زراعة الكلى..الخيار الأفضل للمراحل المزمنة

مقالات

تحقيق: راندا جرجس

تعتبر المشكلات التي تصيب الكلى من الأمراض المزمنة، حيث إنها تؤثر على وظائفها وفقدانها بشكل تدريجي، وتصنف هذه المشكلات على شكل خمس مراحل، وتعد المرحلة الأولى هي الأقل أعراضاً ومضاعفات، ويتوالى انخفاض نسبة عمل الكلى بشكل منحدر ليصل إلى 30% ثم 60% في المرحلة الثالثة وإلى 15% ثم أقل في المرحلة الخامسة والتي تصنف أنها اعتلال عنيف، ومؤشر لنقص عمر المريض، والأسوأ أن هذه الحالات لا يوجد له علاج محدد سوى الغسل الكلوي بشكل مستمر ومكثف وهى عملية صعبة تسبب العديد من الآثار الجانبية للمريض، ولذلك فإن زراعة الكلى هي الحل الأفضل.
يقول الدكتور ديباك لاكسمان جادهاف، استشاري أمراض الكلى: عملية الزراعة تعد أفضل خيار علاجي متاح لمرضى المرحلة الأخيرة من الاعتلال الكلوي، حيث تؤدي العملية إلى استعادة الوظائف الطبيعية الكاملة للكلى، فضلاً عن الأثر الإيجابي الواضح الذي تعود به على نوعية حياتهم، كما أنها تقلل من نسبة الوفيات الناتجة عن هذا المرض في كافة الشرائح العمرية، وتتيح زراعة الكلى للمرضى المتعافين التنعم بأسلوب حياة طبيعي من جديد، إذ يتسنى للطفل العودة إلى المدرسة، والإنسان البالغ إلى عمله للإنتاج وكسب العيش، كما تسمح للشابات بالتخطيط للحمل بشكل طبيعي حال عودة الوظائف الكلوية إلى عملها بعد العملية، وهنا تجدر الإشارة إلى أهمية إجراء التقييم لإمكانية زراعة الكلى بأسرع وقت لدى جميع المرضى الذين يعانون من المرض الكلوي المزمن غير الرجعيّ، وتتم زراعة الكلى بإجراء عمل جراحي، حيث تؤخذ الكلية السليمة من متبرع حيّ أو متوفىّ لتتم زراعتها في جوف المريض المصاب بالاعتلال الكلوي، ويُذكر أن الكلية الواحدة كافية لتنقية الدم من السموم أو الفضلات الناتجة عن عملية الأيض والتخلص منها عن طريق البول.

اختبارات وفحوص

يشير د. ديباك إلى أنه ينبغي على المريض الخضوع لبعض الاختبارات والفحوص قبل إجراء عملية الزرع، وذلك لتقييم حالته الصحية، والتحقق من وجود الأورام الخبيثة، أو أية اضطرابات في الأعضاء الأخرى، ومدى جاهزيته للخضوع للجراحة، وتبدأ عملية التقييم بدراسة التاريخ الطبي للمريض بشكل دقيق، وتتضمن إجراء فحوص سريرية واختبار زمرة الدم، والتعداد الكامل للعناصر الدموية، واختبار وظائف الكبد والكلى ومستويات الكالسيوم والفوسفور، وفحص مستوى سكر الدم التالي للصيام والأكل، بالإضافة إلى بعض الفحوص التي تشمل التحقق من العدوى الفيروسية، وفيروس التهاب الكبد من النمط B وC، وتخطيط لكهربائية القلب، وتصوير الصدر بالأشعة السينية، وتصوير البطن بالأمواج فوق الصوتية أو بالتصوير المقطعي المحوسب، والتصوير الصدوي «إيكو» ثنائي الأبعاد.

