«الإنهيدونيا»..مرض فقدان اللذة في الحياة

مقالات

تتعدد متع الحياة، وهي على كثرتها، فإنها بسيطة للغاية، ولا ترتبط في أغلب الأحيان بقيمتها المادية، فمجرد قراءة كتاب أو رواية أو مشاهدة فيلم، أو حتى الاستمتاع بطعام شهي، تجد متعة ولذة الحياة.
ويعاني البعض حالة مرضية تسمى الإنهيدونيا أو التسطح العاطفي أو انعدام اللذة؛ حيث لا يجدون متعة أو لذة في كثير من الأمور، والتي ربما
كان يتمتعون بها في السابق.
تكثر النماذج التي يمكن من خلالها التعبير عن حالة التسطح العاطفي، فمثلاً لقاء الغائب يعد شيئاً مفرحاً لأحبابه، فالشخص يصبح مصاباً بهذا المرض عندما لا يفرح بقدوم الغائب، الذي يكن له مشاعر قوية كعودة الأب من سفر طويل، وكذلك الذي يحصل على مركز متقدم، أو يصاب بفقد عزيز لديه، ولا يجد أي تأثير وجداني لهذا الحدث. ونتناول في هذا الموضوع مرض الإنهيدونيا بكل تفاصيله، مع تقديم العوامل والأسباب التي تؤدي إليه، وكذلك الأعراض التي تظهر بسببه، مع بيان طرق الوقاية الممكنة وأساليب العلاج المتبعة والحديثة.

مرض نفسي

يعد الشعور بالعجز مؤلماً، ويزداد الوجع حينما يكون العجز عن الإحساس والشعور، بعد القدرة والتمكن من الأشياء التي يظن فيها اللذة والسعادة، كما لدى الأشخاص الطبيعيين، أو الذين لا يعانون مرض التسطح العاطفي.
ويعد انعدام اللذة- أو بحسب المسمى العلمي الإنهيدونيا- واحداً من الأمراض النفسية التي تصيب الشخص وتتعدد الأسباب المؤدية إليه. ويمكن القول إن هذا المرض له مظاهر في العلاقات التي يدور حولها الشخص، كعلاقته بنفسه وعلاقته بالآخرين، وكلاهما يجد فيه الشخص نفسه بلا تفاعل أو تجاذب أو رغبة في المواصلة، والعلاج يكون تجريبياً أكثر منه محدداً حسب كل حالة، كما أن الوقاية منه غير ممكنة، لشيوع الأسباب وعدم تحديدها.

عدم انسجام

يساعد التأمل في معرفة الأعراض، التي تظهر على مريض التسطح العاطفي، ولابد من العلم أنه في كثير من الأحيان يرفض الاعتراف بأنه مريض، ويجب أن يعالج منه، إلا بعد مناقشة مستفيضة ومقارنة بين السابق والحاضر، وفي حالة الاعتراف بوجود مشكلة، فإن العلاج يكون في متناول اليد. وتتعدد أعراض الإنهيدونيا، ومنها انعدام الرغبة لدى المصاب بالمشاركة في الأمور الاجتماعية، وربما يظن أنها غير ذات قيمة، ويضيف نفسه إلى الترفع عنها، وذلك تحت دعوى أنها لم تعد تلائمه والأمر خلاف ذلك.
ويصبح ميالاً أكثر إلى قطع العلاقات مع الآخرين بل والفرح بذلك، ويسعى جاهداً لتبرير ذلك لنفسه، على أنهم لا يريدون منه إلا المنفعة الخاصة فقط.

اضطرابات سلوكية

يحسب الشخص المصاب بالتسطح العاطفي حسابات ذهنية كثيرة حول أسلوبه في الحياة، ولذلك فإنه يتخذ أسلوب حياة مختلفاً كل فترة، ثم يرجع على نفسه باللائمة دائماً، وهو ما يعرضه للإصابة بالاكتئاب، والذي يعتبر أحد أعراض الإصابة بهذا المرض.
وتنسحب الأعراض على أسلوب حياة الشخص، وطريقة تعبيره عن مشاعره، والتي تأتي دائماً فاترة وجافة، وفي بعض الأحيان جارحة.
ويلاحظ عند استقراء طريقة حياته، أنه لا يقوم بأي دور فعال ومتزن في المناسبات، التي يجب عليه المشاركة فيها، سواء أكانت مناسبات سعيدة أو غير سعيدة.

