الملوية البوابية..جرثومة بكتيرية تهاجم المعدة

مقالات

تحقيق: راندا جرجس

تصنف جرثومة المعدة أو الملوية البوابية ضمن الأمراض الشائعة التي تستهدف الأشخاص، ولا يشعرون بوجودها إلا بالخضوع للاختبارات والفحوص التشخيصية، حيث إن أعراضها تتشابه بشكل كبير مع العديد من مشكلات المعدة والجهاز الهضمي، وخاصة الحموضة التي تعد علامة أساسية ترافق الملوية البوابية، وتحدث هذه الإصابة نتيجة عدم الاهتمام بالنظافة العامة والطعام، وتنتقل بين الأفراد عن طريق العدوى، وتعيش وتتكاثر هذه الجرثومة في الجدران المبطنة للمعدة، وتسبب مخاطر تزعج المرضى أهمها القرحة.
يقول الدكتور مراد حبيب استشاري طب الأسرة، إن الإصابة ببكتيريا «هيليكوباكتربيلوري»، أو ما يعرف بالملوية البوابية أو جرثومة المعدة، يمكن أن تأتي من الطعام أو الماء أو اليدين أو الأواني، وهي العدوى الأكثر حدوثاً عند الأشخاص الذين يتناولون الطعام في أماكن غير صحية، ويمكن أن تنتقل هذه البكتيريا عن طريق الاتصال المباشر بين البشر لأنها تكون موجودة في اللعاب أو سوائل الجسم الأخرى أو براز المصابين بها، وعندما تدخل جرثومة المعدة إلى الجسم، تعيش في القناة الهضمية وتهاجم بطانة المعدة المخاطية التي تحمي الجسم من الأحماض المستخدمة لهضم الطعام، فتختبئ تحتها وتلحق الضرر بها، ما يؤدي إلى تسرب الأحماض من خلالها وحدوث تقرحات المعدة، التي يمكن أن تتفاقم حالتها فتنزف أو تمنع الطعام من الانتقال عبر الجهاز الهضمي، تشمل أعراض العدوى بهذه البكتيريا عادة عسر الهضم والانتفاخ وتشنجات البطن والغثيان، وربما لا يعاني بعض المصابين بها من أي أعراض.

أعراض وتشخيص

يذكر د.مراد، أن عدوى «هيليكو باكتربيلوري» غالباً ما تحدث في مرحلة الطفولة، لكن ذلك لا ينفي احتمال إصابة الكبار بها، وتعيش هذه الجرثومة في الجسم لسنوات قبل أن تبدأ الأعراض بالظهور، ومعظم المرضى المصابين بها لا يعانون أبداً من تقرحات المعدة، وما زال السبب وراء حدوث التقرحات عند بعض الحالات دون غيرهم يحير العلماء، لكن من المؤكد أن هناك دوراً مهماً للعوامل المرتبطة بأسلوب الحياة، مثل التدخين وتناول الأطعمة الغنية بالسكريات والكربوهيدرات والقليل من الألياف، بالإضافة إلى قلة النوم والإجهاد المزمن المستمر وإرهاق الدماغ، ويتم تشخيص الإصابة بجرثومة المعدة، باستخدام فحص التنفس أو البراز، بينما لا يمكن الاعتماد على فحص الدم لأنه ربما يظهر في بعض الأحيان نتائج إيجابية عند المرضى الذين خضعوا للعلاج، وتُكرر الفحوص بعد 8 أسابيع من استخدام العلاج، ويحتاج المريض للصوم عن تناول الطعام والمشروبات، باستثناء الماء، لمدة 8 ساعات قبل إجراء فحص التنفس، كما يجب على المريض تجنب تناول مثبطات مضخة البروتون (حبوب الحموضة أو حبوب المعدة)؛ لأنها ربما تؤثر في دقة نتائج الفحص؛ إذ تجعل البكتيريا تختبئ داخل بطانة المعدة وتؤدي إلى إعطاء نتائج سلبية خاطئة.

