الكدمة..إصابة متعددة الأسباب

مقالات

تحقيق: راندا جرجس

الكدمة.. هي تجمع دموي ينحصر في منطقة معينة تحت الجلد، يحدث نتيجة التعرض للرضوض بأشكالها المتعددة، أو ناجمة عن وجود بعض المشكلات الصحية أو الإصابة ببعض الأمراض وأهمها الهيموفيليا، كما تعتمد درجة الألم على نوع النسيج في الجسم، وتعد الكدمات التي تستهدف الضلوع والعظام الأكثر شيوعاً، ولكنها مزعجة بالنسبة للمريض حيث إن الكدمات التي تصيب العظام تعوق الحركة لفترات طويلة تتراوح من أسبوعين إلى أربعة أسابيع للشفاء، ويعتبر المسنون وخاصة النساء أكثر الفئات تعرضاً للرضوض، والجدير بالذكر أن الأنواع البسيطة من الكدمات لا تحتاج إلى علاجات دوائية ولكن يمكن التعامل معها عن طريق استخدام الكمادات الباردة.
يقول الدكتور عماد سلمان، استشاري في طب الأسرة: هناك العديد من الناس يربطون الرضوض بالعلامات الزرقاء الداكنة التي تظهر على الجلد، ولكن لا يعلم الكثيرون أن هذه الكدمات ربما تحدث أيضاً للعظام، وهي إصابات ناجمة عن صدمات قوية، ولكنها أقل حدة من الكسر، وعلى عكسه، تحدث في العظم عندما تتمزق بعض الألــــياف المكونة للعظام، ويحدث ذلك في الأغلب في الطبقة الخارجية للعظم والتي تسمى القشرة، وتؤدي إلى تلف الأوعية الدموية الصغيرة، ما يؤدي إلى تسرب الدم والسوائل إلى أنسجة العظام والأوعية الدموية القريبة، وتشـــمل بعض أنســـــجة العـــظم السمحاق وهو النسيج الذي يغطي العظم والغضاريف والمفاصل أو النخاع العميق في العظم الذي يحتوي على الأنسجة الليفية المسماة التربيق، وفي حالة الكدمات تكون بعض أنسجة التربيق تالفة على العكس من الكسر الذي تكون فيه كل الأنسجة ممزقة.
كما يمكن أن ينجم عنها تراكم الدم في المنطقة تحت السمحاق (ورم دموي تحت السمحاق)، كما يمكن أن يسبب النزيف والتورم في المنطقة الواقعة بين الغضروف والعظم أسفله (رضوض الغضاريف) أو في نخاع العظم (رضوض بين العظام).
يضيف: ترتبط الكدمات في الغالب بالإصابات، وخاصة الرياضية وحوادث السيارات والسقوط وما إلى ذلك، ويمكن أن تسبب بعض الحالات الطبية رضوضاً مثل الهيموفيليا أ وب والتهاب المفاصل، ويعود ذلك بشكل رئيسي لأن الأشخاص الذين يعانون التهاب المفاصل تكون أسطح العظام لديهم غير محمية وتحتك ببعضها بعضاًَ.

مضاعفات

يوضح د. سلمان أن رضوض العظام يمكن أن تسبب ألماً وتورماً في المنطقة المصابة، وربما يكون الألم أكثر حدة من تلك الكدمات التي تسببها أصابات الأنسجة اللينة، كما يمكن أن تؤدي إلى تورم وتصلب في المفاصل، والجدير بالذكر أن معظم كدمات العظام تلتئم من دون حدوث أي مضاعفات، ومع ذلك، ففي حال كانت الكدمات كبيرة للغاية، يمكن أن يؤدي ذلك إلى انقطاع تدفق الدم إلى العظم، ما ينتج عنه مرض نقصان الدم المزود للعظام، وهو الموت الخلوي (النخر) لمكونات العظام، وعندما يحدث ذلك بالقرب من المفصل، يمكن أن يؤدي إلى انهياره.

