البكتيريا الصديقة..مضادات طبيعية ووظائف مناعية

مقالات
تحقيق: راندا جرجس

تعيش البكتيريا على أسطح أجسام الكائنات الحية، وكذلك في التربة والمحيطات، ولها دور رئيسي في النظام البيئي، وتتنوع أنواعها وأشكالها، ولكنها صغيرة ودقيقة لا تُرى بالعين ولا يتعدى طولها عدة ميكروميترات، ولكل منها وظيفته، وعلى الرغم من أنها تحتوي على العديد من الفوائد التي تساهم في تعزيز صحة الإنسان وتحميه من المشكلات الصحية، إلا أن هناك بكتيريا ضارة يمكن أن تتسبب في حدوث أضرار وأمراض تهدد الحياة مثل التسمم الغذائي، التهاب المعدة، الملوية البوابية، والحساسية وغيرها، والأخطر أنها تنتقل عن طريق العدوى، وفى السطور القادمة يحدثنا الخبراء والاختصاصيون عن البكتيريا وأنواعها وتأثيرها في الإنسان وصحته.
تقـــول الدكتورة مـــها درويش استشاري طب الأطفال، إن البكتيريا الضارة يمكن أن تتسبب في نـــقل عدوى الأمراض من شخص لآخر، أو تكون مباشرة عن طريق اللمس، اللعاب، ‏ ‏أو بشكل غير مباشر بتناول طعام أو شرب سوائل ملوثة بالبكتيريا، وربما تحدث العدوى عن طريق الحيوانات، ومن أخطر المشكلات المرضية التي يتعرض لها الأطفال النزلة المعوية البكتيرية، الــــتي تستهدف من هم دون الخمس سنوات ويمكن أن تؤدي إلى الوفاة، حيث إن أهم العلامات التي ترافق هذا المرض هي ارتفاع درجــة الحرارة إلى أكثر من 40 درجة مئوية، ووجـــود إسهال مائي ‏شديد ربما يرافقه دم ومـــخاط، قيء وغثيان، كما يتعرض الطفل لحالة إعياء وتعب عام بســـبب نقص الماء الذي يؤدي إلى الجفاف، ‏‏وغالباً ما تظهر هذه الأعراض بعد حوالي ثلاثة إلى خمسة أيام من العدوى وتسمى (فترة الحضانة).

فحوص تشخيصية

توضح د. مها أن تشخيص الإصابة بالنزلة المعوية البكتيرية يكون بتقييم حالة الطفل بشكل عام من قبل الطبيب المعالج، عن طريق فحص الحرارة، وتقدير حالة الجفاف، فحص الجهاز التنفسي ‏والجهاز العصبي كاملاً، للتأكد من عدم وجود أي علامات غير طبيعية عصبياً، لأن بعض حالات الجفاف الشديد، ربما تترافق أحياناً مع تشنجات صرعية، أو مع التهاب في السحايا.
كما يحتاج معظم الأطفال الذين يعانون الإسهال المرافق للإصابة، إلى إجراء تحاليل الدم وظائف الكلى، وتقدير حموضة الدم والأملاح، ويتم من خلال هذه الفحوص تحديد درجة الجفاف إن كانت بسيطة أو متوسطة أو شديدة، كما يجب إجراء تحليل كريات الدم البيضاء التي تكشف عن سبب الإسهال سواء كان فيروسياً أو بكتيرياً، وعمل تحليل البراز ‏و إجراء مزرعة لمعرفة نوع البكتيريا وكذلك يساهم في تحديد نوع المضاد الحيوي المناسب للعلاج، وفى بعض الحالات يحتاج الطبيب المعالج إلى صورة أشعة وتحليل البول.

