كسور الفك السفلي..ألم ومضاعفات خطرة

مقالات

تعد كسور الفك السفلي السبب الثاني الأكثر انتشاراً للكسور في الوجه؛ وذلك بعد كسور الأنف؛ لأن عظم الفك السفلي يعد العظم الوحيد المتحرك في الجمجمة، وتنتشر كسور الفك السفلي بين اللاعبين بالرياضات العنيفة؛ مثل: الملاكمة، وفي حالات السقوط والصدمات العنيفة.
وتختلف درجة الكسر ونوعه بين حالة وأخرى، وبالتالي يكون العلاج مختلفاً؛ ولكن كل الحالات تعد طارئة، وبحاجة إلى نقل سريع للمشفى، ليتم أولاً رد العظام لوضعها الطبيعي، خاصة إن كان هناك أي تبدل وانزياح للفك من مكانه، ثم إجراء اللازم بعد ذلك من علاجات.
يتم هذا الأمر من قبل جراح الفم والوجه والفكين، ولا يقوم به غير المتخصص، ثم بعد ذلك يتم تركيب الصفائح والبراغي أو الربط بالأقواس والأسلاك، ويكتفى بالمسكنات والأطعمة اللينة في بعض الحالات البسيطة.
ونتناول في هذا الموضوع مشكلة كسر الفك السفلي بالتفاصيل، والعوامل والأسباب التي تؤدي إلى هذه الحالة، وكذلك الأعراض التي تظهر مع تقديم سبل الوقاية الممكنة وأساليب العلاج المتاحة والحديثة.
تقول الدكتورة سنان أمجد لطفي اختصاصية جراحة الفم والوجه والفكين بالشارقة: يبرز الفك السفلي فوق العنق وهو أسفل الوجه، إضافة إلى أنه الجزء المتحرك الوحيد من الجمجمة، ويتصل بها عن طريق مفصلي الفك الصدغي على جانبي الوجه يتصلان بالعظمين الصدغيين، وهذا ما يعرضه للكسر أكثر من غيره.

أقوى عظام الوجه

ويحمل الفك السفلي الأسنان السفلية، ويعد أكبر وأقوى عظم في الوجه، ويميل للشكل المربع أكثر عند الرجال، كما أنه أقوى وأكبر عندهم من النساء.
وتحتل كسور الفك السفلي المركز العاشر في انتشار حدوثها، مقارنة ببقية الجسم، وتحتل كذلك المركز الثاني من بين الكسور التي تصيب الوجه بعد الأنف الأكثر بروزاً في الوجه.
تضيف د. سنان: تنقسم أسباب حدوث كسر بالفك السفلي إلى نوعين، فإما أن ينتج الكسر عن صدمة شديدة من الخارج، كما يحدث في الحوادث أو أماكن العمل الخطرة، أو حال السقوط من ارتفاع كبير، أو في المشاجرات أو الرياضات العنيفة كالمصارعة والملاكمة وغيرها.
وتحدث كسور الفك كذلك لأسباب داخلية بالجسم، أي نتيجة أمراض كهشاشة العظام، أو التسممات المعدنية أو الأورام أو التهاب العظم والنقي.
وتتسبب بعض أمراض الجهاز العصبي في هذا الكسر، وكذلك من الممكن أن يؤدي خلع ضرس العقل، ووجود الأرحاء الثالثة السفلية، إلى حدوث كسر بالفك السفلي.

درجات وأنواع

توضح د. سنان لطفي أنواع كسور الفك، قائلة: تنقسم إلى عدة أنواع تبعاً لشدة الكسر، فأشد هذه الكسور النوع التام، ويليه الكسر الجزئي، وأدناها الصدع العظمي وهو كسر غير مكتمل، وتصاب به عظام الأطفال اللينة؛ لعدم اكتمال نمو وصلابة عظامهم.
وتتعدد أنواع الكسر التام من بسيط، وفيه ينقسم الفك إلى جزءين، والمركب الذي يكون فيه جزء الكسر بوضعية غير طبيعية، والكسر المرضي الناتج عن أمراض أخرى وإصابة العظام، وإلى كسر مفتت أو إلى النوعين معاً.
ويختلف انخلاع الفك عن تعرضه للكسر، رغم أن الأسباب واحدة والأعراض متشابهة، وينتج تزحزح الفك عن تغير موضع مفصل الفك عن مكانه الطبيعي، في حين أن الكسر هو تحطم جزئي أو كلي في موقع ما من عظم الفك.

