«متلازمة كوتار»..الأوهام تتحول إلى حقيقة

مقالات

يتأثر الشخص بكل مكونات البيئة المحيطة، وتختلف درجة التأثر من فرد لآخر، فهناك الشخص الذي يتمتع بطبيعة نفسية قوية، والتي تتحمل الصدمات بكل أشكالها، وفي المقابل فإن بعض الأشخاص، وبخاصة الذين يصابون بأمراض نفسية، تقل لديهم هذه المقدرة، وهو ما يمكن أن يترتب عليه إصابتهم ببعض الأمراض النفسية؛ مثل: متلازمة الجثة المتحركة، أو متلازمة الجثمان السائر أو متلازمة كوتار.
ترجع الإصابة بمتلازمة كوتار إلى الحالة النفسية للمصاب؛ وذلك لأن عقله يصل إلى قناعات وهمية، والتي تكون على درجة من اليقين، أنه ميت أو أنه فقد أحد أعضاء جسمه، وبالتالي فإنه يكرّس جهده في المحافظة على تثبيت هذا التوهم العقلي داخل عقله، وفي أذهان الآخرين.
وأطلق على هذه الحالة هذا الاسم الدكتور الفرنسي جول كوتار متخصص الأمراض العصبية، مكتشف هذه المشكلة أثناء معالجة إحدى السيدات من هذه المتلازمة، والتي كانت تظن أنها تعاني لعنة تمنعها من الأكل، وأدت إلى وفاتها بعد ذلك من شدة الجوع.
ونتناول في هذا الموضوع متلازمة كوتار بالتفاصيل، مع بيان العوامل والمسببات التي تؤدي إلى هذه الحالة، وكذلك الأعراض التي تظهر، ونقدم طرق الوقاية الممكنة، وأساليب العلاج المتاحة والحديثة.

التعرض للصدمات

تعد متلازمة كوتار مشكلة من آثار التعرض للصدمات، التي تختلف من حيث نوعها، فهناك صدمات عاطفية، كفقد عزيز أو خيانة حبيب، أو التعرض بشكل مفرط للسخرية أو الخوف.
ويمكن لهذا التأثير أن يحدث نتيجة مشاهدة صورة بشعة، كمشاهد القتل أو الاغتصاب، وغيرها من الصدمات، التي تجعل تفكير المصاب بمتلازمة كوتار يفقد القدرة على التفكير المتزن، ويستسلم بصورة تامة للأفكار الخارجة عن حدود المعقول.
وتبدأ بذور هذه المتلازمة عند الأشخاص الذين يتسمون بالانفعال الشديد وسرعة الاكتئاب، وكـــذلك عند المصاب بالفصام، ويبدأ الشخص المريض في إنكار ذاته أو بعضها، ويعيش من دون أي إدراك أو تفاعل مع البيئة المحيطة، فيهمل نظافته ولا يكترث لطعامه، وينعزل حتى لو كان بيـن مجموعة من الأشخاص.
وتعد النساء أكثر تعرضاً لهذه الحالة؛ لأن عواطفهن أكثر تحكماً بهن، كما أن هناك أسباباً كبيرة، ربما أدت إلى إصابة المسنين بمتلازمة كوتار، ويشمل العلاج أكثر من مسار فمنه الدوائي والنفسي، والأهم هو الحصول على ثقة المريض.

وساوس وتخيلات

تعد الإصابة بمتلازمة كوتار محصلة نهائية لمجموعة من الأمور النفسية، والتي تبدأ بالاكتئاب وفقدان الذات والشعور بالتخلي عن الكثيرين أو فقد الثقة فيهم؛ بحيث يكون الشخص المصاب بها بيئة خصبة لتطور الحالة، ونادراً ما يصاب بهذه المتلازمة هؤلاء الذين يملكون قدراً كبيراً من التفاؤل والثقة بالنفس، وكذلك الذين يجدون من يدعمهم ولا يتخلى عنهم.
وتبدأ الأعراض بكثرة الوساوس والتعبيرات غير المعقولة، التي تصدر عن المصاب، كما أنه يعبر دون قصد عن أنه فاقد لذاته بشكل كلي، كأن يقول بأنه ميت أو وجوده بلا قيمة ولا معنى له، كأنه يسبح في بحر من الظلمات.

