«متلازمة استوكهولم»..تعاطف مرضي مع الجاني

مقالات

تعد ظاهرة «متلازمة استوكهولم» إحدى الظواهر النفسية، التي تتسم بقدر كبير من الغرابة، وتحدث عندما يتعاطف المجني عليه أو الضحية مع الجاني أو المختطف.
ويسمي علماء النفس هذه الظاهرة أيضاً برابطة الأسر أو الخطف، ويلاحظ أن الضحايا يشعرون بالتعاطف أو التعاون مع من قام باختطافهم أو اضطهادهم، ويكنون له الكثير من المشاعر الإيجابية، ويمكن أن يصل الأمر في بعض الأحيان إلى حد الدفاع عنه، أو الارتباط به بدرجة كبيرة.
تحدث هذه الظاهرة في أي علاقة تتعرض دائماً للعنف، وهو ما يجعل المجني عليه يعتنق أفكار وسلوكات الجاني، ويحدث هذا الأمر بكثرة في العلاقات العاطفية، والتي يوجد فيها تعنيف لأحد الطرفين، وسواء أكان هذا العنف لفظياً أو جسدياً.
وتحدث أيضاً عندما يكون المجني عليه في موقف لا يملك فيه القدرة على التحكم بمصيره، ويشعر بخوف شديد من الإيذاء الجسدي، وبالتالي يفكر بطريقة ربما تتطور لاستجابة نفسية تتضمن التعاطف والمساندة مع الجاني.
ويمكن أن يصل حد تضامن الضحية مع الجاني أن يبرر له تصرفاته، ولا يعدّها تمثل أي تهديد أو تخويف، ونتناول في هذا الموضوع «متلازمة استوكهولم» بالتفاصيل، مع كشف العوامل والأسباب التي تؤدي إليها، وكذلك بيان الأعراض، وطرق الوقاية والعلاج لهذه المشكلة.

أصل التسمية

يرجع سبب تسمية هذه الظاهرة بـ«متلازمة استوكهولم» إلى حادث سرقة وقع في هذه المدينة عام 1973؛ حيث قام عدد من المسلحين باقتحام بنك لسرقته، وأثناء العملية قاموا باحتجاز عدد من العاملين والعملاء؛ وذلك لمدة 6 أيام.
وبدأ الرهائن يدافعون عن تصرفات اللصوص؛ بسبب ما كان يشعرون به من ضغط خلال فترة الاحتجاز؛ بل إنهم ألقوا باللوم على الجهود التي بذلت من أجل إنقاذهم.
ووصل الأمر بالرهائن عقب مرور عدة أشهر على انتهاء الأزمة إلى رفض الشهادة ضد الخاطفين؛ بل إنهم جمعوا لهم الأموال اللازمة؛ للدفاع القانوني عنهم.

آلية دفاع نفسية

قام علماء النفس بسبب هذا التصرف الغريب، بدراسة هذه الحالة بصورة دقيقة، ومتابعة القضية من ناحية سيكولوجية صرفة.
ووجدوا أن الضحية عندما يكون تحت ضغط نفسي هائل، فإنه يختلق بشكل لاإرادي آلية نفسية يدافع بها عن نفسه؛ وذلك بالاطمئنان إلى الجاني.
ويوهم الضحية نفسه أن التعاطف مع الجاني يوفر له النجاة والأمان، وهو الأمر الذي يجعله يتطلع إلى أقل لفتة إنسانية من الخاطف أو الجاني بشوق شديد. وتجعل شدة الصدمة، الضحية ينسى أصل الجريمة، ولا يتذكر إلا حسن معاملة الخاطف أو الجاني أثناء الاحتجاز، أو اللحظة التي قرر عدم قتله.

حوادث تاريخية

تصيب «متلازمة استوكهولم» حوالي 8% من ضحايا الاختطاف، وتعد هذه الظاهرة منتشرة، حتى أن التاريخ سجل عدداً من الحوادث الشهيرة، ومن هذه الحوادث وجد عدد من اليهود في عهد ألمانيا النازية كانوا يتعاطفون مع ما تفعله الإدارة النازية.
كما وقعت حادثة اخــــتطاف لفتاة عام 1933، والتي استمرت 34 ساعة؛ حيث اخـــتطفها 4 أشـــــخاص؛ بهــــــــدف إجـــــبار أســــرتها على دفــــع فدية، وأثناء هذه الفترة تعـــــرفت الضحية إلى الخاطفين، وتوطدت علاقة صداقة، حتى أنها أصيبت بالاكتئاب الشديد؛ عقب الحكم عليهم بالسجن، وانتحرت بعد الحادث بـ7 سنوات تقريباً.
وجرت وقائع حادثة اختطاف أخرى في عام 1974 لشابة من أسرة ثرية؛ وذلك بهدف الحصول على فدية، وظلت الضحية لشهرين رهن الاحتجاز؛ حيث اعتدى عليها المختطف، وعلى الرغم من ذلك تعاطفت معه، حتى أنها شاركت معه في عملية سرقة.

