الخلايا الجذعية.. ثورة علاجية

مقالات

تحقيق: راندا جرجس

يعد استخدام الخلايا الجذعية في علاج الأمراض المزمنة من أحدث الطرق المتطورة خلال آخر عشر سنوات في المجال الطبي، وعلى الرغم من أن استخدام هذه الطريقة حقق نتائج شفائية عالية للعديد من الأمراض، إلا أنها لم تُعتمد بعد كطريقة علاجية روتينية في الكثير من الدول، ويعد من أفضل العلاجات الموافق عليها عالمياً في علاج الأورام الخبيثة والتي يتم استخدامها بعد الانتهاء من الأدوية الكيماوية والعلاج الإشعاعي، بإعادة بناء نخاع العظم، وكذلك إصابات المفاصل، والأمراض الوراثية ونقص المناعة ومشكلات البشرة، اللوكيميا، وما زالت الأبحاث مستمرة حول إمكانية علاج العديد من الأمراض الأخرى مثل القلب والكبد والسكري والعقم والأمراض العصبية وغيرها.
يقول الدكتور ويليام أندور هودج، استشاري جراحة العظام وزراعة المفاصل، أن الخلايا الجذعية تعد المواد الخام بالنسبة للجسم؛ حيث يمكن أن تنقسم لتتخذ شكل خلايا متخصصة أخرى؛ مثل: خلايا الدم وعضلة القلب والمخ والعظام، وتندرج هذه الخلايا ضمن فئتين رئيسيتين؛ هما:-
* الخلايا الجذعية الناضجة والتي تُعرف كذلك بالخلايا الجذعية الوسيطة، وتأتي من الأنسجة الناضجة حصراً، ويتم استخلاصها من الجسم، الذي يستخدمها بشكل طبيعي لعلاج الأمراض والإصابات، وهي خلايا أساسية متعددة الوظائف يستعين بها الجسم لترميم وشفاء الأنسجة الناضجة المتضررة؛ بسبب الإصابة أو المرض؛ مثل: تلف المفاصل والعضلات والأربطة إضافة إلى القلب والرئتين والكلى والجلد، ويعدّ استخدامها آمناً كلياً؛ إذ ينتجها الجسم نفسه ولا تحمل أي آثار جانبية.
* الخلايا الجذعية غير الناضجة والتي تُعرف بالخلايا الجذعية الجنينية وتأتي من الأجنّة فقط، ولا يمكن الحصول عليها إلا من الأجنة البشرية، وتستخدم في تعزيز نمو الأطفال، كما يصعب التحكم بها مع احتمال نموها لتصبح أنسجة ورمية، ربما تتضاعف وتسبب العديد من المشكلات الصحية.

تأثيرات شفائية

يذكر د.هودج أن الاستعانة بالخلايا الجذعية تشكل علاجاً متجدداً لالتهاب المفاصل وغيره من مشاكل المفاصل والركبة التي تحدّ بشكل كبير من الحاجة إلى الجراحة؛ حيث تُستخدم لإعادة زراعة أنسجة جديدة وصحية بديلة عن تلك التي تعرضت للتلف أو الضرر، وهي بالتالي تعد حلاً مثالياً وخاصةً بالنسبة لمرضى التهاب المفاصل الروماتويدي وهشاشة العظام وإصابات الركبة وتمزق الغضاريف والأربطة أو الأوتار وإصابات الكفة المدورة والحالات التنكسية للعظام، وينطبق الأمر ذاته على من يعانون إصابة في الركبة أو آلاماً مزمنة فيها؛ نتيجة إصابة سابقة، وتجدر الإشارة إلى أن الخلايا الجذعية تعمل على شفاء الجسم؛ من خلال 3 سبل مختلفة؛ وهي: ترميم الأنسجة التالفة إلى أخرى جديدة، إنتاج هرمونات شافية مثل هرمون «النمو»، إنتاج مواد تعمل على الحد من الالتهاب والألم والتورم؛ حيث يمكن لهذه التأثيرات الشفائية ال3 أن تحسّن حالة المريض الصحية وتعزز قدرته على أداء وظائفه بشكل أفضل، ما يغنيه في كثير من الأحيان عن العلاجات الجراحية مثل: استبدال المفاصل وإجراءات الجراحة التجميلية أو العامة.