تقييم قبل الزراعة

يذكر د. ديباك أنه يتم تقييم الحالة القلبية والوعائية للمريض من قبل مختص الأمراض القلبية لتحري أي مرض، لمعالجته قبل الخضوع لعملية زراعة الكلى، ويشمل ذلك اختبارات إجهاد القلب بما في ذلك التصوير الصدوي ثنائي الأبعاد، وأشعة الثاليوم، وينطوي هذا التقييم على أهمية بالغة خصوصاً لدى البالغين، وخاصة من يملكون تاريخاً طبياً من ضغط الدم أو السكري أو أمراض الأوعية الدموية الطرفية، أو اضطراب شحوم الدم، والمدخنين، أمراض القلب التاجية، كما يخضع من يعانون مشكلات الجهاز التنفسي لاختبار وظائف الرئة، واستشارة مختص الأمراض الرئوية، وكذلك الذين سبق وأصيبوا بأحد الأنواع السرطانية، من قبل أخصائيي الأورام والأمراض الجلدية للتأكد من خلوهم من أية أورام خبيثة، وتختلف الفحوص والاختبارات السريرية تبعاً للحالة الصحية لكل مريض، في حين يتم تقييم جاهزية المريض للخضوع لعملية زراعة الكلى، بالإضافة إلى إجراء تقييم شامل من قبل جراح المسالك البولية أو جراح زراعة الأعضاء، وذلك قبل خضوعه للجراحة، كما تخضع المريضات الإناث لفحوص الثدي، بالإضافة إلى التصوير الشعاعي للثدي في حال تجاوزت المريضة 40 عاماً.

متابعة واهتمام

يفيد د. ديباك بأنه في الفترة اللاحقة لعملية زراعة الكلية، تتم متابعة حالة المريض عن كثب من قبل مختص زراعة الكلية، وتوصف له مجموعة متنوعة من الأدوية المثبطة للمناعة، وذلك لكبح ردة فعل الجسم السلبية على الكلية الجديدة المزروعة، ويعد تناول هذه الأدوية والمواظبة عليها أمراً إلزامياً وبالغ الأهمية، فهي تمنع رفض الكلية المزروعة من قبل الجهاز المناعي للجسم، ويضاف إلى ذلك وجوب المتابعة الدورية لدى الطبيب لتقييم وظيفة الكلية الجديدة والتحقق من عدم وجود أية عدوى أو أورام سرطانية أو نشوء مرض قلبي وعائي، وتنبغي العناية الكاملة بعد عملية الزراعة والقيام بالإجراءات المطلوبة على أكمل وجه ليتمكن المريض من استعادة صحته وأسلوب حياته الطبيعي بأسرع وقت.

أمراض الكلى

من جانبه يؤكد الدكتور نزار عطا الله، استشاري طب الكلى، أن زراعة الكلى تعد أفضل العلاجات للفشل الكلوي أو لأمراض الكلية المزمنة، وهي تتيح للمريض العيش لفترة أطول، وتحرره من الحاجة إلى غسل الكلى، وتعزز طاقته وقدرته على التحمل وتمكنه من ممارسة حياته بشكل طبيعي، حيث تنجم أمراض الكلية عن عدة أسباب، أهمها السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض المناعة الذاتية، مثل الذئبة، وتتضمن أعراضها الإرهاق والضعف وجفاف البشرة والحكة وصعوبة في النوم وتورم القدمين أو الكاحلين، ولكن ربما لا تظهر هذه الأعراض إلا بعد وصول المرض إلى مرحلة متقدمة، لذلك من المهم إجراء الفحوص الطبية الدورية لمراقبة الحالة الصحية باستمرار.
ويقول إن التشخيص المبكر لأمراض الكلية مهم، لأنه يسمح بالعلاج السريع الذي يفيد في إبطاء تقدم المرض ومنع تضرر الأعضاء الأخرى، وهناك مجموعة من العلاجات المتوفرة التي تؤخر تطور المرض، لكن الزراعة هي العلاج الأفضل لأمراض الكلية المزمنة في مراحلها المتقدمة، ويفضل أن يتم اللجوء إلى هذا الخيار قبل الوصول إلى المرحلة التي يحتاج فيها المريض إلى غسل الكلية لضمان نتائج أفضل عند المريض وديمومة أطول للكلية المزروعة.
ويضيف د. نزار: في الغالب يتم التبرع بالكلية من الزوج أو الزوجة أو أحد الأقارب حتى الدرجة الرابعة، الذين يقدرون حاجة المريض للكلية ويقررون التبرع بها، كما يمكن أن يتم ذلك من متبرع متوفّى، وفي هذه الحالة يكون اسم المريض مدرجاً في قائمة الانتظار للخضوع للزراعة، ويجب أن يتوفر في عملية التبرع توافق زمر الدم وأنواع الأنسجة عند المريض والمتبرع، ولهذا فإننا نستخدم تحليل الدم لفحص مستضادات الخلايا البيضاء البشرية، لتحديد نوع مستضادات الأنسجة التي ورثها المريض، ونراقب الدم بانتظار لرصد أي مستضادات، ويمكن الاحتفاظ بعينات الدم واستخدامها للتأكد من توافق أنسجة المريض مع أنسجة المتبرعين المحتملين، ولا يوجد عمر محدد للخضوع لزراعة الكلى، بل يكون التركيز بشكل أساسي على أن يكون المريض والمتبرع بحالة صحية جيدة ومستعدين نفسياً للجراحة، فالحالة الصحية والوظيفية أهم بكثير من العمر، كما يمكن أن يخضع المريض لأكثر من عملية زراعة كلية في حياته.

