الأخطاء الانكسارية..تهدد عيون الأطفال

مقالات

تحقيق: راندا جرجس

تبدأ عيون الصغار بالنمو والتطور التدريجي مباشرة بعد الولادة؛ حيث يقومان معاً بالعمل في التركيز وتتبع الحركة في عمر الشهرين، وخلال الستة أشهر يتطور نظر الطفل بما يكفي لرؤية التفاصيل والعمق والألوان، وعند إتمام عمر الثلاث سنوات يصل نظر العين إلى مرحلة البلوغ، وخلال هذه الفترة ربما يعانى الصغار الكثير من المشكلات التي تهدد العينين، ومنها انسداد القنوات الدمعية ويعتبر أهمها الأخطاء الانكسارية والتي تتمثل في الحوّل، الاستجماتيزم، ضعف وطول النظر، وغيرها من الآفات البصرية، وسنتعرف إليها في السطور القادمة.
تقول الدكتورة داراكشاندا خورام استشاري أمراض عيون الأطفال، إن مشكلات ضعف البصر عند الأطفال شائعة؛ حيث يحتاج 5% من الصغار الذين في عمر خمس سنوات إلى نظارات طبية، لكنهم غالباً لا يتم تشخيصهم في سن مبكرة لأن الأطفال بصورة عامة لا يدركون وجود ضعف في إحدى أو كلتا العينين إلا ما ندر، وفي بعض الأحيان يتم تشخيص المشاكل السلوكية كالتوحد أو تدهور المستوى الدراسي إلى أسباب سلوكية بدون فحص شامل لعين الطفل، ومن العلامات غير المباشرة على وجود مشاكل في نظر الأطفال، هي الجلوس قرب التلفزيون، القراءة بصورة قريبة جداً من الأجهزة اللوحية أو الكتاب، الإصابة بحول العيون، رمش الأجفان، الصداع، ميلان الرأس، العصبية وسرعة الانفعال، الركض نحو الأثاث والجدران، وكثرة الحوادث اليومية، وكذلك عدم مجاراة زملائه في التحصيل الدراسي والألعاب الرياضية، ويمكن تقسيم مشاكل ضعف البصر عند الأطفال إلى مجموعتين، وهما:
– الأمراض الناتجة عن الأخطاء الانكسارية؛ حيث لا يتركز الضوء الداخل إلى العين في قاعها و الحول، وهاتين الحالتين تشمل أكثر من 90% من حالات ضعف البصر عند الأطفال والتي يكمن معالجتها في الطفولة.
-أما المجموعة الثانية، فتشمل أمراض العين غير الشائعة مثل الساد أو الماء الأبيض الوراثي والماء الأسود و الأورام.

أخطاء انكسارية

تذكر د. داراكشاندا، أن الأخطاء الانكسارية تظهر في حوالي 20% من الأطفال، بسبب الألعاب الإلكترونية، واستخدام الكمبيوتر في الدراسة واللهو وتستمر هذه النسبة في ازدياد مستمر، وتتعدد الأخطاء الانكسارية وهي قصر النظر؛ حيث باستطاعة الطفل النظر عن قرب، لكنه لديه مشاكل في النظر بعيداً، وأيضاً طول النظر؛ حيث لا يستطيع الطفل رؤية الأشياء القريبة وإيجاد صعوبة في القراءة والحساب، والحالة الثالثة هي الاستجماتزم أو القرنية المخروطية، وهي انحناء غير طبيعي في قرنية العين، ما يؤدي إلى انخفاض الرؤية، ويعد الحول من الأخطاء الانكسارية وهو انحراف محور في إحدى العينين إلى الداخل أو الخارج، ما يؤدي إلى كسل أو دغش في إحدى العينين، ويعتبر الحول طبيعياً في أول أربعة أشهر من عمر الطفل، لكنه غير طبيعي بعد هذا العمر؛ حيث يحتاج الطفل إلى فحص عين شامل.

فحوص مهمة

تؤكد د. داراكشاندا، أن الصغار في جميع الأحوال يحتاجون إلى فحص مع الطبيب الاختصاصي ومقوّمة البصر في فترة مبكرة من عمرهم، وخاصة في السبع السنوات الأولى، لعلاج الخطأ الانكساري أو الحول والوقاية من كسل العين، والجدير بالذكر أن هناك علاجات عدة متوفرة في الوقت الحاضر، مثل النظارات الطبية، لاصقات العين أو قطرات العين وأخيراً العمليات الجراحية للحول، ويعتبر الهدف من استخدامهما طمس أو إعاقة الرؤية في العين الأقوى، وبالتالي تحفيز خلايا الدماغ المسؤولة على استلام الإشارات الضوئية من العين الأضعف على النمو، ويستمر العلاج عند الأطفال حتى تصبح الرؤية سليمة أو حين تصبح العين الضعيفة أفضل، ويستغرق هذا الأمر شهوراً عدة لمعظم الحالات، ويجب الانتباه إلى أنه في الشهور الأولى من العلاج ربما يعاني الصغير ووالديه امتعاضاً وإحباطاً، لكن نسبة النجاح عالية لمستقبل أفضل للطفل من الناحية الأكاديمية والمهنية والاجتماعية.

