نقص المناعة الأوّلي..يفتح الباب للإصابة بالأمراض

مقالات

يحتاج جسم الإنسان إلى وسائل حماية كثيرة، تساعده على البقاء ومقاومة أي هجوم خارجي أو داخلي، وهذا أمر ربما لا يفطن إليه الكثير من الأشخاص.
ويكون الجسم دائماً مستهدفاً من أنواع الجراثيم والبكتريا والفيروسات المتعددة، والتي تحاول أن تجعل منه بيئة تعيش فيها وتتكاثر بداخله، ويكون بمثابة العائل لها والمضيف.
يقوم بدور الحماية للجسم من هذه الأشياء وغيرها جهاز المناعة، الذي يرسل مضاداته ودفاعاته تجاه أي جسم غريب، أو الجراثيم والميكروبات التي تحاول اختراق الجسم، حتى ولو تمكن من دخوله، فإن جهاز المناعة يعمل على مقاومته، وإن كان شرط هذا أن يكون جهاز المناعة قوياً.
ويصاب البعض بمرض يسمى ضعف المناعة الأوّلي، والذي يسبب العديد من المشاكل الصحية والأمراض، ويحتاج إلى عناية ورعاية مستمرة.
ونتناول في هذا الموضوع مشكلة ضعف المناعة الأوّلي بالتفاصيل، ونبين العوامل والأسباب التي تؤدي إلى هذه الحالة، وكذلك الأعراض التي تظهر، مع تقديم طرق الوقاية الممكنة وأساليب العلاج المتبعة والحديثة.

درجات مختلفة

تحدث المشكلة بالنسبة للجسم عندما يضعف جهاز المناعة الخاصة به، وذلك لعدة أسباب متنوعة، وربما تكون متشابكة أو عندما يحدث اضطراب في جهاز المناعة، فيهاجم الجسم ظناً منه أنه عدو، وذلك في الغالب لأسباب غير معلومة.
ويمكن أن يصاب بعض الأشخاص بنقص المناعة منذ الولادة، وذلك نتيجة عوامل وراثية، ولا تجد العدوى سواء كانت فيروسية أو جرثومية أي عائق أمامها، فيتأثر الجسم بها.
ويتسبب ضعف المناعة الأوّلي في مشاكل صحية كثيرة، وتختلف درجة الضعف من حالة لأخرى، وتبعاً لذلك يكون ظهور الآثار الصحية مبكراً، أو بعد فترة من الولادة ربما تمتد لسنوات. وتزداد حدة المشكلة إذا تعرض المصاب لتعاطي مواد من شأنها إضعاف جهاز المناعة، أو إحداث اضطراب به، وهو الحصن الذي يحتمي الجسم من خلاله، فإذا حدث الخلل توالت الهجمات.

سرعة الإصابة وتكرارها

يتعرض مريض ضعف المناعة الأوّلي للإصابة بالكثير من الأمراض، وذلك بشكل سريع وبدرجة كبيرة.
ويتكرر حدوث المرض والإصابات المعدية، مع ملاحظة أن هناك أشخاصاً آخرين يتعرضون معه لنفس الظروف، ولكن لا تظهر عليهم هذه الإصابة، وإذا حدثت لا تتكرر بنفس السرعة والحدة.
ويزول العجب عندما يتم الكشف عن أن السبب في ذلك، هو ضعف الجهاز المناعي بالجسم، ويكون عدم مقاومة الجسم للأمراض نوعاً من الأعراض، التي تنذر بوجود مشكلة في الجهاز المناعي للمصاب.
ويستلزم الأمر في هذه الحالة أخذ الاحتياط بشكل أكبر، من حيث التعرض لظروف من شأنها وجود العدوى، كالمستشفيات وأماكن العمل غير الصحية والاختلاط بالحيوانات، بل والجلوس في أماكن بها ناقلات عدوى كثيرة، كالحشرات وغيرها.

