خلل التوتر العضلي..مرض وراثي

مقالات

إعداد: محمد هاني عطوي

يطلق مصطلح خلل التوتر العضلي (الديستونيا)، على مجموعة من الأمراض تتمثل مظاهرها الجسدية في انقباضات متكررة لا إرادية لعضلات جزء، أو أكثر من أجزاء الجسم، وغالباً ما تؤدي إلى التواء، أو تشويه في ذلك الجزء من الجسم. هذا الاضطراب يكون عادة ثانوياً بسبب خلل ما في الجهاز العصبي المركزي، أو في منطقة العقد الرمادية المركزية. وفي حالة خلل التوتر الأولي غير المعقد، لا يحدث أي تغيير في الوعي، أو الإحساس، أو الوظيفة الفكرية.
تصاحب خلل التوتر العضلي اهتزازات، تذكّرنا في بعض الأحيان بالهزات التي تظهر عادةً عند كبار السن، أو الهزات القصيرة وغير المنتظمة. وهناك عدة تصنيفات لخلل التوتر العضلي، حسب الجزء المصاب من الجسم. وربما يرجع الأمر لسبب غير معروف جراء التعرض لجرح ما، أو نتيجة لملامسة السموم، أو لوجود أمراض أخرى في الجهاز العصبي المركزي.

التصنيف العملي

في الوقت الراهن ثمة تصنيف لخلل التوتر العضلي يوصف بالعملي، تبعاً للأمور التالية:
– خلل التوتر الناتج عن التواء، أو كما يسمى بخلل التوتر المعمم.
وعادةً ما يبدأ هذا النوع في جزء معين من الجسم، كالقدم، أو الساق. فبعد المشي، أو أي شكل آخر من أشكال التمرينات، يلاحظ حدوث انقلاب في القدم لدى الشخص المصاب، أي أنه يمشي على الحافة الخارجية لقدمه. ويبدأ خلل التوتر العضلي المعمم عادة أثناء الطفولة. ويمتد في كثير من الأحيان إلى أجزاء أخرى من الجسم، بما في ذلك الظهر، والرقبة، أو الذراع. وهو مرض وراثي الانتقال من النوع الصبغي المهيمن، وقد يكون في بعض الأحيان من النوع غير المنتظم.
– أنواع أخرى لخلل التوتر العضلي ذات طبيعة وراثية
يرتبط خلل التوتر العضلي أحياناً بالدوبا (ثُنائي هيدروكسي فينيل ألانين) ويسمى بـ(ديستونيا سيجاوا) نسبة إلى الدكتور ماسايا سيجاوا في اليابان الذي اكتشف الجين أول مرة في العام 1994. وعادة ما يتطور هذا النوع عند الأطفال، أو الشباب، وغالباً ما يكون مصحوباً بخشونة معينة، وكذلك بفهم خاطئ يذكّرنا بمرض باركنسون. والعلاج بالدوبا يمكن أن يخفف الأعراض بالكامل تقريباً. وهذا التأثير المفيد للعامل يستمر إلى أجل غير مسمى. ولوحظ شكل من (ديستونيا – باركنسون) المرتبط بالجين (x) عند الرجال في الفلبين. ويشمل بعض ملامح مرض باركنسون، ويميل إلى التفاقم ويؤدي في النهاية إلى إعاقة شديدة.

خلل التوتر الثانوي

في هذا النوع من (الديستونيا)، يكون الخلل ثانوياً، ويرتبط بضرر، أو بتشكل ندوب في مناطق صغيرة من الدماغ. وقد تكون هذه الاضطرابات ناتجة عن نقص في إمدادات الأوكسجين قبل، أو أثناء الولادة، أو بعدها بفترة قصيرة (كالشلل الدماغي)، أو نتيجة لتلف في الدماغ، خاصة أثناء الطفولة، أو نتيجة لحوادث خفيفة تتعلق بالدماغ، وأوعيته. ويمكن أن تكون الديستونيا أيضاً ثانوية ومرتبطة بمرض التصلب المتعدد البسيط، أو نتيجة لالتهاب في الدماغ، أو نتيجة للعديد من الأمراض الأخرى التي تصيب الجهاز العصبي، بما في ذلك مرض ويلسون (انتكاس الكبد العدسي أي المتعلق بالكبد وبالنواة العدسية في الدماغ).

