«فرط المرونة» يسبب تآكل وخلع المفاصل

مقالات

تعد متلازمة «فرط المرونة» أو «فرط الحركة المفصلي» من الظواهر الحميدة، وليست مرضاً، وعلى الرغم من ذلك، فإنها تسبب بعض الأضرار والمضاعفات؛ ومنها: الشعور بألم وتآكل وخلع لبعض المفاصل؛ حيث إن هناك اختلافاً طبيعياً في التركيبة البيولوجية للمفاصل.
يستطيع الطفل المصاب بهذه المتلازمة، أن يحرك بعض أو كل مفاصل جسمه أكثر من مقدرة الكثيرين، أو بما يتعدى مجال الحركة الطبيعي لها.
وتبدأ أعراض هذه المتلازمة في الظهور في سن صغيرة، وتحدث بسبب زيادة مرونة مفاصل الأطراف والعمود الفقري، ولا يصاحبها أي عيوب خلقية، رغم الخوف الذي يصيب بعض الأمهات من هذه الحالة، ويعتبرون أن طفلهم غير طبيعي.
وتعد الفتيات أكثر عرضة للإصابة بهذه الحالة من الذكور، كما أنها من الظواهر الشائعة، حتى إن معظم لاعبي الجمباز وراقصي الباليه لديهم نسبة من «فرط المرونة».
ويعاني بعض الأطفال الذين أصيبوا بهذه المتلازمة من بعض الصعوبات في الحركة، وهو ما يطلق عليه «متلازمة فرط الحركة المشتركة»، ويرى بعض الأطباء أن «متلازمة فرط المرونة» تعد سبباً قوياً وخطراً للإصابة بالفصال العظمي في سن مبكرة للغاية.
ونتناول في هذا الموضوع «متلازمة فرط المرونة» بالتفاصيل، ونقدم العوامل والأسباب التي تؤدي إلى حدوث هذه الحالة، مع بيان الأعراض التي تظهر، إضافة إلى تقديم طرق الوقاية والعلاج الممكنة والحديثة.

إصابة دون العاشرة

يقول الدكتور سعيد حامد (اختصاصي أول طب العظام والكسور في مستشفى راشد بدبي): تنتشر الإصابة ب«متلازمة فرط المرونة» بين الأطفال بصورة كبيرة، وأظهرت دراسة حديثة أن حوالي 35% من الأطفال دون سن العاشرة يمكن أن يعانوا أعراضها، وتقل الأعراض مع تقدم الطفل في العمر.
ويتركز سبب حدوث هذه الحالة بين ما يتراوح من حوالي 10% إلى 15% من الأطفال المصابين بهذا الاضطراب في عدم نمو الأنسجة الضامة لديهم بشكل كامل، وهو الأمر الذي يتغير أيضاً بالتقدم في العمر.
ويضيف د. سعيد: تصيب هذه المتلازمة في كثير من الأحيان مفاصل الأصابع والأكواع والركب والأكتاف والمعصمين، ويشير الباحثون والأخصائيون إلى أن السبب وراء هذه الحالة لم يعرف بشكل كبير، وبحسب دراسات حديثة فإن السبب يكون وراثياً.

حالات نادرة

يرجح د. حامد أن هناك رابطاً بين الإصابة بهذه المتلازمة وأحد الجينات، التي تكون مسؤولة عن إنتاج مادة الكولاجين، وهو بروتين مهمته إلصاق الأغشية في الجسم.
ويمكن أن يصاحب فرط الحركة المفصلي حدوث أمراض أخرى، ولكن في حالات نادرة، وعلى سبيل المثال الإصابة بمتلازمة داون.
ويمكن ألا يحتاج المصاب إلى تدخل طبي، غير أن بعض المصابين بها يلجأون إلى العلاج الطبيعي؛ لتعزيز المفاصل، وتجنب الإصابة بالخلع أو الالتواءات، إضافة إلى معاناة البعض من آلام شديدة؛ عقب بذل مجهود حركي، أو قبل الخلود للنوم.

