التهاب الفقرات التيبسي..سنوات من المعاناة والألم

مقالات

تنتشر أمراض العمود الفقري وآلام الظهر بشكل كبير بين قطاعات واسعة من الأشخاص، وبصفة عامة، فإنها توصف بالسهل الممتنع، كما أن الإصابة بها ليست قاصرة على سن أو فئة معينة، فالجميع معرض للإصابة بأحد أمراض العمود الفقري، ومن هذه الأمراض التهاب الفقرات التيبسي.
يشير الأطباء إلى أن التهاب الفقرات التيبسي، أحد الأمراض المزمنة، والذي تبدأ الإصابة به بشكوى من ألم بسيط أسفل الظهر، والذي يتحول بعد أشهر عدة إلى تيبس وألم شديد صباحاً وعند استيقاظ المريض من نومه، أو عند بقائه فترة طويلة جالساً، ويخف الألم مع الحركة.
يستمر الوضع على هذا المنوال أعواماً أخرى عدة، ربما تصل إلى 10 سنوات؛ حيث يتجه الألم من أسفل الظهر إلى أعلاه، ويصل الأمر إلى أن المصاب لا يستطيع تحمّل هذا الألم، ومن ثم يذهب لاستشارة طبية.
ويطلب الطبيب صورة شعاعية للظهر، والتي يبدو فيها فقرات العمود الفقري وكأنها انصهرت، مع وجود تكلسات عقدية بينها، ويشبه العمود الفقري شكل قضيب الخيزران، ويكون تشخيص الطبيب للحالة بالتهاب الفقرات التيبسي.
ونتناول في هذا الموضوع مرض التهاب الفقرات التيبسي بكل جوانبه، ونقدم العوامل والأسباب التي تؤدي إلى الإصابة بهذه الحالة، وكذلك الأعراض التي تظهر، مع بيان طرق الوقاية الممكنة وأساليب العلاج المتاحة والحديثة.

تشير الإحصاءات إلى أن التهاب الفقرات التيبسي يصيب شخصاً من كل 3 آلاف شخص، وتبلغ نسبة الإصابة به 51% من بين أمراض الروماتيزم.
ويعتبر تشخيص هذا المرض مشكلة كبيرة، وذلك لأن كثير من الأطباء يشخصون الحالة بشكل خاطئ على أنها انزلاق غضروفي، وهو الأمر الذي يدخل المريض في متاهة من العلاجات الخاطئة، وإعادة للتشخيص مرة أخرى.
تبدأ الإصابة بهذا المرض في العادة في سن الشباب، في المرحلة العمرية بين 15 إلى 40 سنة، ويصيب الذكور أكثر من الإناث.
ويهاجم هذا المرض المفاصل الحرقفية العجزية أولاً، ثم المنطقة القطنية، ثم يصل إلى المنطقة الصدرية والرقبية، ويحدد حركة العمود الفقري، وذلك بحسب مكان وشدة الإصابة.
ويتسبب المرض بتيبس فترة الصباح، ويمكن أن يمتد لساعات عدة، ويمكن أن يصيب مفصل الحوض أو الكتف في بعض الحالات، وفي بعض الأوقات الأخرى تكون هناك آلام وتيبس في الأوتار، والذي يستمر مدى الحياة.

ألم وتيبس

يشعر المصاب بالتهاب الفقرات التيبسي بعدد من الأعراض، والتي تعود إلى الالتهاب الذي يصيب فقرات العمود الفقري، وربما تسببت هذه الأعراض بإصابة أعضاء أخرى بالالتهاب.
وتبدأ أعراض المرض بشعور المصاب بالإرهاق، والذي يعود إلى الالتهاب المزمن، كما يشعر بألم وتيبس أسفل الظهر والعنق، أو في سائر العمود الفقري، ويتجه الألم إلى الأطراف السفلية. ويصعد التيبس إلى الفقرات الصدرية أو العنقية، وربما هبط إلى مفاصل الفخذين، كما أنه يتطور بشكل تدريجي حتى يفقد المصاب مجال الحركة الطبيعي للعمود الفقري.
ويكون ألم التيبس سيئاً للغاية صباحاً عند استيقاظ المصاب من النوم، أو عند ملازمته للراحة أو عدم الحركة فترة زمنية طويلة.