الديستونيا البؤرية

يتمثل أول أنواعها في تشنج الجفن أو الغمز اللاإرادي المستمر الذي يشير إلى وجود مشكلة ما في عضلات الجفون تتسبب بإغلاقها. ويمكن أن تصبح هذه التشنجات متكررة بدرجة كافية تمنع الشخص من الرؤية بشكل جيد، على الرغم من أن عينيه ورؤيته طبيعية. وقد تتأثر عضلات الوجه الأخرى أيضاً، ما يؤدي بالشخص إلى العبوس (التَكْشيرَة)، أو إلى تشوهات أخرى في الوجه.
وثمة نوع ثان يسمى بخلل التوتر العضلي العنقي (الصعر التشنجي، أو الرقبة الملتوية)، وهو يصيب عضلات الرقبة والكتفين. وتؤدي التشنجات العضلية إلى إجبار الرقبة على الانحناء لجانب واحد (الصعر)، أو إلى الأمام (القفل)، أو إلى الوراء (صَعَر خَلْفِيّ). وقد تنقبض الرقبة، أو تدور، أو تهتز، أو تتصلب في اتجاه واحد لفترة طويلة.
أما النوع الثالث فيسمى بخلل التوتر العضلي المفصلي، ويسمى أحيانًا بـ(متلازمة ميج)، وفيه تنقبض عضلات الوجه السفلية بشكل غير منتظم. وفي بعض الأحيان تبدي عضلات الفك التي تعمل على فتح، أو غلق الفم، حركات لا إرادية. وعادة ما ترتبط هذه المشكلة بتشنج الجفن.
ويسمى النوع الرابع بخلل النطق التشنجي، أو (خلل التوتر الحلقي)، وهو يصيب العضلات داخل الحنجرة. وفي حالة خلل النطق التشنجي للعضلات المقربة (العضلة المقربة هي عضلة تميل إلى الجمع بين عنصرين هيكليين)، تتقارب الحبال الصوتية معاً، خاصة عندما يحاول الشخص التحدث، وحينها يصبح الصوت أجش، ويبدو أحياناً كأن الشخص يهمس فقط. وفي بعض الأحيان يجد الشخص صعوبة في التنفس. هذه الحالة تكون عادة أقل تواتراً، حيث تبقى الحبال الصوتية مبتعدة عن بعضها بعضاً، ويصبح الصوت منخفضاً ولاهثاً. وفي بعض الأحيان لا يمكن للشخص التحدث على الإطلاق.
وثمة نوع يسمى بتشنج الكاتب، وهو خلل وظيفي في اليد، حيث تنقبض عضلات اليد والساعد عندما يريد الشخص الكتابة. ويمكن لليد أن تكون متشنجة جداً حول القلم، بحيث لا يمكن تحريكها. وبمجرد إزالة القلم من اليد يشعر الشخص بالراحة. وقد يحدث تشنج مشابه عند عازف الكمان عندما يستخدم القوس، أو عند عازف الفلوت الذي يحرك بعض أصابعه على طول الناي.
ويسمى آخر نوع من الديستونيا البؤرية بالتشنج النصفي، وهو ليس بالمعنى الدقيق للكلمة شكلاً من أشكال خلل التوتر العضلي. وفيه تتقلص العضلات على جانب واحد من الوجه بشكل غير منتظم. هذه المشكلة تكون في بعض الأحيان ثانوية جراء التهاب، أو تلف في العصب الوجهي.