أغرب الوقائع

تعد من أغرب الوقائع تلك التي جرت في عام 1993؛ حيث اختطفت طفلة لمدة 18 عاماً من قبل زوجين، وكان عمرها 11 عاماً، وظلت محتجزة في خيمة في حديقة المختطفين، وعندما تم إلقاء القبض على الجناة أنكرت هذه الفتاة أن هناك جريمة بحقها، وأكدت أن ما حدث ليس اعتداء؛ بل إنها وصفت الجاني بأنه شخص عظيم.
واختطفت فتاة أخرى عمرها 14 سنة في عام 2002، وتزوج المختطف بها غصباً، وظلت لديه 9 شهور؛ حيث كان ينتقل بها كثيراً، ويعاقبها أحياناً؛ من خلال ربطها في شجرة بالغابة وتجويعها، واعترفت إليزابيث عقب اكتشاف الأمر أنها لم ترد أن تهرب؛ وذلك بالرغم من أن الفرصة أتيحت لها مرات عدة.

الشروط الأربعة

يشير علماء النفس إلى أن هناك 4 شروط، أو مواقف يجب أن تتوافر كأساس للإصابة بـ«متلازمة استوكهولم»، والتي يمكن أن تحدث في عمليات الإساءة الشديدة، أو الاختطاف، أو العلاقات الاستغلالية.
وتشمل هذه المواقف توافر تهديد لسلامة المجني عليه البدنية أو النفسية أو العائلية، ويكون المجني عليه على يقين أن الجاني يمكن أن ينفذ تهديده.
ويتوافر مع هذا الأمر وجود قليل من التعاطف من الجاني تجاه الضحية، أو بتعبير آخر تضخيم التصرفات اللطيفة للجاني.
ويكون أمر الإساءة بمعزل عن جميع الأطراف، التي يمكن أن تساعد الضحية أو تدعمه، وعلى سبيل المثال الأهل أو الأصدقاء.
ويعد أكثر الأشخاص الذين يتعرضون للإصابة بهذه المتلازمة هم الأطفال الذين يعانون سوء المعاملة، وضحايا الاختطاف وأسرى الحرب، وكذلك بعض حالات الزواج التي توصف بالعنف.
ويتصرف المجني عليه؛ نتيجة الظروف التي وقع فيها، أو يحياها إلى أن يتصرف بشكل يدعم الجاني أو المضطهد؛ وذلك كنوع من التكتيك للنجاة.
وتفسر إحدى الفرضيات هذا السلوك بأن الضحية يؤمن أن تصرفات المعتدي وأفكاره يجعله لا يعدّ ما يحياه يمثل تهديداً أو تخويفاً.

آلية الإصابة

يمكــــن أن نفــــــــهم العــــلاقــــــات العاطفية مــــن خلال تفسير العلاقة بين الخـــاطــــف والـــرهائن، فعندما يســــــمح الخاطــــــف للرهائن باســـتخدام الحمام أو إحضار طعام أو حتى عدم قتلهـــم أو تعذيبهم؛ حيث تعد هذه التصـــرفات من بعض الضحايا مؤشـــــراً إيجـــــابياً، ولفتة تعاطف من الخاطف.
وتكفي تلك التصرفات من قبل الجاني عند بعض الضحايا، لتنشأ بينه وبين الضحايا ما يشبه بالتعلق العطفي، ويمكن أن يشعر الضحية في العلاقات العاطفية المسيئة أن الجاني ليس شخصاً سيئاً، عند قيامه بتقديم الهدايا خلال أعياد الميلاد أو المناسبات أو بعض الكلمات اللطيفة، وعلى العكس فهو شخص رائع.
ويتعاطف الضحية مع الجاني عندما يلجأ إلى بعض الحيل العاطفية الأقوى، كسرد أحداث مأساوية عن ماضيه، أو جروح عاطفية كان الأهل أو الأصدقاء سبباً فيها، أو حتى تعرضه لمواقف ابتزاز عاطفي.
ويحاول المجني عليه مساعدة الجاني أو حتى إصلاحه، ومعالجته نفسياً، مع استمرار نفس التصرفات المسيئة والاستغلالية.

