، ويتم اختيار المرضى للخضوع لهذا النوع من الجراحة عبر معادلة حسابية بسيطة، يتم من خلالها تقسيم وزن المريض مقدراً بالكيلوجرام على ناتج الطول بالمتر المربع، كما يجب على المريض أن يتجاوز مشعر كتلة الجسم لديه الـ 35 كج/م2 مع وجود مرضين أساسيين ناجمين عن هذه البدانة وهما «داء السكري وارتفاع التوتر الشرياني»، أو عند امتلاك المريض لمشعر كتلة جسم يفوق 40 كج/م2 دون أمراض مصاحبة، ويشترط في المرضى المختارين لهذا النوع من العمليات خلوهم من الارتجاع المريئي، وكذلك الأمر فشلهم في إنقاص الوزن بالطرق غير الجراحية على مدار 6 أشهر، وذلك حسب اتفاق وتوصيات جمعيات جراحة البدانة وجراحة الاستقلاب العالمية.

قص المعدة

يشير د.ويس إلى أن هذا النوع من العمليات يتم إجراؤه تحت التخدير العام، عبر ثقوب صغيرة في جدار البطن يتراوح عددها بين ثلاثة إلى خمسة ثقوب، حيث يتم فصل الانحناء الكبير للمعدة عما يعرف طبياً بالثرب، وهو (طبقة من شحوم البطن على شكل مئزر يصل بين المعدة والقولون)، يقوم بعدها الطبيب بإدخال أنبوب بقياس معين إلى داخل جوف المعدة وذلك عبر الفم، هذا الأنبوب سيكون الدليل الذي نقوم من خلاله بقص المعدة على شكل الأنبوب، وذلك باستخدام أدوات معينة تقوم بعملية القص و«التدبيس» بآن واحد، ثم يتم بعد ذلك التأكد من سلامة خط القص وتحري النزف، فإن كانت الموجودات مرضية للجراح، عندئذ يقوم باستخراج الجزء المقصوص من المعدة، وسحب أدواته وإغلاق المداخل الجراحية أصولاً، وتتميز عملية قص المعدة بأن المريض يعود سريعاً لحياته في مدة لا تتجاوز الخمسة أيام الأولى بعد إتمام الجراحة.
يضيف: يفقد المريض خلال الشهر الأول ما يقارب 10% من مجمل وزنه، ويستمر نقص الوزن حتى الوصول التقريبي إلى الوزن المثالي بعد 6 أشهر من الجراحة، وينصح المريض بالمتابعة مع اختصاصي التغذية طوال هذه المدة؛ لتجنب نقص العناصر الغذائية المهمة، وللمحافظة على نقص وزن متوازن.

فئات ممنوعة

يذكر الدكتور حسام الطرابلسي، مختص جراحة علاج البدانة والسمنة أن عملية تكميم المعدة بالتنظير، أصبحت شائعة جداً في الوقت الحاضر، وتعتبر من بين أكثر جراحات تنقيص الوزن فعالية، فهي تساعد المرضى الذين يعانون السمنة المفرطة في التغلب على ذلك، خصوصاً إذا تم اختيار المريض المناسب، وتم إعداده بشكل جيد للجراحة، وهناك بعض المعايير التي يتم فيها استبعاد المريض من إجراء عملية التكميم بالتنظير، وهم:-
* الأشخاص الذين يكون مؤشر كتلة الجسم لديهم أقل من 40 دون وجود اعتلالات مشتركة.
* من تقل أعمارهم عن 18 عاماً أو تزيد على 62 عاماً، باستثناء حالات ومراكز مختارة.
* الذين يعانون إدمان الكحول والمخدرات.
* المصابون بفتق صرة كبير أو يعانون ارتجاعاً معدياً مريئياً حاداً.
* الذين لا يخططون للامتثال للنظام الغذائي بعد العملية الجراحية.
* مرضى الاضطرابات النفسية، أو الذين يعانون التهاباً أو حالة طبية في الجهاز الهضمي، كالقرحة أو التهاب المريء الشديد أو مرض كرون، أو حالات شديدة في القلب أو الرئة، الأمر الذي يجعلهم معرضين لأي مضاعفات خلال الجراحة، مرضى ارتفاع ضغط الدم البابي، من لديهم حالات معدية أو معوية غير طبيعية (خلقية أو مكتسبة)، مثل ضيق فتحة المعدة أو الأمعاء، وكذلك الذين يعانون مشاكل، ربما تسبب نزيفاً في المريء أو المعدة، مثل دوالي المريء أو المعدة (الوريد المتوسع)، إضافة إلى توسع الشعيرات المعوي الخلقي أو المكتسب.