تدابير علاجية

يؤكد د. سلمان أن أفضل الطرق والأكثر شيوعاً في علاج كدمات العظام هي إراحة المنطقة المصابة ووضع ضمادات ثلج عليها عدة مرات في اليوم، كما ننصح المصابين بجعل المنقطة المصابة أعلى من المستوى الأفقي للقلب لتجنب التورم أو التقليل منه، ونصف أحياناً مسكنات للألم ومضادات للالتهاب من أجل الحد من التورم، واعتماداً على شدة الإصابة، فربما تكون هناك حاجة لجعل المرضى يرتدون دعامة للحد من الحركة.

أماكن مستهدفة

عن أكثر الأماكن تعرضاً للكدمات في الجسم، يشير الدكتور جوين هويل، استشاري جراحة العظام، أن نظام الأوعية الدموية المغلق يبقى دائماً تحت الضغط، الذي يقصد به ضغط الدم، ولكن عندما يحدث جرح أو شق في أحد جوانبه يتسرب الدم إلى منطقة منخفضة الضغط وهي الأنسجة المحيطة، وإما أن يُرى التسرب تحت الجلد، أو يبقى مخفياً داخل الجسم، ويتكون جهاز الدوران من الشرايين التي تنقل الدم من القلب إلى الشعيرات الدموية الصغيرة في الأنسجة، مثل الجلد أو العضلات، ثم يعود الدم من تلك الأنسجة إلى القلب عبر الأوردة، وتظهر الكدمات عادة نتيجة تمزق الشعيرات الدموية الصغيرة، عندما يرتطم المرء بساق المنضدة مثلاً، وربما تتمزق الأوردة أيضاً عند الصدمة، وتنتشر الكدمات على نطاق أوسع لتشكل تجمعاً دموياً يعرف بالورم الدموي، وما لم تكن الصدمة شديدة من النادر أن تتمزق الشرايين.

وسائل تشخيصية

يفيد د. هويل بأن كدمات العظام يمكن تشخيصها سريرياً، كالتي تحدث للأضلاع بعد ضربة على الصدر، فيشعر المصاب غالباً بعدم الراحة عند لمس المنطقة والألم عند الحركة أو التنفس، وتظهر صورة الأشعة السينية إن كانت الأضلاع مكسورة أم لا، والجدير بالذكر أنه هناك الكثير من اضطرابات الدم التي تجعل الإصابة بالكدمات أسهل، وأكثرها شهرة (الهيموفيليا) وتوجد أيضاً العديد من الأمراض التي تتسبب في حدوث ضعف جدران الأوعية الدموية وبعضها وراثي، كما تمثل الشيخوخة عاملًا يزيد من احتمال الإصابة بالكدمات، لأن جدران الأوعية الدموية تصبح عندها أقل مرونة وضعيفة الحماية بسبب انخفاض نسبة الدهون الطبيعية في الجسم التي تحيط بها عادة.

العظام والأضلاع

يذكر الدكتور شرييرانج جوشي أخصائي جراحة العظام، أن الكدمات إصابات تؤدي إلى تغيير لون البشرة دون إحداث أي تلف أو كسر في العظام، وتكون في العادة نتيجة ضربة قاسية بأداة صلبة، وربما ينجم عنها تمزق في الأوعية الدموية، ما يتسبب بتجمّع الدم تحت سطح الجلد، وهناك بعض المسببات التي تزيد من احتمالات حدوث كدمة عند التعرض لأقل إصابة وهي نقص عدد الصفائح الدموية، فقر الدم، نقص عامل مكوّنات الدم، أمراض الكلية (المزمنة)، أما مسببات تكدّم العظام والأضلاع، فتتمثل في:
– ضعف مقاومة الجلد مع التقدّم في السن.
– هشاشة الأوردة الدموية كما هي الحال لدى مرضى السكري.
– تناول المهدئات مثل مميعات الدم.