صعب الحصر

يصعب حصر أعراض مرض نقص المناعة الأوّلي في حيز حالة واحدة، حيث تختلف الأعراض من حالة لأخرى.
ويمكن أن يوجد بعضها مثل حدوث التهاب متكرر في أجزاء من الجسم لها موصل خارجي، كما هو الحال في الجيوب الأنفية والشعب الهوائية والجلد، حيث إنها تلامس البيئة الخارجية، ومن خلالها يكون هناك عرضة للعدوى، التي لا تجد أي مقاومة من الجسم، فتحدث المشكلة الناجمة عن ضعف المناعة.
وتشمل الأعراض مجموعة من الأمور المهمة، والتي في الغالب تأتي بداية المشكلة من خلالها، مثل الالتهابات الداخلية الناتجة عن العدوى أيضاً، وكذلك الخلل في تركيبة الدم، من حيث النقص في بعض مركباته، نتيجة العامل الوراثي أو انتقال العدوى إليه، عن طريق الجرح أو الحقن أو العمليات الجراحية، التي بها تقصير من ناحية التعقيم للمواد المستخدمة.

مشكلات العمليات الحيوية

يعتبر من الأعراض المهمة لضعف المناعة الأوّلي، وجود مشكلات شبه متكررة في العمليات الحيوية للجسم، مثل كثرة شعور المصاب بالغثيان مع وجود آلام في المعدة، ناتجة عن تقلصات تعاود الجسم بين الحين والآخر، مع أي إجهاد ولو بسيط للمعدة، أو دخول مواد غذائية للجسم.
وتعمل اضطرابات جهاز المناعة بشكل سلبي على حالة الجسم العامة، فيصاب المريض بالضعف وعدم النمو الطبيعي، أو بمعدلات متأخرة نسبياً عن أقرانه، مع انتشار بعض الآلام في الجسم.
ويجعل هذا الأمر الحاجة إلى مواجهة المشكلة، أمراً لا مفر منه، حتى لا تزداد المشكلة ويقع الجسم فريسة عدوى، يمتد تأثيرها لفترات كبيرة من الألم وعدم القدرة على ممارسة أي نشاط، خاصة لدى الأطفال بعد الولادة وفي مرحلة الطفولة.

العامل الوراثي

ترجع الإصابة بضعف المناعة الأوّلي إلى العامل الوراثي، والذي يتمثل في انتقال الضعف من الوالدين إلى الأطفال.
ويكون جهاز المناعة الخاص بالطفل في هذه الحالة غير قادر على التصدي لأي نوع من العدوى، ويلاحظ ذلك على الطفل من خلال تكرر أزماته الصحية وسوء نموه، وكذلك ظهور بعض الضعف في الحالة الصحية العامة.
ويمكن للعديد من الأسباب الأخرى أن تؤدي إلى ضعف المناعة الأوّلي، خاصة لدى الصغار ومن خلال الوالدين أيضاً، ولكن بصورة أكثر شراسة.
ويتمثل ذلك في السلوكيات الخاطئة التي يمارسها بعض الآباء والأمهات، وذلك في فترات الحمل الأوّلي، مثل التدخين وتعاطى الخمور والمواد المخدرة، والإفراط في تناول الأدوية التي تعمل على تثبيط جهاز المناعة وإضعافه لدى الأم أو الأب والطفل بعد ذلك، وربما امتد الأمر إلى حدوث تشوهات في المخ والقلب لا يتم اكتشافها إلا بعد الولادة.

تكرار العدوى

تؤدي الإصابة بضعف المناعة الأوّلي إلى عدد كبير من المضاعفات، والتي تؤثر تأثيراً بالغاً على جسم المصاب.
وتتمثل في إمكانية معاودة الإصابة بالعدوى بعد التعافي منها، وذلك لأن الجسم يكون معرضاً دائماً لاختراق الجراثيم والبكتريا والفيروسات، عند توافر الظروف الجديدة للعدوى، ويتجاوز ضرر التكرار وجود العدوى إلى أن يزداد معه وبسببه ضعف المناعة.
وتكون السيطرة على العدوى في هذه الحالة أصعب، ويصاب الجسم بنوع من الإنهاك، مع تعدد المناطق التي تصاب بالاضطراب، مثل حدوث خلل في القلب والرئتين.