مضاعفات زراعة الكلية

يبين د.نزار أن مضاعفات زراعة الكلية لا تختلف عن أي مضاعفات مرتبطة بأي عمل جراحي آخر، ولذلك يظل المرضى تحت المراقبة الدقيقة في الأيام والأسابيع التي تلي العملية، حيث تطبق المستشفيات الحديثة إجراءات فعالة جداً للحد من خطر الإصابة بالعدوى، وتزيد البدانة والنزيف والمشاكل التنفسية من خطر حدوث المضاعفات بعد الجراحة، ويمكن أن يواجه المرضى الذين يخضعون لجراحة زراعة أعضاء خطر رفض الجسم للعضو المزروع، لكن رغم ذلك، ترتفع نسبة نجاح زراعات الكلية بفضل توفر الأدوية المثبطة للمناعة التي تمنع مثل هذا الرفض. وهنا لا بد من الإشارة هنا إلى أن مثل هذه الأدوية لها آثار جانبية، إذ يمكن أن تسبب زيادة في الوزن أو ظهور البثور أو نمو الشعر الزائد أو خسارته، لكن الكثير من هذه الآثار يمكن السيطرة عليها.

فترة النقاهة

أما الدكتور عمار عبد الباقي، استشاري طب الكلى، فيقول إن المريض يبدأ بالشعور بالفرق والتحسن في حالته الصحية بعد الجراحة مباشرة، وذلك لأن الكلية المزروعة تبدأ عملها في تنقية الدم من السموم والمواد الزائدة وطرحها على شكل بول، يظل المريض بعد الجراحة في وحدة العناية المركزة ليكون تحت المراقبة حتى تستقر حالته تماماً، وبعد ذلك يُنقل إلى غرفة عادية ليقضي فيها فترة تتراوح من أسبوع إلى أسبوعين، وذلك حسب الحالة، وتتضمن الرعاية بعد الجراحة الدعم والمتابعة من قبل فريق متعدد التخصصات يضم خبراء في طب الكلى وجراحات الزراعة والصيدلة السريرية والتغذية والخدمات الاجتماعية والتنسيق.
يستكمل: بعد الجراحة، يحتاج المريض إلى اتّباع برنامج غذائي لأنه غالباً ما يواجه إغراء تناول المزيد من الطعام حيث يجد متعة أكبر في ذلك بعد القيود الغذائية التي تفرض عليه قبل الجراحة، وهذا ما يجعله عرضة لزيادة الوزن. ومن المهم جداً تقليل استهلاك الملح والتركيز على نوعية الطعام، فالجسم يحتاج، على سبيل المثال، إلى طعام غني بالفوسفور، مثل منتجات الألبان قليلة الدسم، لإعادة بناء كتلته العظمية. قد تظهر فحوص الدم وجود نقص في مستويات بعض المعادن، مثل البوتاسيوم، أو الفيتامينات، وفي مثل هذه الحالة يمكن اللجوء إلى استخدام المكملات الغذائية.