تيبس الفك

تؤكد د. سنان وضوح أعراض كسور الفك الشديدة التي تظهر على المصاب، قائلة: ينتفخ الوجه ويلاحظ وجود كدمة عليه، ويشعر المصاب بالتنميل والخدر بالوجه، خاصة بالشفة السفلى، ويحدث نزيف من الفم وعدم القدرة على حركة الفك، وبالتالي يكون المضغ والبلع صعباً؛ حيث تصاحبه آلام شديدة، ومن الممكن أن تتخلخل الأسنان أو يلاحظ عدم تطابقها على بعضها.
ويتزحزح الفك عن مكانه في بعض كسور الفك الشديدة، الأمر الذي تنتج عنه أعراض سيلان اللعاب خارج الفم؛ بعد ألا ينطبق الفكان على بعضهما، ولا ينغلق الفم بشكل تام، ولا تنطبق الأسنان على بعضها مع آلام في الفك وبروزه.

أعراض الكسر

وعن أهم أعراض كسر الفك يقول طبيب الأسنان الدكتور كابي حداد: يشعر المصاب بالكسر الذي أدى إلى خلع الفك بآلام في الوجه، تتركز خلف الأذن التي حدث الخلع من ناحيتها، وتزداد آلام الفك والوجه عند تحريك الفك، ما يسبب صعوبات شديدة عند الأكل والبلع.
ويتعرض الأطفال الصغار في سن التسنين إلى كسر في الفك السفلي، في حالات السقوط وإذا ما أهمل علاجه سريعاً، يؤدي إلى تيبس بالفك.
يضيف الدكتور كابي: يمكن ملاحظة احتمالية وجود كسر بالفك السفلي للرضيع، عن طريق وجود ورم في أحد جانبي الوجه، أمام فتحة الأذن مع عدم استطاعة الرضيع تناول الطعام أو الرضاعة، وعدم استطاعته فتح فمه بشكل طبيعي.

التحام خاطئ

تختلف المضاعفات الناتجة عن كسور الفك السفلي باختلاف شدة الكسر كما يوضح د.كابي، ويضيف: في بعض الحالات الخفيفة لا يعرف المصاب بوجود الكسر؛ نظراً لعدم شدة الألم، ما يجعله يهمل زيارة الطبيب فتلتئم عظام الفك بشكل خاطئ، يؤدي لعدم القدرة على فتح الفم، وحدوث سوء في إطباق الفكين.
ويؤكد د. حداد: توجد الكثير من المضاعفات المحتملة للحالات الشديدة، والتي يمكن أن تصل بعض الدماء من النزيف للرئتين، وكذلك من السوائل أو حتى من الطعام، ما يعرض المصاب للكثير من السعال ولخطر الاختناق، أو التعرض لوذمة مائية أو تجمع سوائل بالرئتين.
وتؤدي كسور الفك السفلي إلى صعوبة التحدث أو التكلم بكلام غير مفهوم، بخلاف احتمالية حدوث التهابات وتورمات في الفك أو الوجه، ما يعني الحاجة لاستخدام مضادات حيوية.

تحري إطباق الأسنان

يحذر د. كابي من إهمال حالات الكسر قائلاً: تعد حالات كسور الفك السفلي أو تزحزحه عن موضعه من الحالات الطــــارئة، التي تتطــــــلب نــــقل المصاب إلى المستشفى بسرعة، ومن الممـكن أن يحـــتاج إلى بعض الإســعافات في الطريق؛ لذا يفضل طلب سيارة الإسعاف لنقله.
ويجب إمساك الفك بروية ومن دون ضغط أو قوة، ويمكن التعويض عن ذلك بلف قطعة قماش، أو عصابة حول وجه المصاب من أعلى الرأس، وحول أسفل الفك، وينبغي أن تتم إزالتها بسهولة وسرعة؛ حيث يمكن أن يحتاج المصاب إلى إخراج الدماء من فمه أو التقيؤ.
ويختلف علاج كسور الفك السفلي بين حالة وأخرى، ففي حالات خلع الفك يمكن للطبيب المتمرس إعادة الفك إلى موضعه الطبيعي، ويساعده في ذلك عودة إطباق الأسنان، ويكون ذلك بعد تشخيص حالة المريض، وتصويره بالأشعة السينية وتقديم مخدر موضعي له.