علاج للركبتين

يؤكد د.هودج أن علاج الخلايا الجذعية ينطوي على فوائد كبيرة وبتكاليف معقولة وإجراءات سريعة نسبياً قياساً بالعمليات الجراحية وإجراءات العيادات الخارجية، ولا تستغرق غير يوم واحد (تحديداً بضع ساعات)، كما تتطلب الحد الأدنى من الاستشفاء؛ حيث يمكن للمريض السير ومواصلة روتين حياته اليومي، وعلاوةً على ذلك، تشكل الخلايا الجذعية علاجاً طبيعياً للركبتين عند استخدام الخلايا الوسيطة التي تؤدي دوراً ترميمياً في الجسم؛ حيث يتم إنماؤها في المختبر للأغراض العلاجية، وربما يعجز الجسم مع التقدم في العمر أو التعرض للإصابات عن توليد ما يكفي من الخلايا المرممة للمنطقة المصابة، وهنا، يساعد العلاج بالخلايا الجذعية على حل هذه المشكلة؛ عبر زيادة الخلايا الطبيعية في الجسم بشكل كبير، وتعزيز عملية الشفاء، ويتم ذلك من خلال استخلاص الخلايا الوسيطة من مناطق غنية بها في الجسم، ومن ثم تجميعها في المختبر قبل إعادة حقنها بدقة في المنطقة التالفة التي تحتاج إلى ترميم.

أمراض الأطفال

يقول الدكتور جيمس مارشال، مختص طب الأطفال، أن هناك العديد من أمراض الأطفال التي يمكن علاجها بالخلايا الجذعية، منها السرطانات السائلة مثل سرطان الغدد اللمفاوية، إضافة إلى أمراض أخرى يكون الورم فيها صلباً فيتوجب علينا تصفية نخاع العظم حتى يقضى على الورم قبل زرع الخلايا الجذعية، ويعد سرطان الدم أكثر مرض يستخدم فيه علاج زرع الخلايا الجذعية، وعلى مر السنين التي أجرينا فيها البحوث وجدنا أن بعض أصناف سرطان الدم ستكون مهلكة إلا إذا زرع للمريض الخلايا الجذعية من بداية العلاج، وهناك أصناف أخرى لا تحتاج إلى الزراعة ومن الممكن علاجها بالأدوية فقط؛ لذلك فإن الأبحاث القائمة خلال ال30 سنة الماضية علمتنا الأنواع المختلفة من هذا المرض؛ وذلك يمكننا من حفظ علاج الخلايا الجذعية للمرضى المحتاجين فعلاً.

اللوكيميا

يذكر د.مارشال أن اللوكيميا تعد من الأمراض الشائعة بين الأطفال؛ ولكنها لا تزال مرضاً استثنائياً لا تعالجه إلا المراكز المتخصصة، وشيوع المرض يختلف بحسب المنطقة الجغرافية في العالم، وفي بعض دول الخليج، كما يختلف سرطان الدم عند الأطفال كثيراً عن البالغين، وأحياناً الشباب في العشرينات يصابون بسرطان دم الأطفال ويتم علاجهم من قبلنا كأخصائيين في طب الأطفال مع أنهم من البالغين، ولدينا العديد من المرضى البالغين الذين يقومون بزيارتنا للعلاج لإصابتهم بسرطان الأطفال، أما بخصوص العلاج فإن السرطان الأكثر شيوعاً (سرطان الدم اللمفاوي الحاد) 80% من المرضى المصابين به يعالجون بالكيماوي فقط، و10% يعالجون بأساليب أخرى كزراعة الخلايا الجذعية، ما يعني أن عدداً قليلاً من المرضى يهلكون من هذا المرض في يومنا هذا، والجدير بالذكر أنه قبل 30 عاماً كانت الأمور مختلفة؛ حيث كان يتم إنقاذ فقط 20% من المصابين، ولكن مع البحث المستمر والتخصص تمكنا من معالجة تقريباً كل الأطفال المصابين الذين كانوا يهلكون من قبل.
يضيف: من الجيد أن المريض المعالج بالخلايا الجذعية يحفظ بقايا الورم في جسمه؛ لأن ذلك يدرب نخاع العظم الجديد على القضاء على الورم، إذا كان المريض خالياً من الأورام تماماً لن يتعلم النخاع قتل الأورام؛ وذلك سيمكن الورم من الرجوع بشكل كامل؛ لذلك من الأفضل أن تحفظ بقايا الورم في الجسم (نحن لا نحفظها عمداً ولكننا نفضل أن تبقى)، المشكلة الفعلية هي المرضى الذين تمت معالجتهم بنجاح في طفولتهم دائماً ما يصابون بسرطانات ثانوية عندما يكبرون؛ لذلك تعلمنا خفض الجرعات والإشعاعات بقدر الإمكان؛ لمنع الإصابة بالسرطان مجدداً، وفي نهاية العلاج بالخلايا الجذعية يتم قتل السرطان 100%.