مرض مزمن

تزداد مضاعفات نقص المناعة الأوّلي، كلما تأثرت أجهزة الجسم المختلفة، مما يعرض المصاب لخطر المرض المزمن، وعدم القدرة على ممارسة الأنشطة اليومية، أو القيام بمهام العمل، وهذا مع تجدد الآلام التي يصعب التعايش معها، إلاّ من خلال المسكنات، والتي بدورها لها تأثير سلبي على بعض الجوانب الصحية، والمتعلقة بمقاومة الجسم وقدرته على التغلب على أسباب الوهن والضعف. وتمتد في حال عدم الالتزام بضوابط العلاج ثم الوقاية إلى الخطر الأكبر، الذي يتمثل في تعرض حياة المريض لخطر الموت، لذا يجب التنبه للأعراض والعمل على تلافيها، حتى لا يكون للمضاعفات أي وجود في حياة المريض إلا قليلاً.

التاريخ المرضي

يعتمد التشخيص السليم في حالات ضعف المناعة الأوّلي، على معرفة الظواهر المرضية التي مرت بها الحالة.
ويستطيع الطبيب معرفة ذلك من خلال مناقشة المريض أو المرافقين له، وكذلك التاريخ الوراثي للعائلة، لأن ضعف المناعة يسببه العامل الوراثي، بالانتقال من الأبوين أو أحدهما إلى الأبناء.
ويبدأ الطبيب باستخدام الوسائل الطبية المعروفة، ومن أهمها تحليل الدم الذي من خلاله تتضح طبيعة الجهاز المناعي للشخص، ويكشف عن العناصر الناقصة في الدم.
ويتم كذلك الكشف عن الأجسام الغريبة التي تقوم بمهاجمة الشخص، أو تغير من نشاط جهاز المناعة الدفاعي، بحيث يتعامل مع المرض على أنه مسموح به داخل الجسم.
ويمكن كذلك أن يطلب الطبيب في مرحلة الكشف عن المرض التحليل الجيني، لمعرفة نوع الجين المسؤول عن العدوى، وذلك لتحديد المضادات المناسبة له.

مواجهات

تتخذ خطة العلاج طرقاً متشعبة لهدف واحد، حيث يبدأ الطبيب أولاً بمساعدة المريض على تحمل الآلام الناتجة عن العدوى، والتي يكون وراءها ضعف المناعة، من خلال تناول المواد المسكنة اللازمة.
ويتم وبعد ذلك إعطاء المضادات اللازمة للفيروس المتسبب في العدوى، مع ضرورة أن يكون ذلك كله في مكان مخصص للمعالجة من هذا النوع، خاصة الحالات التي يكون السرطان واحداً من الآثار الناتجة عن ضعف المناعة.
ويتبع ذلك علاج أي خلل يظهر في الجسم، سواء كان في الدم أو الكلى أو المخ، بحسب كل مريض إلى أن تستقر الحالة، وتتمكن من استكمال العلاج بعد ذلك على فترة ليست بالقصيرة.
ولا يجب إغفال أن الوقاية أمر حتمي سواء قبل الإصابة أو بعدها، كالمحافظة على النظافة الشخصية، وغسل الأطعمة وطهيها بشكل كافٍ، والبعد عن مسببات العدوى، مع الذهاب للتحليل كل فترة، للتأكد من أن الأمور تحت السيطرة.

الخلايا الجذعية

تشير دراسة حديثة إلى أن زراعة الخلايا الجذعية تعتبر أحد أشكال العلاج الدائم، للعديد من أنواع نقص المناعة، والتي تهدد حياة المصابين.
وتوفر الخلايا الجذعية التي يتم نقلها إلى المصاب الحصول على جهاز مناعي يقوم بدوره بشكل سليم، ويمكن الحصول على الخلايا الجذعية من نخاع العظم أو مشيمة الولادة. ويكون عادة المتبرع بالخلايا الجذعية أحد والدي المصاب أو الأقارب، حيث ينبغي أن يكون هناك تطابق بيولوجي بين أنسجة جسم المتبرع والمصاب بنقص المناعة، ويجب ملاحظة أن بعض عمليات نقل الخلايا لا تلقى نجاحاً كبيراً بالرغم من توافر التطابق اللازم.
ويمكن أن يلجأ قبل نقل الخلايا إلى القضاء على الخلايا المناعية، وذلك من خلال العلاج الكيميائي أو الإشعاعي، وهو الأمر الذي يعرض المريض وبشكل مؤقت للعدوى والالتهابات.