طرق تدريب الدماغ على مقاومة القلق

مقالات

تنتشر ظاهرة القلق بين قطاعات واسعة من المجتمعات على مستوى العالم، سواء في الدول الصناعية المتقدمة، أو الدول النامية والمتوسطة والفقيرة، فكل مستوى له من الأسباب المختلفة التي تؤدي إلى تفشي هذه المشكلة.
ويمر الجميع بحالة من القلق في مشوار حياته، وبعض الأشخاص لا يعرفون ما المقصود بشعور القلق؛ ولكن لكل شخص درجة من هذا الإحساس بهذه الحالة، والذي يكون شديداً لدى عدد ليس بصغير من الأشخاص.
كما ينتقل هذا الشعور للأطفال من الوالدين والمحيطين، فهم لا يعرفون القلق؛ ولكنهم يتأثرون بمن حولهم، ويمكن أن تكون المرأة هي أكثر الفئات إصابة بهذه المشكلة؛ لأن مشاعرها أكثر عمقاً وتأثراً. ويساهم التطور الحضاري الكبير الذي يشهده العالم في زيادة ظهور القلق، رغم ما يوفره التقدم من راحة ورفاهية، إلا أن الجوانب المعنوية والروحية تعاني نقصاً شديداً، وهو ما يجلب للناس القلق والتعاسة في بعض الأحيان.
ويمكن أن تكون حالات الانتحار في بعض الدول المتقدمة من الأدلة على الخواء الروحي، وتعمق مشكلة القلق بدرجة كبيرة داخل نفوس هؤلاء الأشخاص، وربما أدى القلق إلى أمراض نفسية متعددة، من أهمها: الاكتئاب المؤثر في مسيرة الحياة بشكل كبير.
ونتناول في هذا الموضوع بعض الطرق التي يمكن بها التغلب على القلق، والسيطرة على الأشياء التي لا يمكن التحكم بها، إضافة إلى أساليب الوقاية الممكنة والأبحاث التي تمت في هذا الشأن.

الاضطرابات النفسية

ويعرف القلق على أنه تجربة مؤلمة من الانفعال تسبب إحساس الشخص بضغط أو تهديد وخوف، ورغم ذلك فهو غير قادر على تحديد مصدر التخوفات والتهديد.
ويعد القلق من الأعراض البارزة للعديد من الأمراض النفسية؛ حيث يظهر لدى الأشخاص الذين يعانون مرض الوسواس القهري وكذلك الاكتئاب، وكل أنواع مرض الرهاب والخوف والفزع، واضطرابات التكيف، وغيرها من الاضطرابات النفسية المختلفة.
وتشير دراسة أمريكية حديثة إلى أن ما يقرب من 40 مليون أمريكي يصابون بمشكلة اضطراب القلق، وهو أكثر تأثيراً من القلق أو الخوف من حين لآخر.
ويوضح الباحثون: إن اضطرابات القلق يمكن أن تتراوح من اضطراب القلق العام إلى اضطراب الهلع، وإذا كان الشخص يعاني أحد هذه الاضطرابات وما بينها ولم يحدث له أي تحسن بعد تناول الأدوية اللازمة، والذهاب إلى الأطباء المتخصصين، وفشلت كل طرق تخفيف هذا القلق، فلا داعي للانزعاج؛ لأنه توجد العديد من الطرق الأخرى التي تأتي بنتيجة جيدة وفاعلة، فقط يتطلب الأمر الكثير من الجهد الواعي؛ للوصول إلى حالة ذهنية صحية.