مراحل التكدّم

يشير د. جوشي إلى أن الكدمة تبدأ مع التلوّن إلى الأحمر كنتيجة لتجمع الدم الغني بالأكسجين، علماً بأن لون البشرة يؤثر في اللون الأولي للكدمة، حيث تميل الكدمات إلى اللون الأحمر أكثر في البشرة الفاتحة، بينما تأخذ لوناً مائلاً للأصفر في البشرة معتدلة اللون، أما البشرة الداكنة فيكون لون التكدّم فيها داكناً أكثر، وفي غضون يوم إلى يومين، يبدأ الدم المتجمع بفقدان الأكسجين، ليتحول لون الكدمة إلى الأزرق أو البنفسجي أو الأسود، وبعد 5-10 أيام يصبح لون الكدمة أخضر أو أصفر نظراً لتفكك كريات الدم إلى المكوّنين الملوّنين البيلفردين والبيلروبين، وخلال 10-14 يوماً تكتسب لوناً أصفر مائلاً إلى البني أو بنيّاً خفيفاً، وتتلاشى معظم الكدمات في غضون أسبوعين.

أعراض وعلامات

يحذر د. جوشي من العديد من الأعراض التي يجب أخذها بجدية عند التعامل مع الكدمات، مثل حدوث خدر في اليد أو الساق، ازدياد حجم الكدمة دون توقف، أن تدوم الكدمة أكثر من ثلاثة أسابيع، عند ظهور كدمة فوق البطن دون أي سبب واضح، وهناك بعض الحالات التي يجب فيها مراجعة الطبيب في أقرب وقت عند حدوثها، كالتعرض لكدمات في الرأس أو الرقبة، أو عندما تتسبب الكدمة بضرر في الرؤية.
وتجدر الإشارة إلى أن الألم الصدري يعتبر أحد أهم أعراض هذه الكدمات، وربما يزداد عند التنفس أو السعال أو الضحك أو العطس، ومن العلامات الأخرى التي تعد كدلالة على وجود إصابة، هي الانتفاخات حول الأضلاع المتكدّمة، والانكماشات في العضلات الصدرية، وارتخاء منطقة الكدمة وما يحيط بها، أما عند رؤية كدمات حول الأضلاع دون رصد أي شعر في العظام، فيجب مراقبة المريض بعناية نظراً لاحتمال أن يكون الضلع مغطى بطبقة رقيقة من الغلاف المحيط بالرئة (غشاء الجنب)، يترافق مع انهيار بطيء للرئة.
يضيف: يعتمد علاج الكدمات على الإسعافات الأولية بوضع الكثير من الثلج، كما يمكن اليوم استخدام أكياس الجل القابلة لإعادة الاستعمال، والتي تعد خياراً مريحاً وقابلاً للنقل بسهولة داخل صناديق الثلج، إلى جانب سعرها المعقول وخفة أثرها في المريض، وسهولة لفها حول الأطراف بمزيد من الفعالية والسلاسة، كما أن كريمات مضادات الالتهاب غير الستيرويدية والأدوية الفموية تساعد بشكل كبير على تخفيف الكدمة.

الهيموفيليا

يعرف مرض الهيموفيليا أو الناعور بأنه أكثر أمراض الدم التي يترافق معها ظهور رضوض وكدمات في عدة أماكن متفرقة في جسم الشخص المصاب، وهو داء نادر ينجم عنه عدم تجلط الدم بشكل طبيعي، ومن علامات الإصابة أيضاً معاناة المريض نزيفاً عميقاً في الجسم يكاد يكون دائماً، ويستهدف الركبتين والكاحلين والمرفقين، كما يصنف ضمن الأمراض التي تهدد الحياة وتسبب الوفاة نتيجة مضاعفاته الخطيرة، وتعود أسباب الإصابة بالهيموفيليا إلى الجينات الوراثية، ولكن بحسب الدراسات فإن هناك 30% تقريباً لا يوجد لديهم تاريخ عائلي بالمرض ولكن أصيبوا نتيجة أمراض أخرى مثل السرطان، مشكلات المناعة الذاتية وغيرها، ويتمثل العلاج في مسكنات الآلام والأدوية التي تحد من النزيف، والعلاج الجيني كما ينصح بممارسة عدد من التدريبات يومياً وخاصة التي تدعم تقوية العضلات وتمديدها.