أحدث التقنيات

يشير د. عمار إلى أن التقنيات الحديثة في جراحات زراعة الكلى، تعتمد على أن تُترك الكلية المريضة عادة في مكانها، وتتم زراعة كلية سليمة في جسم المريض لتقوم بوظائفها وتسهم في تحسين حالته الصحية. تشهد زراعة الأعضاء تنامياً سريعاً وتطورات وابتكارات جديدة كل يوم، وتشمل أحدث التطورات في هذا المجال التقنيات الجراحية، مثل الجراحة بمساعدة الروبوت، وزراعة جزء من الكبد من متبرع حي وزراعة الدم والأنسجة غير المتطابقة وبرنامج تبادل الأعضاء لإتاحة الفرصة لاستفادة عدد أكبر من المرضى منها، إضافة إلى ذلك، هناك منتجات جديدة من الأدوية المثبطة للمناعة والعلاجات البيولوجية التي يتحملها المرضى بشكل أفضل، إذ إن آثارها الجانبية أقل وفعاليتها أكبر في تثبيط عمل الجهاز المناعي.
يضيف: تركز أبحاث زراعة الأعضاء حالياً على تحسين مستوى التحمل المناعي لدى المرضى، بحيث تساعد الجسم على قبول العضو المزروع دون الحاجة إلى أدوية مثبطة للمناعة. الخلايا الجذعية وهندسة الأنسجة هي أيضاً من الجوانب الواعدة التي تعطي الأمل بإمكانية تصميم وإنتاج أعضاء تتوافق مع أنسجة المريض وتلغي الحاجة إلى وجود متبرع أو إلى استخدام الأدوية المثبطة للمناعة.

رعاية خاصة

ومن جانبه يؤكد الدكتور خالد محمود أبو الدهب مختص الـرعاية الحرجة، أن هناك بعض الأعراض الجانبية للغسل الكلوي، وهو علاج لمشكلة الفشل الكلوي، ويقول إن اغـــلبـــ مشاكل هؤلاء المرضي، تعود إلي التقــدم الطبيعي للمرض مثل حدوث التهابات أو عدم انتظام نسبة الأملاح أو هبوط أو ارتفاع الضغط أو تجمع السوائل بالجسم أو ازدياد حموضـــة الدم.
وتتمثل الأعراض الجانبية في انخفاض ضغط الدم (نقص ضغط الدم)، الذي يعد أثرًا جانبيًا شائعاً لغسل الدم، خاصة إذا كان المريض يعاني من داء السكري، تشنجات في العضلات، وجود حكة، اضطرابات في النوم، مصاب بالأنيميا، أمراض العظام، ارتفاع ضغط الدم، فرط حمل السوائل، ولذلك يحتاج هذا المريض لبعض الإرشادات الخاصة بالرعاية الصحية ليستطيع أن يحتمل هذه المعاناة، وهذه الطرق تشتمل على:-
– يحتاج مريض الغسل الكلوي لزيارات طبية دورية إلى طبيب الكلي المعالج.
– متابعة دورية بعمل التحاليل اللازمة للاطمئنان على نسبة الأملاح ونسبة الهيموجلوبين.
– استخدام أدوية معينة بشكل دوري، وعدم تناول أي عقاقير دون مشورة الطبيب.
– الالتزام بنظام غذائي ملائم للحفاظ على نسب البولينا والكرياتنين.
– جلسات غسل كلوي ثلاث أو أربع مرات يومياً حسب احتياج المريض
المراحل الحرجة لمرضى الغسل.

المتلازمة الكلوية للصغار

تستهدف أمراض الكلى الأطفال كما الكبار، عن طريق الإصابة ببعض الالتهابات في الجسم، أو تناول أدوية سامة ويتسبب ذلك في تلفها، وهناك مشكلات تكون ناتجة عن عيوب خلقية تؤثر على نسيج الكلى، ما يجعلها لا تقوم بعملها بشكل صحيح، أما الإصابات الأكثر شيوعاً فهي المتلازمة الكلوية التي ينجم عنها أضرار في الكلى، ويرافقها فقدان الشهية والشعور بالإرهاق وتورم في الأطراف وحول العينين، ويعد اعتلال الكلى السكري، هو الأساس في الإصابة بهذه المتلازمة.