اضطراب التحويل ..مرض نفسي يؤدي للشلل

مقالات

يعتبر اضطراب التحويل أحد الأمراض النفسية العصبية، وبحسب تعريف الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية، فإنه يتصف بواحد أو أكثر من الأعراض التي تؤثر في وظائف الحركة الإرادية، أو وظائف الجسم الحسية.
ويسمى هذا المرض أيضاً بالهستيريا التحويلية، وذلك لأن الانفعالات المزمنة فيه تتحول إلى أعراض عضوية، وتظهر في شكل اضطرابات عصبية دون وجود سبب عضوي، وتؤثر في الإحساس والحركة.
ترتبط أعراض هذا الاضطراب بالعوامل النفسية، حيث تسبق الأعراض صراعات وضغوط يعانيها المريض، وبالتالي فإنها لا تنتج بصورة مقصودة، أو أن المريض يتظاهر بها، كما أنها تحدث بشكل مفاجئ.
ونتناول في هذا الموضوع مرض اضطراب التحويل بكل تفاصيله، مع بيان العوامل والأسباب التي تؤدي إلى الإصابة به، وكذلك أعراضه التي تظهر، مع تقديم طرق الوقاية الممكنة وأساليب العلاج المتبعة والحديثة.

نسب الانتشار

تشير الإحصاءات إلى أن الإصابة باضطراب التحويل تنتشر بين المراهقين، وتعتبر المرحلة العمرية ما بين 15 إلى 20 سنة هي الأكبر إصابة، مع إمكانية رصد بعض الحالات في سن صغيرة، وتم تشخيص بعض منها في سن دون الخامسة، وتقل الإصابة بهذه الأعراض بعد عمر 44 عاماً، وذلك لأن الشخصية يكتمل نضجها.
وتعتبر النساء أكثر عرضة للإصابة بهذا الاضطراب من الرجال، وذلك بسبب الحساسية الزائدة والمشاعر المرهفة.
وتبلغ نسبة المترددين على عيادات الطب النفسي من المصابين بهذا الاضطراب حوالي 14% من إجمالي المرضى.

أربع نظريات

يعترف العلماء والباحثون في مجال الأمراض النفسية بأن السبب الحقيقي وراء الإصابة باضطراب التحويل لا يزال مجهولاً، غير أن هناك محاولات جادة لتفسير الإصابة به من خلال عدد من النظريات. وترى النظرية الأولى، وهي النظرية النفسية، أن اضطراب التحويل ليس سوى تعبير عن وقوع المصاب في صراع نفسي، وهو ما يؤدي إلى ظهور أعراض جسدية، من أجل حفظ الصراع والتقليل من القلق.
وتشير النظرية البيولوجية إلى أن هناك ما يدل على أن الأعراض التي يعانيها المصاب باضطراب التحويل تترسب في قشرة الدماغ، وذلك بسبب الإثارة الزائدة عن الحد، وهو ما يؤدي إلى إعاقة اقتران الكروموسومات الصبغية في مسارات الحركة الجسدية.
ويمكن أن يتعلم الطفل فوائد القيام بدور المريض، وذلك بحسب نظرية التعلم، حيث يجد الجميع ملتفاً حوله، وكل طلباته تجاب، وبالتالي فهو يتردد في التخلي عن هذه الأعراض، ومن الممكن أن تتطور بشكل متصاعد.
وترى النظرية الثقافية والاجتماعية أن العوامل الثقافية لها دور مهم في انتشار اضطراب التحويل، وذلك نتيجة التفسير الخاطئ للأمراض النفسية.