فقد مجال الحركة

يختفي الألم بشكل كامل مع تحول المرض إلى حالة مزمنة؛ حيث يزداد تيبس الفقرات بمرور الوقت وتلتحم، وعند ذلك يفقد المريض مجال حركة العمود الفقري الطبيعي.
وتكون هذه الفقرات الملتحمة، عرضة للكسر بشكل كبير، كما يسبب المرض انحناء سلسلة الظهر للأمام، وهو ما يؤثر في مساحة القفص الصدري، ويسبب ضيقاً في التنفس للمصاب.
وتصاب المفاصل كالركبة والفخذ، وكذلك الأربطة والأوتار بالالتهاب، وربما وصل في بعض الحالات إلى العينين والقلب والرئتين، كما يمكن أن يفقد المصاب شهيته للطعام، وهو ما يترتب عليه فقدان ملحوظ للوزن.

علامة فارقة

يختلف سبب الإصابة بالتهاب الفقرات التيبسي من مصاب لآخر، ولا يزال السبب الرئيسي وراء هذا المرض غير معلوم، وربما ترجع هذه الإصابة بشكل مبدئي إلى نشاط الجهاز المناعي، والذي يتسبب به عدوى بكتيرية.
وتؤدي هذه العدوى إلى تنشيط جهاز المناعة، والذي لا يستطيع أن يعود إلى حالته الطبيعية مرة أخرى، وذلك بالرغم من أن العدوى التي كانت سبباً في الالتهاب اختفت.
ويعتبر التهاب الأنسجة المزمن الذي ينتج عن نشاط جهاز المناعة، علامة فارقة في التهاب الفقرات التيبسي، بالرغم من اختفاء مصدر العدوى، كما أن هذا المرض غير معد، ولا يزال موضع دراسة. وتزيد من فرص الإصابة بالتهاب الفقرات التيبسي بعض الجينات الوراثية، كما أن العامل البيئي له دور كبير؛ حيث يأتي تأثير العدوى البكتيرية كمحفز قوي، وأخيراً، فإن هذا المرض يصيب الرجال بمعدل مرتين أكثر من النساء.

تقاعس المرضى

يؤدي تأخر تشخيص المرض إلى استفحال الحالة، وذلك نتيجة تقاعس المرضى عن طلب استشارة طبية، ويظل بعض المصابين ما يقرب من 10 سنوات حتى يبحثوا عن تشخيص للأعراض التي يعانونها.
ويعتبر تشخيص التهاب الفقرات التيبسي صعباً، خاصة لدى الأطباء غير المتخصصين في الروماتيزم، ويتم وضع معايير التشخيص من خلال التاريخ المرضي، والفحص السريري.
ويطلب الطبيب المعالج، إجراء اختبارات معينة وأشعة رنين مغناطيسي، ويؤدي اكتشاف المرض مبكراً إلى تحقيق العلاج لنتائج جيدة ونسب شفاء عالية.

صعوبة التنفس والنوم

تؤثر مضاعفات التهاب الفقرات التيبسي في مفاصل الكتف والحوض والركب، وربما وصل تأثيره إلى العين، كما أن المريض يفقد القدرة على الحركة، ولا يستطيع التنفس، ولا يمكنه النوم. كما يعاني المصاب من هذا المرض، مشكلات متتالية في الأوعية الدموية، وأيضاً تزيد فرص إصابته بمرض تصلب الشرايين والتعرض للجلطات.
ويحول التهاب الفقرات التيبسي الشباب في عمر الزهر إلى أفراد غير منتجين، وربما وصلت المضاعفات في بعض الحالات إلى حدوث الوفاة.