استخدامات علاجية

يوضح د.مارشال أن الخلايا الجذعية يتم استخلاصها عند الأطفال عن طريق إدخال إبرة طويلة في عظمة الورك واستئصال نخاع العظم الذي تُستخرج منه الخلايا الجذعية، ومن البالغين يستأصل النخاع من عظم القفص الصدري، ويعد العلاج بهذه الطريقة عملية طويلة وأسهل؛ حيث إن جزءاً منها هو بإعطائها للمريض؛ حيث نبدأ بالعلاج بالأدوية والإشعاعات لقتل الورم إن كان بداخل نخاع العظم أو إن كان ورماً صلباً إلى أن يختفي السرطان تماماً، ثم نأخذ كمية هائلة من الدم من أحد إخوة المريض أو أحد أبويه أو من أحد المتبرعين، ويستخدم نخاع العظم الذي تم التبرع به، ثم يصفى هذا الدم لتبقى منه الخلايا الجذعية فقط ويصب في كيسٍ كالدم، ثم تغرس هذه الخلايا في جسم المريض، ولا يبدأ التغيير على المريض مباشرةً ولكن على مر الأسابيع، الخلايا تخرج من الدم وتدخل نخاع العظم وتبدأ عملية نموها فتبدأ بإحياء كريات الدم الحمراء والبيضاء ويكون المريض قد تعالج. العملية أصعب بكثير على الواقع، وخصوصاً على المريض نفسه.

مشكلات البشرة

يشير الدكتور أحمد المشهور مختص الأمراض الجلدية، أن الخلايا الجذعية موجودة بشكل طبيعي في أجسامنا وتعد خلايا احتياطية لها القدرة على الانقسام والتكاثر لإصلاح الخلايا الميتة، والعمل عوضاً عنها في تسريع العملية الشفائية للأنسجة المتضررة؛ ولذلك بدأ تطبيق الفكرة في استخدام وتعويض الخلايا الكهلة في نسيج الجلد بخلايا جذعية؛ لإعادة شباب البشرة ولإصلاح عيوب ومشاكل الجلد المكتسبة عبر الزمن ولعلاج الحروق الجلدية أيضاً، ويجب أن نميز بين استخدام وحقن الخلايا الجذعية نفسها، واستخلاص وحقن المواد التي تفرزها هذه الخلايا، فهناك الآن شركات طبية أصبحت تستخرج مكونات الخلايا الجذعية من نقي العظام لشباب متبرعين وإيداعها في بنوك مخصصة لذلك، واستخلاص عوامل النمو (السيتوكينات) منها والتي لها القدرة عند تطبيقها على بشرات الجلد بإعادة ترميم الخلايا الميتة وبالتالي زيادة نشاطها وانقساماتها، والحصول على بشرة أكثر شباباً، ويستفاد منها في علاج الندبات القديمة، وآثار العمليات الجراحية وندبات حب الشباب.

النسيج الشحمي

يوضح د.المشهور أن هناك طريقة أخرى لاستخلاص الخلايا الجذعية وهي تكون من الشخص نفسه، من خلال تواجدها بوفرة في النسيج الشحمي وتجهيزها وإعادة حقنها، وتتميز هذه الطريقة أنها تستخرج الخلايا الجذعية من الشخص نفسه؛ وذلك بإجراء جراحي يعتمد على اشتف كمية من الدهون المتواجدة في الجسم (غالباً البطن) وفلترتها للحصول على هذه الخلايا، إن هذا الإجراء يتطلب الكثير من الدقة والحرص في عملية الاستخلاص وإعادة الحقن أو الحفظ لمراعاة عدم تلف هذه الخلايا، وسيكون لهذه التقنية أثرها الكبير في المستقبل القريب على زراعة الجلد وعلاج مشكلاته؛ لكنها إلى الآن لم تنتشر كثيراً؛ بسبب كُلفتها العالية ودقة التجهيزات المطلوبة للحصول على الخلايا الجذعية وحفظها، والتي تحتاج إلى مستشفيات مجهزة وبنوك لحفظ الخلايا، وأيضاً إلى تشريعات وقوانين طبية ومدنية مساعدة لهذا النوع من العمليات وأيضاً لإجراء دراسات أكثر على مدى أمانها ومن هم المرضى الذين يتم تأهيلهم لهذا النوع من العمليات، في الطب دائماً نحتاج إلى إثبات معادلة الفعالية والأمان معاً، بعض الأدوية والعلاجات أثبتت الفعالية.
لكنها لم تثبت الأمان فتم سحبها أو إيقاف استخدامها، ويجب تأكيد أن الخلايا الجذعية وما تنتجه من عوامل نمو ومركبات محفزة ستكون علم المستقبل وسنتمكن من علاج الكثير من الأمراض الجلدية المزمنة والحروق والندبات وإعادة شباب الجسم والبشرة وستكون (أكسير) شباب الجلد.

فقدان البصر

تستخدم الخلايا الجذعية في علاج العديد من الأمراض التي تصيب الإنسان، ومن أهم الإصابات التي حققت النجاح والشفاء بنسب متقدمة في السنوات الأخيرة، هي فقدان النظر الذي يحدث نتيجة تدمير مستقبلات الضوء في شبكية العين، ما ينجم عنه ضعف الرؤية منذ الصغر، ووصولاً لفقدان البصر كلياً عند البلوغ، ولم يكن يوجد له علاج سابقاً، حتى توصل العلماء إلى العلاج بالخلايا الجذعية حيث يتم وضع حزمة صغيرة لخلايا متخصصة للعين وزرعها في مؤخرة الشبكية، لتغذي وتدعم مستقبلات الضوء التالفة.