حالة طارئة

يحذر طبيب الأسنان الدكتور هاني جاك من محاولة المريض أو أي شخص ممن حوله إعادة الفك لموضعه من دون الخبرة الكافية؛ لأن ذلك يمكن أن يتسبب في مضاعفات يمكن أن تكون خطرة، ويجب نقل المصاب حتى يفحصه الطبيب بعد الإصابة مباشرة؛ لأن التأخر في العرض على الطبيب من الممكن أن يعني بدء حدوث التئام لعظمة الفك على وضعها الخاطئ، وهو ما يستلزم طرقاً علاجية أخرى أكثر تعقيداً.
وتعالج الحالات الخفيفة ذات الشروخ أو الصدوع؛ بوضع المريض على نظام غذائي، من الأطعمة الطرية سهلة البلع مع السوائل، وتناول المسكنات ويحافظ المصاب على فكه بعدم فتحه على اتساعه أو تناول الأطعمة غير اللينة.
يضيف الدكتور هاني: يتم تثبيت الكسور المتوسطة والشديدة بعد ردها بواسطة صفائح معدنية وبراغ دقيقة، ويمكن للمصاب فتح فمه بعد تركيبها، وحتى وقت قريب كان يتم إغلاق الفم بأسلاك معدنية تسمى أقواس ايريك، تربط الأسنان العلوية والسفلية معاً حتى لا يتحرك الفك وتلتئم عظامه.
يؤكد د. جاك أن من الحالات الخطرة التي تستدعي الإسعاف حدوث كسر في الفك السفلي ثنائي الجانب في منطقة ارتفاق الذقن؛ حيث قد يسبب كسر هذا الجزء إلى تراجع اللسان للخلف وحدوث اختناق.

ستة أشهر وعام

يحتاج المصاب بكسر في الفك السفلي إلى المسكنات، إضافة إلى المضادات الحيوية في حالة وجود التهاب أو عدوى، وتبقى الصفائح والبراغي مدة ما بين ستة أشهر وحتى عام؛ حيث تزداد المدة مع كل تقدم في أعمار المصابين؛ نتيجة تسارع نمو العظام في الطفولة، وما يقابلها من صعوبة وبطء في الالتئام لدى كبار السن.
ويمكن أن يضطر الطبيب في حالات نادرة إلى استعمال الأسلاك المعدنية وربط الفم، وفيها يصعب على المريض التحدث أو تناول أي شيء غير السوائل، ويمكن حينها تحويل جميع الأطعمة إلى سوائل، عن طريق خفقها وعصرها بعد إضافة الماء إليها، ليتم شربها وتظل هذه الأسلاك لفترة تتراوح بين 4 و6 أسابيع.
ويختتم د. جاك قائلاً: تحتاج بعض الحالات للتدخل الجراحي؛ حيث يتم عمل شق في الجلد؛ لإعادة العظام إلى مكانها الطبيعي، وربطها مع الأسنان الثابتة القريبة حتى تلتئم.

حوادث السير

يحدث كسر في الفك السفلي في 20% من إجمالي حالات الإصابات التي تحدث بالوجه، وتنقل للمستشفيات. وكثيراً ما يصاحب الكسر إصابة بكسر جديد على الجانب الآخر من الفم، ويسمى في هذه الحالة بكسر مضاعف بالفك السفلي.
وتشير إحصائية إلى أن حوادث السير تتسبب في 40% من حالات كسور الفك السفلي، فيما تتسبب المشاجرات وحالات السقوط من ارتفاعات في 10% لكل منهما، وتنتج 5% من كسور الفك عن الرياضة.
وتساعد خوذات الرأس التي تمتد حتى الذقن لتغطي وتحمي راكب الدراجة الهوائية، في حماية الفك السفلي إذا ما تعرض لحادث، وينزاح الفك السفلي عن موضعه بسبب الإصابة أو الكسر إلى الأمام أو الأسفل، وإلى الخلف في حالات نادرة.
كما يتم خلع ضرس العقل السفلية عند الرياضيين كجزء من إجراء وقائي لتجنب كسور زاوية الفك السفلي مستقبلاً.
ويتغير شكل الفك السفلي وحجمه مع التقدم في العمر. وبعد سنوات من الوفاة، فإن عظم الفك السفلي يمكن أن يكون آخر ما يبقى من الشخص، وتمكن رؤيته وإمساكه، ويمكن للطب الشرعي تحديد عمر المتوفى، ساعة الوفاة، من حجم وشكل الفك السفلي.