حياة طبيعية

يعيش معظم المصابين بالتهاب الفقرات التيبسي حياة طبيعية ومقبولة، إذا كانت أضرار المرض محدودة، وذلك لأنه لا يوجد علاج شاف لهذه الحالة، ويتمثل هدف العلاج في منع التصاق الفقرات، وهو الأمر الذي لا يمكن إصلاحه.
ويعتبر العلاج الطبيعي مهماً للغاية، من أجل منع التهاب الفقرات التيبسي من التطور، والحد كذلك من تفاقم الحالة، ولذلك فإن تطبيق هذا العلاج بشكل مبكر وبصورة منتظمة يحقق نتائج جيدة، وبالذات مع حركة المفاصل والقوة العضلية. ويشمل العلاج مجموعة من التمارين الرياضية، وبالذات الحركات التنفسية والحركات اليومية من التواء وانحناء ودوران.

أمل أخير

يمكن أن يصف الطبيب المعالج بعض الأدوية التي تهدف إلى تقليل الحوادث الالتهابية مع السيطرة على الألم، وربما احتاجت بعض الحالات إلى حقن أدوية سيترودية، وكذلك استخدام الأدوية التي تعمل على تثبيط جهاز المناعة، حتى تساعد على إيقاف تطور المرض.
ويبقي العلاج البيولوجي هو خيار أخير وأمل لبعض المصابين، لأنه يحد من الالتهاب ويحفف الألم ويقلل التيبس، إلا أن هذا العلاج باهظ الثمن، كما أنه يستغرق فترة زمنية طويلة.
وتشير الدراسات التي أجريت على المرض إلى إمكانية شفاء المريض خلال 5 سنوات من العلاج البيولوجي، ومن الضروري البدء فيه مبكراً حتى يحقق نتائج جيدة، غير أنه ينشط مرض الدرن بالنسبة لبعض الحالات.
وينبغي لذلك أن يقوم الطبيب المعالج بإجراء تحليل للدرن، حتى يتأكد من استفادة المريض من العلاج وعدم تسبب أي مضاعفات له.

الزنجبيل مضاد للالتهاب

تنصح دراسة حديثة، الأشخاص المصابين بالتهاب الفقرات التيبسي باتباع عدد من الإجراءات التي تساعد على تقليل حدة الأعراض، ومنها عدم استمرار المصاب في وضعية الجلوس لمدة طويلة، وخضوع المصاب لجلسات تدليك متكررة، والتي تهدف إلى إرخاء العضلات، وينبغي تناول الأدوية المسكنة للألم.
كما يمكن أن تساعد بعض الأعشاب في علاج التهاب الفقرات التيبسي، ومن هذه الأعشاب الزنجبيل؛ حيث أشارت بعض الدراسات الحديثة إلى احتوائه على نوع خاص من الأنزيمات يسمى بالزنجبيان، له القدرة على تحليل البروتينات كيميائياً، وتمتاز هذه الأنزيمات بأن لها أثراً مضاداً للالتهاب، والتي ربما ساعدت على علاج التهاب الفقرات التيبسي.
وأشارت الدراسة إلى أن الأنزيمات التي تحلل البروتينات خلافاً للزنجبيان، تتحكم في أمراض المناعة الذاتية، وبالتالي تقلص مستويات مركبات التراكيب المناعية بالدم؛ حيث إن ارتفاع مستويات هذه التراكيب تنشط الجهاز المناعي، حتى يهاجم أنسجة الجسم، وهو ما يسبب تلف هذه الأنسجة.
وكانت دراسات سابقة أظهرت أن الزنجبيل والكركم، يساعدان في علاج كثير من أنواع التهابات المفاصل، وبصفة عامة فإن الزنجبيل يحتوي على أكثر من 12 مادة مضادة للأكسدة، ويمكن أن يكون الزنجبيل بديلاً لمضادات الالتهابات اللاسترويدية، والتي يؤذي طول استخدمها المعدة، ويمكن أن يتسبب بإصابتها بالقرحة.