أمراض ومسببات

يؤكد د.مراد، أن العلماء ظلوا يعتقدون لفترات طويلة أن قرحات المعدة تحدث فقط نتيجة الإجهاد أو التدخين أو تناول الأطعمة الغنية بالتوابل أو غيرها من العوامل المرتبطة بأسلوب الحياة، لكن عندما اكتُشفت «هيليكوباكتربيلوري» في العام 1982، تبين أن هذه البكتيريا هي السبب الأساسي في معظم حالات قرحة المعدة أحياناً، ويمكن أن تؤدي أيضاً إلى الإصابة بسرطان المعدة، لكن ذلك نادراً ما يحدث في العالم العربي، كما يمكن أن تؤدي إلى قلة التركيز واضطراب المزاج والاكتئاب لدى البعض، وذلك نتيجة للأعراض المرتبطة بها مثل الغازات والانتفاخ والألم في البطن.

مخاطر ومضاعفات

يشير الدكتور قيصر رجا، استشاري أمراض الجهاز الهضمي وأمراض الكبد، إلى أن العدوى الأكثر شيوعًا التي تصيب المعدة، بكتيريا تعرف
ب «الملوية البوابية»، فهي تدخل الجسم وتعيش في الجهاز الهضمي، ويصاب بها نصف سكان العالم تقريباً، ولكنها أكثر انتشاراً في البلدان النامية، وعلى الرغم من وجودها في الجسم، إلا أن معظم الناس لا يشعرون عادة بأي أعراض ملحوظة شديدة أو مؤلمة، إلا أنها تسبب للبعض أعراضاً عامة مثل بعض الآلام في الجزء العلوي من البطن وإحساساً بالحرقة أو الشعور بالتخمة بعد تناول وجبات الطعام أوالغثيان، وتعد الإصابة ببكتيريا «الملوية البوابية» أكبر العوامل التي تؤدي إلى الإصابة لاحقاً بالقروح في بطانة المعدة والاثني عشر (الجزء الأول من الأمعاء الدقيقة) التي تسمى القرحة الهضمية. قبل اكتشاف بكتيريا الملوية البوابية كان يظن أن سبب القرحة الهضمية ارتفاع معدل إنتاج حمض المعدة، ولهذا كان العلاج حينها يركز على أدوية تخفض إنتاج الحمض في المعدة، لكن هذا العلاج لم يكن كافياً، إذ سرعان ما كانت القرحة تعود بمجرد توقف المريض عن تناول الدواء.
يضيف: نحن اليوم نعلم أن القرحة الهضمية تنجم عن الإصابة ببكتيريا الملوية البوابية، فحين نتمكن من القضاء عليها يشفى المريض من القرحة، ولا تعود لتظهر مرة أخرى، ولهذه البكتيريا أخطار أخرى على البشر أيضاً، أهمها أن رفع نسبة خطر الإصابة بسرطان المعدة أو سرطان لمفوما النسيج اللمفاوي المرتبط بالمخاطيات بنسبة تزيد مرتين إلى ست مرات مقارنة بالأشخاص غير المصابين بها.

اختبارات وعلاجات

يذكر د.قيصر أن تشخيص العدوى ببكتيريا «الملوية البوابية» يتم عن طريق إجراء تحليل بسيط للبراز أو عينة من نفس المريض بعد تناول محلول يتضمن اليوريا، ويعرف هذا الفحص باسم اختبار نفس اليوريا، وربما تكتشف الإصابة وتشخص حينما تفحص عينات الأنسجة المستخرجة من عملية تنظير المعدة، والتي تجرى للتأكد من الإصابة وتحديد شدتها، ويحتاج علاج هذه الإصابة إلى جرعة كاملة من نوعين من المضادات الحيوية أو أكثر إلى جانب تناول أدوية مثبطة لحمض المعدة، لمدة تصل إلى أسبوعين، والمؤسف أن الاستخدام العشوائي للمضادات الحيوية والإفراط في تناولها في حالات الأمراض الخفيفة أدى إلى تزايد مقاومة بكتيريا «الملوية البوابية» للمضادات الحيوية الشائعة ما يعني أننا نواجه تزايداً مستمراً في صعوبة علاجها.