خطة علاجية

‏تشير د. مها إلى أن معالجة النزلة المعوية البكتيرية تكون بحسب درجة الإصابة حيث إنها تعتمد على تعويض السوائل والأملاح في حالة الجفاف البسيطة، وتناولها عن طريق الفم وخاصة إذا كان الطفل في كامل وعيه، ولا يوجد قيء، ‏أما في حالة الجفاف الشديد فيجب إدخال الطفل إلى المستشفى والبدء بإعطاء السوائل الوريدية بشكل سريع وقبل أن يتم إجراء تحليل الدم، أما بالنسبة لدور التغذية فالهدف منها تشجيع الطفل على أخـــذ كمية كافية من السعرات الحرارية، السوائل والفيتامينات عن طريق الفم خاصة بعد انتهاء المرض المعوي، ‏وإذا كان رضيعاً فنشجع الأم على الإرضاع ‏الطبيعي، أما إذا كان الصغير يتغذى على الحليب الصناعي، فيجب الانتباه إلى أنه يمكن حدوث ما يسمى (عدم تحمل اللاكتوز) ‏وهي حالة عرضية تزول بعد عدة أسابيع، ويفضّل استخدام حليب خال من اللاكتوز، أما بالنسبة للأطفال الأكبر سناً فنبدأ بالتغذية الصلبة وخاصة الغنية بالسعرات الحرارية وتقسم على ست وجبات في اليوم الواحد، ولا يجب اللجوء للمضادات الحيوية إلا في حالات محددة فقط من الإسهال البكــــــــتيري مثل الكوليرا وبعض الحالات المحدودة ‏وتحــــدد هذه الحالات بدقة بالاســــــتعانة بالفـــــحوص المخــــتبـــــرية، ويعـــتبر الزنك مـــــن أهـــم العناصر التي تستخدم لتقليل حـــدة الإسهـــــــال، حــــيث أوصــــت بــــــــــــــــه منظــمة الصحة العالـــمية بإعطــائه للأطفال مـــــــــــن عـــــمر 6 أشهر فـــــما فـوق، وتحدد الجرعة حسب سن الطفل.
تضيف: الرضاعة الطبيعية تعد أهم سبل الوقاية من حالات الإسهال البكتيري للصغار خلال الأشهر الأولى من العمر، كما يجب التشديد على ضرورة الحفاظ على النظافة الشخصية، وغسل الأيدي بشكل متكرر، وأيضاً التغذية الصحية النظيفة.

خصائص وظيفية

تذكر الدكتورة وعد جابر أخصائية الأمراض الباطنية أن البكتيريا كائنات دقيقة لا تُرى بالعين المجردة، وتتكون من خلية واحدة، تنمو على سطح الجلد أو داخل الجسم في بعض المناطق كالفم، الأنف، الأعضاء التناسلية، الجهاز البولي، والأمعاء، ويمكن أن يحصل عليها الإنسان منذ ولادته من الأم عن طريق الرضاعة الطبيعية، كما أنها تتواجد في بيئات مختلفة كالتربة والمحيطات، بالإضافة إلى النظام الغذائي وأسلوب الحياة الذي يمارسه الفرد، حيث تكمن أهمية البكتيريا النافعة لجسم الإنسان في إنتاج العديد من الفيتامينات الهامة مثل الأحماض، وأنزيم اللاكتيز الضروري لهضم السكر 12، وفيتامين (ب 6 الفوليك)، والنياسين، وفيتامين ب
الموجود في الحليب ومشتقات الألبان الأخرى، كما تساهم في تعزيز المناعة المكتسبة والدفاع عن الجسم في حال مهاجمة البكتيريا المسببة للأمراض، كما أنها تؤثر في عمليات الأيض، وكذلك تحديد كمية السعرات الحرارية التي يحصل عليها الجسد من الغذاء، وأنواع المواد الغذائية التي يمتصها تحديداً، وتقسم أنواع البكتيريا حسب خصائصها كالآتي:
– اعتماداً على الشكل، وتسمى بكتيريا كروية وعضوية وحلزونية.
– اعتماداً على الصبغة، بكتيريا موجبة الجرام وأخرى سالبة الجرام.
– اعتماداً على تغذيتها، بكتيريا ذاتية التغذية وأخرى ذاتية التغذية الضوئية.

ممارسات صحية

توصي د. وعد ببعض العادات الصحية التي تساهم في إعادة تشكيل وتحسين نوعية البكتيريا النافعة في الأمعاء، وأهمها تجنب تناول المضادات الحيوية إلا عند الضرورة، وتناول الأغذية المحتوية على البكتيريا النافعة مثل الألبان، بعض أنواع الأجبان، تجنب السكريات والدهون، والالتزام بالأطعمة الصحية المتنوعة العناصر، وخاصة الغنية بالألياف حيث إنها تدعم صحة البكتيريا النافعة.
تضيف:على الجانب الآخر هناك أنواع مختلفة من البكتيريا الضارة التي يمكن أن تكون سبباً في الإصابة بالأمراض مثل: التهاب الأمعاء، الرئتين، الحلق، المسالك البولية، كما يمكن أن تؤدي بعض الأمراض إلى الوفاة مثل السّل، الجمرة الخبيثة وغيرها.