حالة إنكار

ويمتد تفكير المصاب بمتلازمة كوتار إلى العالم المحيط، فينكر كل قيمة يتشبث بها كل شخص عادي، ويحول كل الحقائق التي تحظى بتقدير الناس العاديين وعنايتهم، إلى نوع من الهزل والسخرية.
ويتبنى كذلك أسلوب الضياع الذاتي، فيهمل بقصد ودون قصد شؤون نفسه، فلا يهتم بنظافة أو طعام أو اتباع أي إلزام، وكأن رفضه للواقع لابد أن يترجم على هذا النحو الصارخ من إعلان العدمية والموت.
ويمكن لمريض متلازمة كوتار أن ينكر أحد أعضائه، ويراه كأنه غير موجود، مثل ذراعه أو قدمه أو رأسه، ويتعايش مع ذلك ويحاول إثباته لنفسه.

صدمات وأمراض

تدور أسباب الإصابة بمتلازمة كوتار حول مجموعة من العوامل، التي يمكن أن تؤدي إلى هذه الحالة؛ لأنه ليس هناك أي سبب يستطيع الباحثون أن يؤكدوا أنه العامل الرئيسي لهذه للحالة.
وأشارت بعض الأبحاث والدراسات إلى أن هناك أشخاصاً يتعرضون لظروف قاسية لأقصى درجة، إلا أنهم لا يصابون بمثل متلازمة كوتار، ولعل السبب يرجع إلى ما لديهم من وسائل داعمة للثبات الشخصي والنفسي تجاه الأزمات؛ ولذلك فإن الإصابة ربما ترجع إحساس الشخص بالدونية، والنقص الدائم والتضخيم من كل ما يتعرض له، فيرى أنه منبوذ أو مكروه أو أنه يعد حملاً ثقيلاً على الآخرين، خاصة الأشخاص الذين يفقدون أقرابهم أو الذين تعرضوا لجرائم لا رحمة فيها.
ويوجد جانب آخر يمكن التنبيه إلى أنه يؤثر في حالات متلازمة كوتار؛ وذلك في حال وجود خلل في الدماغ وخلايا المخ، كما في مرضى سرطان الدماغ؛ حيث إن مراكز الإدراك تكون مهترئة، لا تقوى معها على العمل، فيكون رد الفعل الطبيعي هو الهواجس والخيالات، والتناقض في فعل الشيء وضده، كما نرى من يبكون ويضحكون في آن واحد.

السن عامل مؤثر

تبين من خلال المتابعة لحالات الإصابة بمتلازمة كوتار أن السن يلعب دوراً فاعلاً في هذه الحالة؛ حيث يشعر الكثيرون في العقد الخامس وما بعده من أعمارهم أنهم أضاعوا الكثير، وكانت حياتهم خاطئة وتصرفاتهم غير محسوبة، كما أن المحيطين بهم دعموا لديهم الشعور بالتخلي والاستغناء.
وينصب تفكير الأشخاص الكبار على التأسف والتألم على ما مضى، وتتطور الحالة من الاكتئاب إلى الوساوس والتخيلات، ثم الشعور بالعدمية إلى نهاية الحالة، وهنا يتوقف الشفاء على درجة العلم بالحالة والرغبة الصادقة في علاجها.
وتتعرض الفئات العمرية الأخرى للإصابة بمتلازمة كوتار، إلا أن الأمر يرتبط بأمور صدامية، أو حالات عنيفة من الضغط العصبي والنفسي، مما يجعل الإصابة واردة.

فقدان السيطرة

تسلك حالة متلازمة كوتار أسلوباً متطوراً، يجعل المضاعفات محتملة في أي وقت، خاصة عندما يترك الشخص المصاب بها دون عناية، فمن الناحية الجسدية يؤدي الأمر إلى وجود مشاكل في العديد من أجهزة الجسم.
ويظهر الضعف العام؛ نتيجة سوء التغذية، وربما صار الشخص عرضة للإصابات الفيروسية والعدوى؛ نظراً لكونه يرتاد أماكن ربما تكون بيئة خصبة للأمراض المعدية، وكذلك يصاب بمشكلات في الجلد وغيره.
ويضاف إلى ذلك الانحراف السلوكي، والرغبة في إنهاء الحياة، أو ظهور عداء شديد تجاه المجتمع، مما ينذر بكارثة أن يكون الشخص عبئاً على المجتمع يجب الحذر منه، هذا إلى جانب خطورته على نفسه، مع العلم أن متلازمة كوتار ليست من النوع الذي ينتقل بالعدوى، إلا أن القرب منه يسبب مشاكل في نواح أخرى.