مضاعفات بعد الجراحة

يؤكد د. الطرابلسي أن عملية تكميم المعدة مثل أي عمل جراحي، ربما تحدث أثناءها أو بعدها بعض المضاعفات، وتتمثل المخاطر الأكثر شيوعاً في حدوث نزيف شديد، الإصابة بالعدوى، رد الفعل السلبي للتخدير، جلطات الدم، ظهور مشاكل في الرئة أو التنفس، تسرب من حافة مكان قص المعدة.
يستكمل: هناك أيضاً بعض المخاطر التي تظهر على المدى الطويل والمضاعفات المحتمل حدوثها بعد جراحة تكميم المعدة بالتنظير، والتي يمكن أن تشمل انسداداً في الجهاز الهضمي، ظهور الفتوق، الارتجاع المعدي، انخفاض مستوى السكر في الدم، سوء التغذية، التقيؤ.

تأثيرات متعددة

يوضح د.الطرابلسي أن الضغط يرتفع داخل المعدة بعد إجراء جراحة تكميم المعدة بالتنظير، ما يؤدي إلى ظهور أعراض الارتجاع المعدي والحموضة، وربما يتسبب ذلك في الشعور بحرقة في المعدة وألم في الصدر وسعال ليلي، وحتى الالتهاب الرئوي التنفسي، ولذلك يجب أن نكون حذرين من تقديم جراحة تكميم المعدة بالتنظير، ضمن حلول خسارة الوزن للمرضى الذين يعانون الارتجاع المعدي المريئي الحاد؛ لأن هذه الحالة ستزداد سوءاً بعد العملية، وبالمقابل يمكن للمرضى الذين يعانون فتقاً صغيراً من دون وجود ارتجاع معدي مريئي كبير، يمكنهم اختيار جراحة تكميم المعدة بالتنظير كحل لخسارة الوزن، وتجدر الإشارة إلى أنه بعد إجراء عملية جراحة البدانة فإن معظم أنظمة الجسم ستتأثر كجزء من التغيير، وسيكون فقدان الوزن على حساب الدهون والبروتينات في الجسم، ولهذا سيعاني المرضى إعراضاً إيجابية في الأغالب، وبعض الآثار السلبية الطفيفة.
يضيف: إن الآثار الإيجابية بعد هذه الجراحة ستكون بمنزلة علاج لحالات مثل مرض السكري من النوع الثاني، وارتفاع ضغط الدم، وتوقف التنفس أثناء النوم، وآلام الظهر والمفاصل، وأما الأعراض السلبية، فربما تشمل التساقط المؤقت للشعر، وجفاف وترهل الجلد، يمكن السيطرة على جميع الآثار السلبية عن طريق اتباع نظام غذائي ذكي، وهذا يعني اتباع نظام غذائي متوازن يحتوي على جميع المكملات والتمارين الرياضية اللازمة لتجنب أوجه القصور.

اكتساب الوزن

يشير د.الطرابلسي إلى أن المعدة تمتلك قدرة مذهلة على التمدد والتوسع كنتيجة لتناول الطعام، حيث تتكون جدران المعدة من طيات من الأنسجة، وتتوسع وتتقلص هذه الطيات في جدار المعدة كرد فعل مباشر لدخول الطعام ووصوله إلى المعدة، حيث يمكن للمريض استعادة بعض من الوزن الذي خسره خلال 3 إلى 5 سنوات، ويعد هذا الأمر طبيعياً في حال كانت نسبة زيادة الوزن 5% إلى 10% من الوزن الذي خسره المريض، لكن عندما تتجاوز هذه النسبة 30%، فمن المرجح أن يكسب المريض معظم الوزن الذي خسره على مدى 5 سنوات؛ لذلك فإن جراحة تكميم المعدة بالتنظير تعتبر الخطوة الأولى في علاج السمنة المرضية، ولكن الحفاظ على فوائد هذه الجراحة يكون باتباع نمط حياة صحي، وتجنب تناول الأطعمة والمشروبات ذات السعرات الحرارية العالية.