أعراض الاستجماتزم

يشير الدكتور نمير كافل حسين استشاري طب عيون الأطفال، إلى أن الاستجماتزم اعتلال بصري، يحدث نتيجة انحناءات في سطح القرنية، التي تعرف بأنها الطبقة الخارجية الأمامية الشفافة للعين، وتتكون على شكل قبة، مثل كرة القدم أو السلة، وعند الإصابة بالاستجماتزم تصبح القرنية على شكل كرة الرملي، بيضاوية أو مخروطية، وبهذا تتغير طريقة انعكاس الضوء من خلال القرنية، ولذلك تبدو الأشياء القريبة والبعيدة ضبابية، ويمكن أن تستهدف هذه المشكلة إحدى أو كلتا العينين، ويعد هذا المرض شائعاً عند الأطفال حديثي الولادة، وخاصة الخُدج، وغالباً ما يختفي خلال العام الأول، ويزداد مع الالتهابات الخارجية للعين، ويمكن الإصابة به فقط أو مع الأخطاء الانكسارية الأخرى، مثل: قصر وبعد النظر، كما أن هناك علاقة إيجابية بين الاستجماتزم في الأطفال والوراثة من الوالدين.

أسباب متعددة

يوضح د.نمير، أن سبب الاستجماتزم هو أنحناء غير طبيعي لقرنية العين، ما يؤدي إلى خلل في دخول الضوء من خلال العين وتركيزه على الشبكية على شكل نقاط بؤرية متعددة بدلاً من نقطة محورية واحدة، وتحدث الإصابة بالاستجماتزم، ويبدأ الطفل بالشكوى من رؤية الأشياء القريبة منه والبعيدة بالضبابية والتشوه، ما تؤثر في نضوج خلايا الدماغ المسؤولة عن النظر، وتشمل الأعراض وجود حول العين، الإجهاد، الصداع، ضعف التحصيل الدراسي، والتي أحياناً يتم تفسيرها من قبل المدرسة وأولياء الأمور خطأ على أنها علامة على وجود إعاقة في التعلم أو تصرف سلوكي غير طبيعي، بدون فحص شامل للعينين.

حلول علاجية

ينصح د.نمير، ينصح بفحص الطفل ابتداء من السنة الأولى وبفترات منتظمة، فحص عيون شامل من قبل الطبيب الاختصاصي و مقوّمة البصر لتقييم حدة البصر ونوع الخطأ الانكساري وقياس شكل القرنية، وفي حالة الاشتباه بضعف البصر عند الصغير أو وجود الاستجماتزم عند الوالدين؛ حيث يمكن تصحيح معظم الحالات المصابة باستخدام النظارات الطبية أو أحياناً العدسات اللاصقة.
وفي بعض الحالات من تقدم القرنية المخروطية، وربما يقترح الطبيب الاختصاصي، إجراء عملية «تثبيت القرنية» بمادة الرايبوفلافين مع التعرض للأشعة تحت البنفسجية لزيادة تصلب ألياف الكولاجين ومتانة الترابط بينهما في القرنية ومنع تقدم الحالة.

حول العين

يذكر الدكتور أسامة الجليدي، استشاري طب العيون، أن الحول هو انحراف محور العين، وأسبابه مختلفة، فمنها الذي يحدث عند الولادة أو نتيجة ضعف البصر أو وجود أمراض عضوية داخل العين مثل الماء الأبيض والأورام، وهناك أنواع عدة من الحول:
-المخفي وهو أكثر الأنواع شيوعاً؛ حيث يظهر عند تغطية العين أو التعب أو في فترة ما قبل النوم، وبمجرد أن تنظر كلتا العينين لهدف ما، فإنها على الفور تثبت على نفس الهدف مرة أخرى.
-المتبادل: في هذا النوع من الحول، يتم التناوب بين العين اليمني واليسرى في الوقت نفسه.
-الكاذب الذي ينتج عن تطور ملامح الوجه عند الرضع، وخصوصاً عند وجود جسر أنفي عريض وواسع بين العينين.
-الظاهري؛ حيث تنحرف عين واحدة باستمرار عن اتجاه العين الأخرى، واعتماداً على الاتجاه، يشار حينئذ إلى أن هذا النوع من الحول هو «للداخل» أو «للخارج» أو «للأعلى» أو «للأسفل».
-الشللي ويستهدف هذا النوع على الأكثر كبار السن، وخاصة من يعانون ارتفاع ضغط الدم أو أمراض السكر واحتشاء الدماغ.