أساس المشكلة

ولكن ماذا يحدث في حالة خلل التوتر العضلي؟
تنجم حركة التوتر، أو التواء العضلات في خلل التوتر العضلي عن اضطرابات وظيفية في الجهاز العصبي المركزي. ومن المحتمل أن تكون المنطقة الرئيسية هي المتأثرة في الدماغ، وهي تمثل مجموعة العقد القاعدية الرمادية، التي تتوافق مع العديد من الهياكل المرتبطة ببعضها بعضاً وسط الدماغ.
وعندما يكون خلل التوتر العضلي ثانوياً جراء بعض الآفات، أو الحوادث الدماغية الوعائية الخفيفة، فغالباً ما يدل على تلف في منطقة البَطامَة (بنية دائرية في قاعدة الدماغ الأمامي)، وهي إحدى الأنوية الرمادية المركزية، وكذلك في بعض الهياكل القريبة. ويمكن ملاحظة هذه التغييرات في منطقة البَطامَة باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي، والتصوير المقطعي، وعند الفحص المجهري للبَطامَة والهياكل ذات الصلة.
وعلى الرغم من أننا لا نستطيع ملاحظة التشوهات المجهرية للدماغ في الأغلبية العظمى من حالات خلل التوتر العضلي، بما في ذلك حالات خلل التوتر العضلي المعمم، إلا أن الدليل يكون واضحاً جداً في حالة خلل التوتر العضلي الثانوي، ما يجعلنا نعتقد أن الجزء نفسه من الدماغ مصاب في كل أنواع خلل التوتر العضلي. وبما أننا لا نلاحظ سوى تغيرات تشريحية ثانوية في هذه الأشكال من خلل التوتر العضلي، فيجب أن نستنتج أن هذا الاضطراب الوظيفي يعود لسبب كيميائي. وفي الوقت الراهن، لا يعرف العلماء بدقة الطبيعة المحددة لهذا الاضطراب الوظيفي الكيميائي.
وإذا كان الاضطراب الرئيسي، في معظم حالات خلل التوتر العضلي ذا طبيعة كيميائية، فإن ذلك سيكون له تداعيات كبيرة على العلاج. وثمة إمكانية في الواقع لاستبدال المواد الكيميائية الضعيفة، أو كبح بعض التبادلات الوسيطة الكيميائية بين الخلايا العصبية.

توقعات تطور المرض

لا يمكننا أن نتوقع على وجه اليقين تطور خلل التوتر العضلي. فإذا ما أصاب خلل التوتر العضلي العديد من أفراد الأسرة، أو إذا تطور خلال فترة الطفولة فيمكننا القول إنه سيزداد سوءاً بمرور الوقت. ولكن حتى في هذه الحالات، هناك استثناءات بحيث لا يبدو أن تطور المرض قد توقف فحسب، بل يحدث في الواقع انعكاس جزئي، أو كلي. وهذه الحالات تكون نادرة، لكنها بالتأكيد تجعلنا نشعر بالأمل. وإذا حدث هذا الاضطراب في مرحلة الطفولة، وكان ثانوياً نتيجة لشلل دماغي، أو غيره من الإصابات الدماغية التي تحدث قبيل مرحلة الولادة، فإن خلل التوتر العضلي يميل إلى البقاء ثابتاً لسنوات عدة. وإذا تطور خلل التوتر العضلي في مرحلة البلوغ، فغالباً ما يكون من النوع البؤري المحدود في جزء معين من الجسم.

مرض وراثي

في كثير من الحالات، يعتبر الطابع الوراثي لخلل التوتر واضحاً. وقد تم إحراز تقدم كبير في التعرف إلى خلل التوتر العضلي خلال السنوات العشر الأخيرة، إلى درجة أنه بات بالإمكان القول إنه يعود لاضطراب وراثي (اختراقي)، وإن انتقاله هو من النوع السائد مع تغلغل متغير.
وتعني كلمة سائد هنا أن كل طفل يحمل أحد والديه جيناً غير طبيعي لديه فرصة تبلغ 50% كي يرث هذا الجين. والشخص الذي يحمل الجين قد تظهر عليه علامات سريرية للمرض (اختراق)، أو قد لا تظهر عليه أية أعراض على الإطلاق. وتبلغ نسبة الاختراق لدى بعض الأسر نحو 30% في حين تصل لدى بعض الأسر الأخرى في بريطانيا مثلاً، إلى نحو 40%. وتشير دراسة إلى أن معدل الاختراق بلغ نحو 80% لدى بعض الأسر في ولاية نيويورك.
وثمة جانب آخر لخلل التوتر العضلي الوراثي، وهو أن شدته ربما تكون أكثر تقلباً داخل العائلة نفسها. فعلى سبيل المثال، قد تعاني الأم خلل توتر عضلي خفيف، في حين أن أحد أطفالها قد يكون مصاباً بخلل توتر حاد عام، بينما قد يكون آخر مصاباً بخلل التوتر العضلي الخفيف. ومن الممكن أيضاً لطفل آخر في العائلة نفسها أن يكون حاملًا للجين، على الرغم من أنه لا تظهر عليه أية أعراض، لكن يمكن أن ينقلها إلى أطفاله.