تغيرات مفاجئة

يشير د. سعيد حامد إلى أن الأشخاص المصابين بمتلازمة فرط الحركة المفصلي لا يعانون أي أعراض بارزة، وبصفة عامة تشمل الأعراض تغيرات مفاجئة في شكل المفصل، وتغيرات في الحركة، وبخاصة في المفصل، وكذلك تغيرات في أداء الذراعين والساقين، ويعاني المصاب آلاماً في الركبة والأصابع والفخذين والمرفقين.
وتزيد فرص الإصابة بالنسبة لمصابي متلازمة فرط المرونة بالخلع المتكرر، وبالذات في مفصل الكتف، أو حدوث التواء المفاصل، وكذلك تصاب بمشكلة التصلب.
ويضيف د. سعيد: تصدر مفاصل المصاب عند الحركة صوت طرقعة، ويتعرض المريض للإصابة المبكرة بخشونة المفاصل، كما تصاب الأربطة بالالتواء، والأوتار والأكياس الزلالية بالالتهاب المتكرر.
ويمكن أن يتعرض المصاب إلى تحدب في العمود الفقري، إضافة إلى إجهاد العضلات؛ وذلك لأن العضلات التي تحيط بالمفصل تبذل جهداً أكبر من المعتاد، حتى تدعم المفصل وتثبته بدلاً من الأربطة الضعيفة.
ويختتم د. حامد قائلاً: يستطيع المصاب بهذه المتلازمة أن يلمس الأرض وهو واقف بينما تكون ركبتاه بحالة مستقيمة تماماً، وكذلك يمكن له أن يفرد الذراع أو الركبة أكثر من 10 درجات، مع إمكانية أن يلمس الإبهام الذراع.

بعض الأمراض

يؤكد الدكتور وائل فايز (اختصاصي طب العظام) في مستشفى توام بالعين، تعدد أسباب الإصابة ب«متلازمة فرط المرونة»، ومن ضمن هذه الأسباب: غياب الجينات المسؤولة عن تصنيع ألياف الكولاجين، وهي التي تجعل المفاصل في حالتها المتماسكة والصلبة.
وتؤدي الإصابة ببعض الأمراض إلى ظهور هذه المشكلة غير الطبيعية، ومن هذه الأمراض الإصابة بمتلازمة اهلرز دانلوس، وهي متلازمة تورث المرونة، ويتعرض المصاب بها لحالة من الضعف العام في الأنسجة الضامة، والإصابة بمتلازمة داون، وتتسبب في إعاقة تنموية، والإصابة بمتلازمة موركيو، وهو اضطراب وراثي يؤثر في عملية الاستقلاب.
يضيف الدكتور وائل: تؤدي كذلك إلى هذه الحالة الإصابة بمتلازمة مارفان، وهو اضطراب في النسيج الضام، وتزيد نسبة الإصابة بفرط الحركة المفصلي عند إصابة أحد الوالدين أو كليهما بهذا الاضطراب، ويمكن أن يكون وراء هذه الحالة الإصابة باضطراب خلل التعظم الترقوي القحفي، وهو اضطراب نمو عظام موروث أيضاً.

فحص إكلينيكي

يمكن أن يصاب مريض «متلازمة فرط المرونة» بعدد من المضاعفات، والتي تشمل شعوراً بالألم في المفصل، وتآكل المفاصل والتهابها، وربما يتعرض المريض في بعض الأحيان إلى خطر الإصابة بالخلع والتواء الأربطة.
ويوضح د. فايز: يعتمد تشخيص حالة المصاب بهذه المتلازمة على فحص المفاصل التي تأثرت بها، وهو فحص إكلينيكي لا يتطلب معدات أو أجهزة خاصة، مع قياس مجال حركة المفصل، ويتم تحديد قياس المرونة بمساعدة أخصائي العلاج الطبيعي؛ وذلك لتحديد إذا كانت المفاصل مرنة أكثر من الطبيعي.
وتشمل هذه الاختبارات حركة الإبهام؛ وذلك من خلال نقله للأسفل ليلامس الساعد، وكذلك حركة الرسغ، والتي تتجاوز 90 درجة.
ويختتم الدكتور وائل: تتضمن الاختبارات أيضاً مد الإصبع إلى الخلف ليتجاوز 90 درجة، إضافة إلى تمدد الذراعين والركبتين أكثر من الطبيعي، ويجب إجراء بعض الفحوص العملية والأشعة؛ وذلك بهدف التأكد من عدم معاناة الطفل المصاب التهاباً بالمفصل أو ليناً في العظام، ويراجع الطبيب المعالج الأعراض والتاريخ الطبي والعائلي للمصاب بالمتلازمة.