فحوص تشخيصية

يوصى د. أسامة، بمتابعة الصغير منذ ولادته وعند الاشتباه في وجود حول دائمي أو متقطع، لابد من إجراء فحص شامل لعيون الطفل من قبل الطبيب الاختصاصي في الحول مع مقوّمة البصر للتأكد من نوع الحول وطريقة العلاج المثلى في كل حالة، وتعرف مقوّمة البصر بأنها خبيرة جامعية في تقييم ما يمكن أن يراه الأطفال في جميع الأعمار، من عمر الستة أشهر وأكبر والتفاعل بين العينين وتشخيص الحول الحقيقي عن الكاذب، ونوعه ودرجته؛ حيث يبدأ الفحص بإجراء مقابلة طبية مفصلة والسؤال عن أمراض العيون الوراثية في العائلة أو وجود إصابات أخرى والحمل والولادة والأدوية، ثم يتم فحص حدة البصر عند الطفل من قبل مقوّمة البصر، وتشخيص الحول ونوعه ودرجته وما إذا كان الطفل ينظر بكلتا العينين (رؤية مجسمة)، وفي حال وجود ضعف في البصر أو حول، سيتم وضع قطرات لتوسعة البؤبؤ واسترخاء عضلات التركيز داخل العين، وبهذه الطريقة يمكن فحص قاع العين كاملاً، وتشخيص الخطأ الانكساري ودرجته إن وجد.

العلاج بالتغطية

يؤكد د. أسامة، أنه في حالة وجود خطأ انكساري، يتم علاج الطفل مباشرة بالنظارات الطبية الصحيحة، اعتماداً على خبرة الطبيب الأخصائي، ثم يعاد الفحص ثانية بعد حوالي شهرين، بدون قطرات، لمتابعة تحسن حدة البصر ودرجة الحول، وعند وجود فرق في حدة البصر بين العينين، ينصح العلاج بلاصقة العين، إضافة إلى النظارات الطبية، ويسمى هذا العلاج بالتغطية، ويعتمد هذا النوع على مبدأ بسيط من أجل تدريب العين الكسولة أو الضعيفة؛ حيث يتم تغطية العين الأقوى لساعات عدة باليوم باستخدام لاصقات العين وأحياناً قطرات لتحفيز خلايا الدماغ المسؤولة عن العين الأضعف بالنمو مجدداً، ويحتاج هذا العلاج البسيط إلى أشهر عدة، وبإمكانه تحقيق تحسن سريع في معظم الأحيان، وفي بعض حالات الحول، يحتاج الطفل إلى عملية جراحية لتحسين وضع العين بالاتجاه الصحيح.
يكمل: «يتم التحكم بحركة العين بواسطة ست عضلات بشكل دقيق جداً، وتتضمن الجراحة تحت التخدير العام، شد أو تقصير إحدى عضلات العين لتقويتها أو مع ترخية عضلة العين في الجهة المقابلة بتغيير مكان اتصالها بالعين، بعدد معين من الملليمترات حسب الفحوص الأولية، وتعتبر معظم عمليات الحول ناجحة جداً ونادراً ما تسبب بمضاعفات، واعتماداً على نوعية ودرجة الحول، فإن الطفل ربما يحتاج إلى أكثر من عملية واحدة لتصحيح موضع العين».

انسداد القناة الدمعية

يعاني طفل من بين 15 من المواليد من انسداد القناة الدمعية في الأسابيع الأولى من الولادة، وهي ظاهرة شائعة، تحدث نتيجة تأخر فتح القناة المسؤولة عن تصريف الدموع من العين إلى الأنف، وتتمثل أعراض الإصابة بهذه الحالة في التدمع المفرط والمستمر، مع وجود إفرازات تقيحية من عين الصغير، إضافة إلى التهابات في العينين يرافقها احمرار وتهيج، ويعتمد علاج انسداد القناة الدمعية على تدليك كيس الدمع يومياً للطفل المصاب، مع إعطاء المضادات الحيوية، وإن لم يحدث تحسن في الحالة يجب التدخل بالجراحة، قبل أن يُتم الطفل عامه الأول.