نظام غذائي

تذكر اختصاصية التغذية السريرية مي الجودة، أن هناك نظاماً غذائياً يجب أن يلتزم به كل من خضع لقص المعدة في الفترة الأولى بعد العملية؛ حيث إن المريض يمر بعدة مراحل في النظام الغذائي خاصة في الفترة الأولى، ويجب عليه أن يتدرج في مراحلها، وأن يلتزم بتناول الطعام المطلوب في كل مرحلة، من دون القفز بين مراحل النظام الغذائي، وهي كالآتي:-
* في اليوم الثاني والثالث بعد العملية يتناول المريض ســـــوائل شــــفافة، مثل عــــصير التفاح أو العنب، حساء أو مرق اللحـــــم أو الدجــــاج المصفى، الجيلاتين (الجلو)، مثلجات عصير الفاكهة المصفى، شاي أو قهوة خاليين من الكافيين.
* من اليوم الرابع وحتى 2-3 أسابيع بعد العملية يأتي دور الســـــوائل الكاملة مثل: الحليب، شراب اللبن أو الزبادي، حساء لحم/دجاج/سمك مطحون مصفى، عصير الفاكهة والخضراوات، مخلوط الحليب
* من 3 إلى 7 أسابيع يتناول المريض سوائل وطعاماً مطحوناً أو مهروساً، مع التركيز على الأطعمة التي تحتوي على البروتين مثل اللحوم، البيض، جبن القريش، الزبادي، التوفو.
* في الأسبوع الثامن، يمكنه تناول الأطعمة ذات القوام الطري والمطبوخة لفترة أطول من المعتاد، والابتعاد عن النشويات والبقول.
* بعد 8 أسابيع من العملية يأكل الطعام العادي، ولكن بكميات صغيرة جداً، على أن تكون الأولوية للطعام البروتيني، ثم الخضراوات والفاكهة المطبوخة، والتقليل من النشويات.

المرحلة الثانية

تفيد الجودة بأنه بعد اجتياز المرحلة الأولى كما ذكرنا، يجب أن يتناول المريض الذي خضع لعملية قص المعدة الطعام بمعدل كل ساعة أو ساعتين، ولكن في كل مرة يجب مراعاة أن تكون كمية الطعام المتناولة صغيرة جداً، أي ما يعادل فنجان قهوة صغيراً، ويفضل التركيز على تناول الأطعمة البروتينية، ومن ثم الخضراوات المطبوخة أو الفاكهة ويجب تقليل كمية النشويات المتناولة قدر المستطاع، وعدم إضافة الدهون أو الزيوت للطعام، وشرب السوائل بالقدر الكافي بين الوجبات؛ لتجنب الإصابة بالجفاف، على أن تكون على شكل عصير أو مرق أو حساء أو شراب لبن، ويجب الابتعاد عن السلطة أو الخضراوات والفاكهة النيئة أو المقطعة والنشويات كالخبز والمعجنات، والبقول والمشروبات الغازية، وربما يحتاج المريض لتناول بعض المكملات الغذائية كالفيتامينات والمعادن والبروتين، ويفضل أن يمضغ المريض الطعام جيداً لتجنب المشاكل الهضمية، وربما يزداد وزنه بعد الخضوع للعملية، نتيجة عدم الالتزام بالنظام الغذائي المناسب للعملية والعودة لممارسة العادات الغذائية الخاطئة.

المركز الرابع

تعد السمنة من الأمراض التي تتزايد وتنتشر بسرعة كبيرة بين الأشخاص البالغين والمراهقين والأطفال، على الرغم من أنها من المشكلات التي يمكن الوقاية منها بالتنظيم الجيد وأسلوب الحياة الصحي، ووفقاً للأرقام والدراسات، أظهرت إحصائية منظمة الصحة العالمية التي اعتمدت على حسب متوسط وزن أجسام المواطنين ولياقتهم البدنية، فإن الإمارات تحتل المركز الرابع عالمياً في نسبة انتشار السمنة.
ويبلغ عدد المصابين فيها 33.7%، كما أن هناك 6 دول عربية من مجموع 10، وتحتل الكويت المركز الأول في النسبة الأعلى للمرض.