مشاعر إيجابية وسلبية

يختلف الباحثون والخبراء حول أبرز الأعراض أو السلوكات التي تظهر على المصاب بـ«متلازمة استوكهولم»، أوالتي يتميز بها.
وتشمل هذه الأعراض، شعور الضحية بمشاعر إيجابية نحو الجاني أو الشخص المتحكم؛ وذلك في نفس الوقت الذي تكون مشاعره سلبية ناحية من يحاولون دعمه أو تحريره من قيود الشخص المسيء، سواء كانوا من الأسرة أو الأصدقاء.
ويدعم الضحية المصاب بالمتلازمة أسباب وسلوكات الشخص المسيء، وفي الغالب فإن الضحية المصاب بـ«متلازمة استوكهولم» يساعد الجاني ويسانده، كما أنه لا يملك أي مقدرة على تحرير نفسه، أو التصدي للجاني حتى لو كان بمجرد التفكير.

الإنكار والإعجاب

تصاب الضحية عقب انتهاء معاناتها بحيلة نفسية لاشعورية تدعى الإنكار، وهي حالة تنكر فيها الضحية الموقف ككل.
ويعد المجني عليه ما حدث له مجرد كابوس، ويلي ذلك حيلة أخرى وهي الإعجاب بالجاني، ويبدأ عندها المجني عليه في محاولة تقليد ومحاكاة تصرفات الجاني.
كما أن المجني عليه رفض أي انتقاد يوجه إليه من قبل الآخرين، ويعود ذلك إلى أن الإنكار والإعجاب يتزامن مع الشعور بالقوة اللامحدودة.
وتتضافر كل هذه العناصر مما يجعل الضحية تتعلق بالجلاد أكثر وأكثر، ويحدث تغير في سلوك الضحية في مرحلة تالية؛ حيث يمكن أن تستغرق في العمل، أو القراءة بصورة مبالغ فيها، أو في التأمل، أو تلجأ للهروب بالنوم ساعات طويلة.

إعادة صياغة

تتطلب «متلازمة استوكهولم» تدخلاً سريعاً من الأطباء النفسيين؛ وذلك لأن مريض بهذه المتلازمة يحتاج إلى جهد كبير للغاية، وتعامل دقيق.
ويعتمد العلاج على جلسات العلاج السلوكي والعلاج الجمعي، والتي تستمر مدة طويلة من الزمن، وتهدف إلى تقديم المساعدة، وإخراج المريض من عزلته، وكذلك تعديل الفكرة لدى الضحية، وكتابة الذكرى بشكل مختلف.
ويحرص المعالج على إعادة صياغة معاني السلوك الأخلاقي، وكذلك مفهوم الخير والشر، وكل ذلك حتى يتم تغيير صورة الجاني أو المعتدي في ذهن الضحية من أنه شخص رائع إلى حقيقته، وهي أنه شخص معتد، وأنه وحش يعيش على قلة حيلة من أمامه.

قصة مثيرة للجدل

أصبح كثير من السويديين كلما مروا بجانب مبنى البنك السويدي في ساحة نورمالم ستورج ينظرون إليه بشيء من الاعتزاز، الذي يتجاوز واقعة الاختطاف وذكرياتها المرة، إلى أن وصل إلى علامة على الإطلالة البيضاء والمساهمة الفاعلة في خدمة العلوم الإنسانية.
وصارت متلازمة استوكهولم قصة مثيرة للجدل في الإعلام، أكثر من كونها عارضاً نفسياً يخضع لأهل الاختصاص. ويربط كثير من السياسيين والمحللين بين الحنين إلى الديكتاتورية ومتلازمة استوكهولم، في محاولة تفسير ما يتردد عن خضوع الشعوب عشرات السنين لحكم ديكتاتوري، أو إعادة الديكتاتورية إلى الحكم عندما تسنح الفرصة لهذه الشعوب في حرية الاختيار.
ويتم تعميم هذه الظاهرة النفسية على المجتمعات التي تقع رهينة الديكتاتوريات، ويفسر من خلالها تعاطف هذه الشعوب مع الأنظمة الديكتاتورية حتى بعد سقوطها.