تشخيص المرض

يعتبر خلل التوتر العضلي مرضاً نادر الحدوث، ويتميز بحركات غير عادية، أو وضعيات غير طبيعية، يمكن أن تتأثر في البداية بالتوتر، أو بالانفعالات.
ولكن ماذا ينبغي على الطبيب أن يفعل عند تشخيصه لخلل التوتر العضلي؟
الواقع أنه إذا رأى الطبيب أن ثمة احتمالية لوجود حالة خلل التوتر العضلي، فإن أول ما يجب عليه فعله هو مراجعة شجرة العائلة بعناية، ومحاولة تحديد أفراد الأسرة الذين يعانون خلل التوتر العضلي البؤري، أو المعمم. وعليه أن يلاحظ حتى أدنى حالة من الصعر، أو أي شكل من أشكال الهزات. فهذه المعلومات مفيدة للفحوص الوراثية.
بعد ذلك، يلتفت الطبيب إلى نوع العلاج المناسب. وهنا يجب أن يكون طبيب الأعصاب المتمرس هو دليل الشخص الذي يعاني المرض. وهناك العديد من الأدوية المتاحة، منها ما هو فعال إلى حد ما، ومنها ما هو خفيف الفائدة، ومنها ما هو عديم الفائدة تماماً.
ومن الأفــــضل الاســـــتمرار في تجربة مختلف الأدوية المتاحة للوصول إلى أكثرها فائدة.

حقن توكسين البوتولينوم

بالنسبة إلى خلل التوتر العضلي البؤري، بما فيها تشنج الجفن، ومتلازمة ميج، خاصة خلل التوتر العنقي، وخلل النطق التشنجي، تعد حقن توكسين البوتولينوم علاجاً مفيداً للغاية، خاصة إذا كان خلل التوتر العضلي يخص مجموعة محدودة من العضلات.
ويتم إنتاج توكسين البوتولينوم بواسطة نوع من البكتيريا، ويبدو أن فعالية التوكسين ترجع لضعف العضلات بدرجة تكفي لتقليل التشنج، ولكن ليس إلى حد الشلل. ويظهر تأثير هذا العامل عن طريق كبح الانتقال عند مستوى الرابط العصبي العضلي. ويجب تكرار العلاجات بشكل عام كل 3 إلى 4 أشهر.

التدخلات الجراحية

يمكن اللجوء إلى التدخل الجراحي عندما لا يستجيب الشخص للعلاجات الأخرى، بما في ذلك حقن توكسين البوتولينوم والعديد من الأدوية. ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من أن الجراحة قد توفر بعض الراحة، فقد تختفي آثارها أيضاً بمرور الوقت.
ويهدف التدخل الجراحي إلى قطع الطريق على المسارات المسؤولة عن الحركات غير الطبيعية للرقبة على مستويات مختلفة من الجهاز العصبي. فبعض التدخلات تدمر عمداً مناطق محدودة من المهاد، والشاحبة (بضع الكُرَةِ الشَّاحِبَة‎)، أو مراكز عميقة أخرى في الدماغ.
وتتمثل الأساليب الجراحية الأخرى في إحداث شق واحد أو أكثر في العضلات المتقلصة للرقبة (استئصال العضلات)، وقطع الأعصاب المؤدية إلى جذور الأعصاب العميقة في الرقبة، بالقرب من النخاع الشوكي (بضع الجذع الُعنُقِيّ الأمامي)، واستئصال الأعصاب عند نقطة دخولها إلى عضلات المتقلصة (تثبيط محيطي انتقائي).
وهناك عدة عوامل يمكن أن تؤثر في نجاح العملية. فكل مريض يمثل حالة خاصة ويمكن أن تختلف العضلات المتأثرة من مريض لآخر. ولهذا السبب فإن تقييم ما قبل الجراحة مهم. بالإضافة إلى ذلك، لا يجب اللجوء إلى التدخل الجراحي إلا إذا كان من الممكن إجراؤه بواسطة جراح أعصاب خبير.