فهم المشكلة

وتوجد عدة تمارين وأساليب يمكن من خلالها وقف تدفق القلق بالشكل المرضي المزعج، وهذه التمارين تطبق على الدماغ؛ لوقف القلق بشأن الأشياء التي لا يمكنك التحكم فيها ببساطة، إضافة إلى أن هناك العديد من الاستراتيجيات التي يمكن أن تساعد ليس فقط لإدارة حالات القلق، ولكن من المحتمل أن تخفض هذا الشعور ككل.
ويجب فهم المشكلة أو مرض القلق أو هذا العرض بالتفاصيل، حتى إنه من الممكن معرفة كيفية التعامل معه بفاعلية؛ حيث توجد الكثير من الآراء المهنية والطبية حول ما إذا كان القلق نتج عن عدم التوازن الكيميائي للدماغ أم لا؟.
وتقول بعض هذه الاتجاهات إنه على الرغم من أن عدم التوازن الكيميائي يمكن أن يكون جزءاً من المشكلة أو عاملاً من المسببات، إلا أن محيط الشخص يلعب أيضاً دوراً رئيسياً في الإصابة بشعور القلق.

التناغم النفسي والعقلي

عندما يشــــعر الفرد بالقـــــلق من بعض الأشياء المحيطة به، يمكن أن يعد ذلك أمراً منطــــقياً، أو جانباً عاطفياً أو تكون ضمن الطريقة التي يستجيب بها العقل للعمليات الكيميائية الطبيعية.
ويلاحظ الشخص ما هو رد فعل الجسم والدماغ؟، ويوصي الباحثون بإجراء حالة من التناغم مع النفس والعقل، ولابد من التعرف على سبب استجابة الجسم للتهديدات بالطريقة التي تتصرف بها.
ويمكن أن يساعد ذلك في تطوير طريقة لمنع القلق من التصاعد والتضخم؛ لأن الشخص سوف يصبح أكثر إدراكاً ووعياً بنفسه وبما يحيط به.
يقول الباحثون إننا إذا افترضنا أن عدم التوازن الكيميائي هو ما يسبب القلق، بغض النظر عن العلاج الذي يحصل عليه الفرد، فإنه لا يزال بحاجة إلى تعلم أدوات المواجهة، التي يمكن أن تساعد في التغلب على هذا القلق.
وتعلم المصاب بالقلق لكيفية التحكم في مدى تأثيره عليه، فسيحدث تغييراً إيجابياً كبيراً في حالة عدم التوازن الكيميائي.

تحدي الأفكار الصعبة

يقدم الخبراء الخطوة الثانية التي يمكن القيام بها؛ لتدريب الدماغ على التوقف عن القلق بشأن الأشياء التي لا يمكن التحكم فيها ببساطة، والتي تتمثل في تحدي الأفكار التي تشعر الشخص بالقلق.
ويساعد على هذه الخطوة الاستعانة بصديق، ففي بعض الأحيان يساهم سؤال صديق أو سماع رأي أحد أفراد الأسرة حول موقف يسبب حالة من القلق في التهدئة والاطمئنان وإبعاد حالة القلق، فعلى سبيل المثال، إذا كان لدى المصاب حالة من القلق حول شخص آخر يتكلم عنه بشكل سلبي، فيجب السؤال عن هذا الشخص ومعرفة الحقيقة أولاً قبل أن يبدأ الذعر بشأنه.

ليس موجوداً

يوضح الباحثون أنه لا يوجد في الواقع أي سبب للذعر والخوف والقلق بشأن شيء قد لا يكون موجوداً في المقام الأول، أي أن الكثير من الأشخاص يصابون بالقلق من أفكار وتصورات غير موجودة في الأصل، وإنما هي موجودة فقط في عقل المصاب وترتبت على أساس خاطئ، بنى الشخص عليها موقفه الذي تطور وأصبح القلق من تأثيراته وسلبياته.
ويقول الباحثون حتى وإن كان الوضع المسبب للقلــــــق يتواجــــد بالفعل، فإن الشـــيء التالي الذي يساعد على تجنب هذا الشعور، هو أن يرى الشخص كيف سيكون رد فعل الآخرين تجاهه.
وتفيد معرفة وتخيل كيف ستكون رد فعل الآخرين، معظم الناس على إيجاد حل للتفكير المقلق، وهو ما يساعد على التوصل إلى طريقة أكثر واقعية في التفكير.