الراحة والعلاج الطبيعي

يقول الدكتور لؤي محمد مصطفى (اختصاصي طب العظام) في مستشفى توام بالعين: يتم علاج فرط المرونة المفصلية حسب الأعراض التي يعانيها المريض، وفي الغالب فإن الاعتماد بشكل أساسي يكون على الراحة والعلاج الطبيعي.
ويتحسن في أغلب الأحيان المصابون ب«فرط الحركة المفصلي» عند البلوغ، ويمكن أن توصف مسكنات الألم؛ بهدف تقليل آلام المفاصل.
ويضيف د. لؤي: تفيد كذلك ممارسة التمرينات الرياضية بصورة منتظمة في تقوية عضلات الساقين؛ وذلك بهدف المحافظة على صلابة المفاصل، وكذلك ارتداء الدعامات والتي تحمي المفاصل، مع تجنب الكسل والخمول.
ويعد الباحثون والأخصائيون أن الوقاية من الإصابة بهذه المتلازمة هو أمر صعب؛ وذلك لأنها تعد من الأمراض الموروثة، والتي تنتقل عبر الجينات.

نصائح مساعدة

يوجه د. لؤي عدداً من النصائح لهؤلاء الذين يعانون «متلازمة فرط المرونة»، والتي يمكن أن تساعدهم في تجنب أي أعراض غير مرغوب فيها، ومن هذه الإرشادات: تجنب الأنشطة التي ربما تزيد حدة الأعراض، وعلى سبيل المثال حمل الأثقال والوقوف، والأنشطة التي تتضمن مط الأربطة والمفاصل، كما يحدث في اليوجا.
وتفيد ممارسة الجري بشكل لطيف على الآلات الميكانيكية بدلاً من الجري المعتاد، وكذلك ممارسة السباحة، مع تجنب فرد الكوعين والركبتين بشكل مبالغ فيه.
وتجب المحافظة على وضع الجسم والمفاصل المصابة؛ وذلك بتجنب الأوضاع الخاطئة، كما في وضع القرفصاء عند وجود مشكلة في مفاصل الحوض.
ويختتم د. لؤي قائلاً: يمكن استخدام دعامات ومقومات المفاصل؛ وذلك لتهدئة الألم بالمفصل، ومنع الحركة فوق المدى الطبيعي، إلا أنه يجب الانتباه إلى أن قلة استخدام المفصل ربما أدت إلى ضمور وضعف العضلات التي تحيط به، ويمكن تقوية الأربطة المحيطة بالمفصل؛ من خلال العلاج بالبرولوثيرابي، وهو مادة مهيجة خاملة كيميائياً يتم حقنها في الأربطة.

حماية المفاصل

يرى بعض الأطباء أن متلازمة فرط المرونة تعود إلى فهم خاطئ لأعضاء الجسم، وبالذات المفاصل، وهم يرون أنها ليست سوى خرافة، وبصرف النظر عن هذا الرأي فإن الأطفال الذين يعانون فرط الحركة المفصلي يتفوقون في أنواع الرياضة المختلفة؛ ولذلك ينبغي عدم منعهم من ممارسة الرياضة، وإنما المطلوب التوجيه إلى حماية المفاصل.
ويتم هذا الأمر عبر التمارين المقوية للعضلات التي تحيط بالمفاصل، وكذلك عبر الوقاية من إصابتها؛ بسبب فرط التمدد، أو الأوضاع الشاذة عن الحركة الطبيعية لها.
ويمكن كذلك أن تؤدي متلازمة فرط المرونة إلى ظهور مواهب حركية؛ حيث أشارت المغنية والراقصة الأمريكية اللبنانية الأصل شاكيرا إلى أنها مصابة بفرط المرونة، الأمر الذي جعلها تستطيع وضع قدمها فوق رأسها بكل سهولة.
وكان مختصون عدة أشاروا إلى أن الراقصين المصابين بهذه المتلازمة، يمكن أن يعانوا الإجهاد بصورة سريعة، مقارنة مع نظرائهم الأصحاء؛ وذلك على الرغم من مقدرتهم على أداء حركات بهلوانية؛ حيث تتطلب هذه الحركات القدرة على السيطرة على المفاصل، الأمر الذي يؤدي إلى إصابتها بالإجهاد.