فقدان الوظائف الحركية

يعاني المصاب باضطراب التحويل عدداً من الأعراض، والتي تشمل أعراضاً حركية وأخرى حسية، وذلك بحسب الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية، حيث يصاب بفقد لاإرادي للوظائف الحسية أو الحركية، وذلك بشكل جزئي أو كلي، مع غياب أي سبب عضوي لهذا الفقد.
ويجب الانتبــــاه إلى أن أعراض اضطراب التحويل لا يمكن تفســــيرها على أنها حــــالة طبية، أو بسبب تناول أحد الأدوية، وتتصف هذه الأعراض فــــــــي الغالب بأنها تظهـــــر في لاوعي المريض، بحيث يجني من ورائها بعض الفوائد.
ويمكن أن تكون خيالية أو حقيقية حتى يهرب بواسطتها من الصعوبات والصراع النفسي الذي يعانيه، وكذلك القلق أو أي موقف مؤلم تعرض له، ودون إدراك الدافع وراء ذلك، ويعتبر هذا الأمر علامة فارقة بين المصاب بهذا الاضطراب والشخص المتمارض.

حركي وحسي

تكون الأعراض ذات طبيعة لاإرادية، وهو ما يعني أن المصاب لا يختار جزءاً معيناً من جسده حتى يصاب بالأعراض، وكذلك شكل التحويل أو فترة الإصابة.
وتتسبب أعراض هذا الاضطراب في إعاقة وعجز المصاب عن أن يقوم بوظائفه الاجتماعية العادية، وهو الأمر الذي يتطلب تقييماً طبياً للحالة.
وتشمل الأعراض الحركية التي يعانيها المصاب باضطراب التحويل عدم التوازن، وشلل أحد الأطراف، وربما يصيب الشلل الجسم كله، كما يمكن أن يعاني خرساً كاملاً أو جزئياً.
ويلقى المصاب باضطراب التحويل صعوبة في البلع، كما أنه يفقد التحكم في البول، ويصاب بتشنجات لاصرعية، واختلاجات عضلية، ويعاني مشاكل في المشي، ومن الممكن أن تشمل الأعراض الإصابة بالإغماء.
وتشمل العلامات الحسية تأثيرات في الإبصار، والتي تبدأ بضعف الإبصار وازدواج الرؤية وتنتهي بالعمى، ويتأثر السمع فيصاب بالضعف أو الصمم، ويفقد المصاب بهذا الاضطراب الإحساس بالألم، أو على الأقل يصاب باضطراب في اللمس، كما يمكن أن يعاني فقدان الذاكرة.

الموقف من الأعراض

يحتاج المصاب باضطراب التحويل إلى تشخيص دقيق من قبل عدد من المتخصصين، وذلك بهدف تحديد نوع الإصابة التي يعانيها.
ويشمل التشخيص محورين، الأول الإيجابي، وهو ما يرصد أعراض اضطراب التحويل، والثاني المحور السلبي، وهو ما يسجل غياب أي مرض عضوي يعانيه المصاب.
ويحاول الطبيب في المقابلة السريرية معرفة الصراعات والضغوط النفسية التي يعانيها المريض في المنزل والعمل، وكذلك الأمراض النفسية في العائلة. ويتعرف إلى موقف المصاب من الأعراض التي يعانيها، وذلك من خلال وصفه لها، ويكون الوصف إما بشكل درامي، أو بحالة من اللامبالاة.

المحور السلبي

يهتم الطبيب في المحور السلبي بإجراء عدد من الفحوص الشاملة، وذلك من أجل نفي الإصابة بأي مرض عضوي، والذي تكون له مواصفات عضوية محددة من الناحية التشريحية، كما أن هناك تغيرات برسم المخ.
وتختلف شدة الأعراض من وقت لآخر، كما أنه لا يوجد ارتباط بينها وبين الجانب التشريحي للأعصاب الحركية والحسية.
ويجب الانتباه إلى أن هناك أمراضاً عضوية لا يكون لها أعراض ملموسة في مراحلها الأولى، كأورام المخ وتصلب الشرايين والتصلب المنتشر، والأخير يعاني المصاب به ضعفاً واختلال الحواس، وبعض الاضطرابات الحسية ولكن لفترات صغيرة، ولذلك فإن استشارة طبيب الأعصاب تكون مهمة.