محاور متكاملة

تتم مرحلة العلاج في متلازمة كوتار على أكثر من محور، بحيث تتضافر وتتكامل كلها لإيصال الحالة إلى أفضل درجات الضبط الكلي للتصرفات والاتزان الكامل للنفس؛ لأن العامل النفسي ورغبة المريض وكذلك من حوله، تعد أمراً حيوياً ومهماً في شفائه وكذلك نجاح العلاج.
يبدأ الطبيب المعالج – والذي لابد أن يكون متخصصاً – في إعطاء المريض بعض الأدوية المهدئة، وكذلك مضادات الاكتئاب بجرعات مناسبة للحالة؛ وذلك لتنشيط الجانب الفسيولوجي، وهو ما يساعد الأعصاب في شعور الحالة بالتوازن، والرغبة في التفاعل مع الآخرين.
ويتبع ذلك إعطاء جرعات من التدخل الطبي؛ من خلال الصدمات الكهربائية والتي يكون الهدف منها أيضاً تنشيط خلايا المخ والأعصاب لسهولة التواصل، وليكون المصاب بمتلازمة كوتار رجلاً كان أو امرأة على استعداد للتعامل النفسي بعد ذلك.
متابعة وعلاج نفسي
يضاف إلى ذلك المتابعة الجيدة للحالة الصحية العامة للمريض، وضبط جرعات العلاج التي يتعاطاها، خاصة مرضى الصرع والسرطان، كما يكون الطبيب حريصاً على التأكد من حسن معاملة المصاب بمتلازمة كوتار؛ لأن ذلك يعد جزءاً من العلاج.
وتبدأ بعد ذلك مرحلة العلاج النفسي، الذي يتمثل في محاولة إخراج الحالة من المشكلة المسببة أو المحفز الأكبر لحدوث الحالة.
ويتم ذلك بالحوار من ناحية، وتغيير البيئة من ناحية أخرى، وكذلك الابتعاد عن الجو المشحون بالذكريات المؤلمة، وغيرها من الأساليب التي يتبعها عادة الأطباء النفسيون في معالجة هذه الحالات.

تشبع وفقدان الرغبة

أكدت دراسة حديثة أجريت حول متلازمة كوتار، أن البيئات الغنية تكثر فيها حالات الإصابة بهذه المشكلة، حيث تصل إلى ما يتراوح بين 60% إلى 70% من حالات الإصابة حول العالم.
ويمكن تفسير ارتفاع نسبة الإصابة إلى انتشار التشبع من الحياة، وبالتالي تشيع الجريمة بشكل أكبر، بسبب القدرة المادية على تحقيق الرغبات.
وتقل الإصابة بهذه المتلازمة في الأعمار الصغيرة، من 8 سنوات إلى 15 سنة، وذلك لأن الإدراك الفكري لدى الأطفال والشباب لم يكتمل بعد في سن صغيرة، للدرجة التي توصلهم إلى اليأس من الحياة.
وأشارت الدراسة أيضاً إلى أن النساء أكثر تعرضاً للإصابة بهذه الحالة، نظراً لشدة تأثرهن بالأحداث، مع حاجتهن الشديدة للرعاية والاهتمام، وبالذات اللواتي يتعرضن للفشل في حياتهن خلال العلاقات الزوجية، أو علاقات الحب أو في العلاقة بينهن وبين الأبناء.
وأوصت بعض الدراسات بعمل استقصاء حول المصابين، والعمل على مساعدة ذويهم في العلاج، حتى تتم حماية المجتمع من حدوث أزمات خاصة بالسلوك الانحرافي تجاه الجريمة، وكذلك للسيطرة عليهم من الهلاوس والوساوس، التي تجعلهم يعادون أنفسهم والمجتمع من حولهم.