دوافع خفية

ترجع أسباب الإصابة بالإنهيدونيا إلى مرور الشخص بمراحل من حياته تعرض فيها لنوبات اكتئابية، مما أدى إلى ترسب الحالة في ذهنه، وبمرور الزمن أخذت قدرته على الاستمتاع بالحياة تتلاشى، حتى يظن أن هذا أمراً طبيعياً، وأن الجميع مثله.
وتعد إصابة الشخص بمرض نفسي معين مدعاة للإصابة بانعدام اللذة، فالنفس البشرية كثيرة التعقيدات، ولا يمكن التعرف إلى السبب المباشر لهذه الحالة، إلا عند مصارحة المريض التامة، والدقة الشديدة من الطبيب المعالج في التقصي، وربط الأحداث ببعضها البعض، وهنا يكون له نصيب وافر من إمكانية عودته للحياة، لأن الشعور والإحساس واللذة تساوي الحياة.
وتلعب عوامل أخرى، دوراً في الإصابة بهذا المرض، بجانب الأسباب النفسية، فالإصابة ببعض الأمراض كالسكري، ربما تجعل إحساس المريض بالحياة ولذتها مرهوناً بحالته الصحية، وهذا يصعب الحياة عليه.
وتستلزم بعض الأمراض الأخرى للحماية من مضاعفاتها الحرمان أو البقاء بعيداً عن التلذذ، ويكون غاية ما يمكن إدراكه هو الحياة بلا ألم.

رؤية سوداوية

تزيد حالات الاكتئاب، فرصة الإصابة بأمراض أخرى، والإنهيدونيا خير دليل، ولكن حين تزداد المشكلة، فإن الشخص ربما يصاب بأخطر حالة يمكن أن تحدث، جراء حالته النفسية، وهو الاستسلام لليأس والزهد الحقيقي في كل شيء، ومن الممكن أن يتطور الأمر إلى رغبة في الانتحار، كما يتأذى الأشخاص المحيطون به نتيجة الاضطراب في سلوكه.
وتأتي المضاعفات النفسية متشابكة مع المضاعفات الجسدية، كارتفاع ضغط الدم وزيادة احتمالية حدوث نوبات صرع، وكذلك ارتفاع معدلات الضعف العام، نتيجة العزوف عن الأكل والشراب المتوازن، إلى جانب العديد من الاضطرابات الكثيرة، والتي من أهمها النظرة الانتقامية للمجتمع وتحميل المسؤولية عليه.
ويزيد من حدة مضاعفات المرض، وجود انتقادات من المحيطين به أو استهزاءات، مما يجعل الشخص أكثر حدة وعنفاً في التعامل مع نفسه ومع الآخرين؛ إذ ربما حرم نفسه من الطعام والشراب، أو تفاقمت الحالة إلى أن يتلذذ بإيذاء الآخرين.