تدريب الدماغ

يشير الباحثون إلى أنه عندما يجد الشخص نفسه في موقف مرهق عليه تدريب دماغه على القيام بالتفكير الهادئ، ولا يمكن أن يحدث ذلك بمفرده، فلابد من مساعدة الآخرين، تماماً مثل إعطاء نصائح للأصدقاء عندما يشعرون بقلق بشأن موضوع ما، فلابد أن يقول الشخص لنفسه كيف ينظر إلى الوضع بطريقة إيجابية، وفي حالة حدوث المزيد من القلق، يتم تكرار التحدث مرة أخرى مع النفس.
ويبين الباحثون أنه إذا كان هناك العديد من المرات التي تم فيها تشويه العقل، فمن الصعب رؤية الحقيقة؛ لكن لا يمكن للشخص التشبع بالأفكار المثيرة للقلق؛ لأن ذلك سيجعل الأمر أسوأ، على سبيل المثال، إذا سألت نفسك «ماذا لو أصبحت أسوأ؟»، أو «ماذا لو أخبرت هذا الشخص بكل شيء يدور في نفسك نحوه»، ففي هذه الحالة سوف يزيد القلق ويتعمق أكثر، والعلاج هو محاولة الابتعاد عن ذلك تماماً، وبدلاً من ذلك يقوم الفرد بتغذية عقله بأفكار أكثر واقعية.
وينتهي الباحثون إلى أن لا أحد يفهم حقاً القلق الذي يمر به الشخص إلا إذا كانوا يمرون بنفس الظروف، كما يمكن تناول كل الأدوية في العالم التي تساعد على تخفيف القلق، ورغم ذلك لا تزيل هذا الشعور بشكل كبير، والأفضل من ذلك تعلم وتجربة بعض مهارات التأقلم على مقاومة شعور القلق، وهذه التمارين يمكن أن تساعد الشخص في التخلص من مرض القلق على المدى الطويل.

النساء الأكثر إصابة

تشير دراسة حديثة إلى أن مشكلة القلق من أكثر الاضطربات النفسية انتشاراً في الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تتسبب في خسائر مادية تقدر بحوالي 45 مليار دولار على مدار السنة، تصرف على علاج هذه الظاهرة المرضية المزعجة.
وكشفت الدراسة أن الأشخاص الأكثر تعرضاً لهذه المشكلة هم الشباب والسيدات، حيث تصل نسبة النساء إلى ضعف الرجال، نتيجة اختلاف الكيمياء في المخ بينهما، وكذلك خلل الهرمونات.
ويرجع أيضاً إلى الأساليب المختلفة التي يسلكها الذكور عن الإناث في التفاعل مع مشاكل وضغوط الحياة اليومية المستمرة، والتي ينجح فيها الرجل في مقاومة هذه الضغوط بدرجة أكبر من المرأة وتجاوزها بسلام
ويقول الباحثون إن الأفراد الأقل من 36 سنة المقيمين في دول أمريكا الشمالية، وكذلك في البلاد الأوروبية وخاصة الغربية هم الأكثر إصابة بمشكلة القلق في العالم كله.
ويضيف الباحثون أن القلق لم يأخذ حظه الكافي من الأبحاث والدراسات، مثلما تم مع مرض الاكتئاب، رغم أنه لا يقل خطورة عنه، فهو أحد الأسباب الرئيسية أيضا للانتحار، بالإضافة إلى التكلفة الاقتصادية المرهقة للدول.
وسجلت الدراسة أقل الأعداد المصابة بهذه المشكلة في دول شرق آسيا، بينما ارتفاع أعداد المصابين بها إلى أعلى النسب في دول أمريكا الشمالية، وتقدر النسبة عموما بحوالي 6% على مستوى العالم كله.