خطوتان مهمتان

يبدأ علاج اضطراب التحويل بخطوتين مهمتين، الأولى تسجيل تاريخ المرض بالترتيب الزمني لظهور الأعراض، والهدف من ذلك معرفة الصراع العقلي وراء هذا الاضطراب.
وتأتي الخطوة الثانية وهي الفحص الإكلينيكي، والذي يتم من خلاله استبعاد أي سبب عضوي وراء الأعراض التي يعانيها المصاب.
ويعتمد الطبيب المختص على العلاج الإدراكي السلوكي، حيث يساعد في فهم شخصية المريض، وما هي الدوافع غير الشعورية وراء هذه الأعراض، كما أنه يبصر المصاب ويساعده على أن يستعيد ثقته بنفسه، ويتكيف مع الظروف التي تحيط به.

تغيير الظروف

يجب العمل على تغيير الظروف التي تحيط بالمريض، والتي سبقت الإصابة بهذا الاضطراب، مع أهمية توعية الأسرة والأصدقاء وزملاء العمل بطبيعة هذا المرض.
ويمكن الاستفادة بالبرامج السلوكية من أجل تعديل البيئة المحيطة بالمريض، وكذلك سلوك أفراد الأسرة، ورفع أسباب القلق والتوتر عنهم، مع إكساب المريض للمهارات الاجتماعية اللازمة، والتأكيد على احترام ذاته والتمتع بحرية انفعاله. ويمكن اللجوء إلى العلاج الدوائي، وذلك في حالة وجود أمراض مصاحبة لاضطراب التحويل، مثل القلق والاكتئاب، وذلك فترة زمنية بسيطة، قبل الدخول في برامج العلاج النفسي.

التنويم المغناطيسي

يمكن كذلك استخدام العلاج بالتنبيه الكهربائي، أو التنويم المغناطيسي، والذي يلعب دوراً مهماً في علاج هذا الاضطراب، مع إقناع المريض بتأثير الضغوط على وظائف الجسم، وربما لجأ الطبيب إلى التحليل التخديري، وهو يماثل التنويم المغناطيسي، غير أن المريض يتناول عقاراً مهدئاً يجعله في حالة نعاس.
يفضل في بعض الحالات أن يبتعد المصاب عن المحيط الذي يعيش فيه، كالمنزل أو مكان العمل، وذلك لفترة بسيطة، مع ملاحظة أن فرط الاهتمام والتعاطف ربما كان سبباً في تكرار نوبات الاضطراب.
وتوجد كثير من الحالات تشفى بشكل تلقائي، بعد استبعاد أي أمراض عضوية، وذلك من خلال طمأنة الطبيب للمصاب أنه لا توجد أي أمراض خطيرة وراء هذه الأعراض.
وتعتبر النشاطات التي تقلل من الضغط النفسي أحد الأساليب التي تقي من الإصابة باضطراب التحويل، كما أن علاج أي مرض نفسي يعانيه الشخص يدخل ضمن إطار الوقاية.

نصائح مفيدة

ينـــصح الأطباء المـــــصابين باضطــــــــراب التحـــــويل بمحـــــاولة الـــقراءة عن طبـــــيعة هذا الاضطراب، من خلال المـــــواقع المـــوثوقة التي يشرف عليها أطباء نفسيون مؤهلون.
وينبغي عدم الاستسلام إلى أي إجراءات تدخلية، مثل العمليات الجراحية، إلا في حالة توافر طبيب ذي كفاءة، مع ضرورة استشارة أكثر من طبيب متخصص قبل اللجوء إلى هذا الإجراء.
ويجب على المحيطين بمن يصاب باضطراب التحويل تقديم العطف له والاهتمام، ولكن يجب أن يكون بشكل معتدل خاصة وقت ظهور الأعراض.
ويؤدي الاهتمام بشكل زائد إلى تعزيز العامل النفسي، وبالتالي زيادة حدة الأعراض وتأخير الشفاء، ولذلك يجب عدم الاستسلام لشكوى المريض، ومحاولة تشجيعه على الخروج من هذه الحالة.
وينبغي تجنب لوم المريض أو محاولة إشعاره بأنه السبب فيما أصابه، أو أنه يتمارض ويدعي وجود مشكلة صحية، وكذلك عدم التشكيك في قدرات الطبيب المعالج له، أو الادعاء بأن هناك مرضاً عضوياً وراء ما يعاني منه من أعراض.