الدخول لعقل المريض

يعتمد التشخيص في حالات الإصابة بالتسطح العاطفي على قدرة الطبيب على الدخول إلى نفس وعقل المريض، ليعلم المناطق التي يمكن من خلالها تحديد المشكلة، وبدء إحياء قيمة الأشياء من خلالها.
وينطلق الطبيب المختص في مرحلة التشخيص إلى الأسئلة التحفيزية، وتشمل إحساسه بالحياة، وهل يجد لذة عند تناول الطعام؟ وعن الأوقات التي يشعر فيها بالفرح، وعن أول جائزة حصل عليها، إلى غير ذلك من الأسئلة التي تبين ردود الأفعال الحالية تجاه الحياة ومتعها، بمختلف درجاتها وأنواعها.
ويهتم أيضاً بمعرفة ما إذا كان الشخص يعاني اكتئاباً حالياً، أو في مرحلة سابقة من حياته، وهل يتناول جرعات خاصة بهذا الأمر أم لا؟ وكذلك لابد من تحديد الأمراض التي يعانيها، وهل يتناول أي مواد مخدرة، أو يكثر من شرب الكحوليات.
ويساعد في التشخيص كتابة قائمة استرشادية حول طبيعة حياته، وكيف يكون صداقات؟ وهل هو ناجح اجتماعيا؟ وغير ذلك من الأمور التي من خلالها يمكن التعرف إلى درجة الإصابة وحدتها.
تتم عملية المعالجة لحالات انعدام اللذة من خلال خطوات، أولها إعطاء المريض بعض مضادات الاكتئاب، ومحفزات مراكز الشعور بالدماغ، والتي من شأنها رفع درجة الإحساس بالتمتع، وزيادة شعور المريض بالسعادة على مدى قصير وبعيد نسبياً.
ويكون الشق الأكبر في معالجة المصابين بهذه الحالة متعلقاً بالحوار معهم، للوصول إلى المسببات الحقيقية للحالة، لأن كل شخص يختلف عن الآخر في الظروف والبيئة التي كانت حاضنة لمسببات المرض.
ويبدأ النقاش مع المريض بعد محاولة التعرف إلى مشاكله التي يجدها في حياته، من خلال علاقته مع نفسه والبيئة المحيطة والناس، وكيفية تفاعله مع الحياة، والمناسبات التي تستدعى وجوده ومشاركته فيها.

ثقة المريض

يسعى الطبيب في مرحلة العلاج إلى التأكد من سلامة الحالة من أي معوقات صحية، لذا يلجأ إلى السؤال عن التاريخ المرضي لها، وكذلك التاريخ العائلي، ويغوص مع المريض حول ذاته، والخبرات الحياتية التي تعرض لها، وكلما اقترب الطبيب من كسب ثقة المريض، كان النجاح في عودة الحالة إلى الوضع الطبيعي أسرع، والشفاء أقرب.
ويتم كذلك تهيئة البيئة المحيطة بالحالة، أو تغييرها إذا لزم الأمر، مع الحرص على إشراك المحيطين به في عملية العلاج؛ بحيث يحرصون على عدم الضغط على المرض أو إشعاره بالنقص، فالدعم النفسي والمعنوي والحوار البناء، أمور لا يمكن التخلي عنها لعلاج مرضى الإنهيدونيا.

عدم اعتراف

أكدت دراسة حديثة أجريت حول مرض الإنهيدونيا أن نسبة الإصابة به كبيرة وشائعة، حيث تصل إلى 40% في بعض المجتمعات، وتزيد إلى 50% في بيئات أخرى.
ولا تزيد نسبة من يعترفون أنهم مرضى على 5% من الحالات المصابة، حيث أكد الكثيرون عدم اعترافهم بالإطلاقات المرضية، خاصة في الأمور التي تخص النفس.
ويعبر الكثيرون بحسب الدراسة عن فقدان القدرة على التمتع، بأنه إفراز للبيئة ونتاج طبيعي لضغوطات الحياة، وأصبح من المسلم لديهم أن الحياة أصبحت غير مرغوبة.
وتشير الدراسة إلى أن الضغط الاقتصادي يساعد في بعض البيئات على عزوف الناس بنسبة 90% عن علاج الأمراض المتعلقة بشخصياتهم، وحالتهم المزاجية والنفسية، باعتبار أن هذا نوع من الترف.
وأكدت الدراسة أن الأشخاص الذين يحظون بتماسك أسري عادة لا يصابون بمثل هذا النوع من الأمراض، نظراً لوجود قدر كاف من التمتع بالحياة، يضمن حصوله التواجد في تجمع أسري سليم.
وأشارت الأبحاث إلى أن المخدرات بجميع أنواعها، مسؤولة عن حوالي 30% من حالات الإنهيدونيا، لأن مرضى الاكتئاب يلجأون إليها كحل، للخروج من أزماتهم النفسية، فيقعون في حالات انعدام الرغبة في كل شيء.