معدلات الشفاء

يبين د. قيصر أن من 90% إلى 95% حالات العدوى ببكتيريا «الملوية البوابية» كان يمكن علاجهم، بالاعتماد على المضادات الحيوية القياسية، إلا أن ارتفاع مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية بسبب سوء استخدامها والإفراط في وصفها بلا داع، جعلها غير فعّالة في علاج هذه الحالة، ولا يزيد معدل نجاح العلاج باستخدامها حالياً على 60% ، ولهذا لا بد من استخدام أنواع أخرى من المضادات الحيوية، مثل أملاح البزموت، وهي أيضاً دواء مضاد للحموضة وفعاليتها عالية في علاج الشعور بحموضة المعدة والقضاء على الالتهابات المقاومة، وتجدر الإشارة إلى أنه عندما تُعالج الإصابة بهذه البكتيريا بصورة صحيحة لا تعود للمريض مرة أخرى وخاصة في البلدان المتقدمة، أما في البلدان النامية، فإن نحو 10% من الأفراد عرضة لتكرار الإصابة بها بسبب الممارسات الصحية السيئة وانتقال العدوى عن طريق الأغذية وخطر العوامل البيئية، ولضمان نجاح العلاج يجب التأكد من القضاء على الالتهابات تمامًا عن طريق تكرار اختبار البراز أو اختبار نفس اليوريا بعد الانتهاء من العلاج بستة إلى ثمانية أسابيع.

علامات مرضية

تشير الدكتورة ريم الحسن، أخصائية الأمراض الجهاز الهضمي، إلى أن الإصابة في القرحات الهضمية في الماضي كانت مشكله كبيره تتطلب القطع الجراحي للمعدة لعلاج النزف المتكرر، لكن في العقود الأخيرة تم اكتشاف جديد وهو جرثومة الملوية البوابية «هيليكوباكتربيلوري» وهي جرثومه صغيره جداً متطاولة، وربما تكون المسؤولة عن غالبية أمراض القرحات الهضمي، أو تطور لمفوما النسيج اللمفاوي المرافق لمخاطية المعدة، وسرطان الغدية المعدية، حيث إنها تتموضع في الطبقة المخاطية العميقة من الظهارة المعدية شكلها يشبه حرف (S)، ويشكو المريض نتيجة هذه الإصابة من بعض العلامات المرضية مثل: الحرقة، الحموضة خلف القص، السعال من دون سبب، عسر الهضم، الارتداد المعدي المريئي، وجود انتفاخ وغازات بالبطن، ألم معدي أو صدري، إمساك وإسهال، رائحة الفم الكريهة، الصداع والدوخة والغثيان، مع وجود القرحة التي يرافقها نزف وألم وفقر دم.

نسب الانتشار

تعد الإصابة بالملتوية البوابية واسعة الانتشار، كما أنها سبب في الإصابة بالكثير من الأمراض، ويمكن البحث عنها عن طريق البحث عن الضد في الدم أو البراز أو تحري اليوريا بالنفس، وتنتشر الجرثومة بشكل كبير في العالم نسبة للمستوى الاجتماعي، حيث إنها تُشكل نسبة 80% ‏من السكان بمقابل 20-30%‏ في البلدان المتطورة، والجدير بالذكر أن تحسن الخدمات الصحية خلال النصف الثاني من التسعينات قلل من انتقال الملتوية البوابية، التي كان يعزز العدوى بها ظروف المعيشة غير الصحية، الاكتظاظ السكاني، عدم نظافة الماء والطعام، التعرض لمحتويات معدة شخص مصاب بالجرثومة، كما أشارت الدراسات إلى أن 90% ‏من القرحات الهضمية ترافق الإصابة بجرثومة المعدة، في حين أن ليس كل قرحة سببها الجرثومة فقط 30-60% فقط‏ من الحالات، حيث تتحدد أهمية الإصابة بالملوية، بالأمراض التي تُحدثها مثل: التهاب المعدة، داء قرحي، لمفوما معدية سرطان المعدة.

اختبار التنفس

يعد اختبار التنفس هو أهم الفحوص البسيطة والدقيقة المتاحة للصغار والكبار، التي تكشف عن وجود الإصابة بجرثومة المعدة أو بكتيريا الملوية البوابية، يتم بوضع المريض الزفير في كيس يشبه البالون، ثم يبتلع محلولاً أو حبة تحتوي على جزئيات الكربون، وبعد حوالي 15 دقيقة، ويتكرر إعطاء زفير المريض في البالون، للمقارنة بين قبل المحلول وبعده؛ حيث إنه مع وجود جرثومة المعدة سيمتص الجسم الكربون ويطرده مع الزفير، مع الحذر من تناول بعض أنواع المضادات الحيوية قبل إجراء الفحص بأربعة أسابيع، وعدم تناول أدوية المثبطات بأسبوعين، حتى لا يؤثر ذلك في نتيجة الفحص.