البكتيريا النافعة

يشير الدكتور عمر عيسى حابوه، طبيب الصحة العامة إلى أن البكتيريا النافعة هي كائنات حية دقيقة الحجم لها وظائف عدة، منها ما هو مفهوم حديثاً، وهناك أنواع ما زالت تحت الدراسة لفهم ماهيتها وطبيعتها ودورها في الجسم، وتعرف هذه الكائنات الدقيقة بأنها حالة توازن دائم، وإذا اختل هذا التوازن فربما يتعرض الجسم لبعض الخلل، حيث إنه يحتوى على مئة تريليون خلية بكتيرية تقريباً، سواء على الجلد أو العين أو الجهاز الهضمي أو الأظافر، وحوالي أكثر من 300 إلى 500 نوع مختلف داخل الجهاز الهضمي إذ إن المحتوى الجيني لهذه البكتيريا يعادل عشرات أضعاف المحتوى الجيني لجسم الإنسان، وهناك نوعان رئيسيان من البكتيريا النافعة في الجهاز الهضمي هما «لاكتوباسيلس وبيفيدوباكتريام»، وما زالت الأبحاث مستمرة عليهما.
يضيف: أن هناك حالة من التوازن بين البكتيريا النافعة والبكتيريا الضارة في جسم الإنسان، فعندما تنقص البكتيريا النافعة ربما يتعرض الإنسان لبعض المشكلات في الجهاز الهضمي وأمراض الحساسية، كما تؤثر في عملية الأيض أو هضم الطعام ومشاكل الوزن، ويمكن أن تجعل الشخص مستهدفاً للأمراض المعدية، كما يمكن أن تسبب في حدوث مشكلات نفسية.

فوائد ومميزات

يوضح د.عمر أن هناك فوائد عديدة للبكتيريا الصديقة التي تعود بشكل إيجابي على صحة الإنسان في أكثر من ناحية، ويمكن تقسيمها كالآتي:
– تحسن البكتيريا النافعة من أداء الجهاز المناعي عن طريق تقليل البكتيريا الضارة في الجهاز الهضمي والمساهمة في إنتاج أجسام مضادة طبيعية، ومن ثم تقل نسبة الأمراض المعدية بشكل عام.
– فوائد للقلب، حيث أثبتت الدراسات أن هناك علاقة بين البكتيريا النافعة وصحة القلب، فهي تقلل من الكوليسترول الضار بنسبة 5% وبالتالي نقص نسبة حدوث تصلب الشرايين وجلطات القلب.
– تقلل البكتيريا النافعة الحساسية والإكزيما في الأطفال والرضع حيث إن هناك دراسة أثبتت أن المرأة الحامل التي تتناول البكتيريا النافعة، لا يعاني أطفالها من الحساسية حتى عمر سنتين بنسبة 83%.
– تساهم بعض أنواع البكتيريا النافعة في نزول الوزن الزائد، والتخلص من السمنة وذلك من خلال إفراز الهرمون الذي يزيد الإحساس بالشبع ويحرق الكثير من السعرات الحرارية و يقلل تخزين الدهون، وكذلك تقليل امتصاص الدهون في الأمعاء وبالتالي تخرج الدهون مع بقايا الطعام.
– الصحة النفسية، حيث أثبتت الدراسات أن تناول البكتيريا النافعة بانتظام، يعمل على تحسين أعراض الغضب، الاكتئاب، التوحد، والوسواس القهري بشكل كبير، وهذا يربط بين صحة الجهاز الهضمي وبين الحالة النفسية.

موارد طبيعية

يؤكد د. عمر أن البكتيريا النافعة تتواجد في جسم الإنسان منذ ولادته، ويكون الجهاز الهضمي معقماً بشكل تام، وتبدأ هذه البكتيريا بالنمو داخل الجهاز وذلك نتيجة لتناول الحليب من الأم أو اللبن البودرة، كما تتواجد في الزبادي، الحليب، الصويا وبعض الخضراوات وأيضاً يمكن تناولها عن طريق الأقراص والبودرة والكبسولات بشكل جاهز، وتجدر الإشارة إلى أن البكتيريا النافعة تنقص باستخدام المضادات الحيوية واسعة المجال وبالتالي يحدث نوع من عدم الاتزان في الكائنات الدقيقة الموجودة بالجهاز الهضمي، وتظهر علامات مرضية كالإسهال، المغص المعوي، اضطراب في المعدة، وأيضاً أعراض القولون العصبي.

حماية منزلية

تصــــــنف البكتيريا على أنها كائنات حـــية دقـــيقة، وعلـــــــى الرغم من أن هناك أنواعاً عـــــديدة نـــافـــــــعة مــــــــــنها تســـمى البكتيريا الصديقة، إلا أنه يوجد منها الأنواع الضارة التي تنتقل بسرعة عن طريق العدوي بين الأشخاص وتسبب العديد من المشكلات المرضية، ولذلك يجــــب الالتزام ببعض التدابيـــــر الشــــــخصية والمــــــنزلية حتـــــــــــى نتفادى أي مخاطــــر يمكن أن تؤثر في الصحة العامة، وذلك عــــن طريق غسل الفواكه والخضراوات واليدين جيداً وبشكل متكرر، مسح الأثاث المنزلي بقطعة قماش مبللة بالماء عند تنظيفهما، التخلص من نفايات المنزل باستمرار، تجنب مشاركة الأدوات الشخصية.