«الشيخوخة»..كيف تستعد لاستقبال «ربيع العمر»؟

مقالات

تحقيق: راندا جرجس

يُطلق مسمى «الشيخوخة» على كبار السن، الذين تجاوزوا سن الـ65؛ حيث إن الأشخاص في هذه المرحلة يعانون تغيرات في أجهزة وأعضاء الجسم ووظائفها، ما ينتج عنه تعرضهم للعديد من المشكلات الصحية، والإصابة ببعض الأمراض الشائعة؛ مثل: هشاشة العظام، ضغط الدم، السكري، الوهن العام، الاكتئاب، وضعف السمع وغيرها، ما يؤثر في ممارسة الحياة، ولكن مع تقدم الطب في كافة المجالات أصبح هناك العديد من برامج الرعاية الصحية وإعادة التأهيل التي تهتم بمثل هذه الحالات وتقدم لهم كافة الخدمات التي تساعدهم على الحياة بشكل أفضل، والتخفيف من المشكلات النفسية والجسدية في مرحلة يطلق عليها أيضاً «ربيع العمر».
تقول الدكتورة منى تارين، استشاري الطب الباطني وطب الشيخوخة، إن اتباع نمط حياة صحي نشط والفحوص المنتظمة، يمكن أن تساعد كبار السن على الوقاية من أمراض كثيرة، والاستمتاع بصحة وافرة، ويمكن اعتبار الشخص مسناً عند بلوغه الـ65 وهو ما يُطلق عليه «الشيخوخة»، وهذا لا يعني حتمية الإصابة بالأمراض وفقدان القدرة على العمل والعطاء؛ بل يمكن التمتع بصحة جسدية وعقلية ونفسية سليمة بعد هذا العمر، وعلى الجانب الآخر ربما يعاني آخرون لم يصلوا إلى هذه السن مشاكل كثيرة، وهناك عدد من أمراض الشيخوخة الشائعة التي يرجح ظهورها عند التقدم في العمر، بما في ذلك هشاشة العظام والأرق الناجم عن التغير في أنماط النوم، وزيادة خطر ارتفاع ضغط الدم، وأمراض القلب التاجية والوهن العام، ولا يمكن إدراج ضعف الإدراك والزهايمر في السياق الطبيعي للشيخوخة، مع أنه يكون من المرجح الإصابة بهما، كما تزداد احتمالات إصابة الرجال المسنين بتضخم البروستاتا.

تغيرات مرضية

تبين د. تارين أن هناك الكثير من التغيرات التي تحدث للجسم مع تقدم السن، ومنها الانخفاض في تصفية الكرياتينين بنسبة تتراوح من 7.5 إلى 10 ميليلترات لكل عقد، إضافة إلى تقلص كتلة الكبد بنسبة 20-40%، وانخفاض في تدفق الدم، وتناقص مادة السيتوكروم، وهي عوامل تؤثر مجتمعة سلباً في آليات الاستقلاب، ما يحتم التعامل معها علاجياً، ويتم أيضاً رصد تغيرات تشريحية في الرئة تؤدي إلى زيادة خطر الإصابة بالالتهابات الرئوية، كما يحدث ضمور في العضلات، وانخفاض في كتلتها بنسبة 30-50%، ما يؤدي إلى التسمم العضلي، وتدهور القوة العامة؛ لكن يمكن الحد من ذلك عن طريق ممارسة النشاط البدني المنتظم، ويزداد خطر تعرض كبار السن للوهن، وأيضاً احتمالات الإصابة بأمراض القلب والاعتلالات البصرية والسمعية.

داء الزهايمر

توضح د.تارين أنه علينا أولاً أن نفهم أن مرض الزهايمر يمكن تصنيفه ضمن فئات الخرف الكثيرة، بما في ذلك مرض باركنسون، والخرف الوعائي الناجم عن السكتات الدماغية وغير ذلك، وبما أن هذا المرض يتعلق بفقدان الذاكرة، فإن المريض يواجه مشاكل تتعلق بالحكم على الأمور وتقديرها، كما يعجز عن حل المشكلات، ومن الجوانب المعقدة لهذا المرض المشاكل السلوكية، بما في ذلك الصراخ، ومع أنه يظهر عادةً بعد سن الستين، ولكن ربما تظهر أعراض الإصابة به في سن مبكرة، وتم تشخيص مرضى في عمر الـ36؛ نتيجة أسباب وراثية، ويؤثر المرض في الذاكرة قصيرة المدى في البداية، ثم على طويلة الأجل في المراحل المتأخرة من المرض، وعادةً ما تكون هناك مراحل مختلفة تبدأ من المعتدلة، ووصولاً إلى الشديدة أو الحادة، وفي النهاية يصبح المريض طريح الفراش في المرحلة النهائية، وربما يقول بعض أقارب المرضى إنهم يلاحظون على كبار السن أنهم يعانون نسيان المحادثات الأخيرة، وعدم التعرف إلى الاتجاهات في أثناء القيادة، وهذا يختلف عن الهذيان الحاد والضعف الإدراكي، ويزيد خطر الإصابة بمرض الزهايمر مع تقدم العمر.

أمراض القلب

يؤكد الدكتور محمد رمضان الشيباني، مختص جراحة أمراض القلب والصدر، بأن أمراض القلب ربما تصيب الأجنة، ويكون الإنسان عرضة لها في أي مرحلة من مراحل حياته، وإن كان الأمر يرتبط إلى حد كبير بعوامل محددة أثبتتها الدراسات والأبحاث، خاصة وأن أعراقاً معينة تزداد احتمالات الإصابة بها، وفي الوقت الذي تلعب فيه الوراثة دوراً بالغ الأهمية، كما أن الإصابة بهذه الأمراض تزداد كلما تقدمنا بالعمر، ولا ترتبط مشكلات القلب بسن معينة، ويمكن أن يكون كل إنسان حالة فريدة من نوعها فيما يتعلق بالإصابة بالأمراض القلبية، وتظهر الدراسات أن احتمالات الإصابة بهذا النوع من الأمراض تختلف حسب الأعراق، كما يلعب العامل الوراثي والخريطة الجينية للشخص دوراً حاسماً في احتمالات الإصابة بالمرض، ما يعني أن بعض الأشخاص يكونون أكثر عرضة من غيرهم، ومع تقدم العمر، تزداد احتمالات الإصابة باحتشاء عضلة القلب، وهو مرض يعد من أبرز أسباب الوفاة عند كبار السن، وخاصة بالنسبة إلى النساء، ويكون كبار السن أكثر عرضة لمشاكل صحية أخرى في القلب، نذكر منها: قصور عضلة القلب وانسداد الشرايين التاجية.

مضاعفات

يؤكد د. رمضان أنه يجب التعامل مع بعض الأمراض على أنها من عوامل الخطورة عند المسنين، والتي تزيد من احتمالات الإصابة بأمراض القلب أو تفاقمها، ومنها ارتفاع ضغط الدم ومرض السكري وارتفاع منسوب الكوليسترول والدهون الثلاثية في الدم، الأمر الذي يحتم عليهم أو على المسؤولين عن رعايتهم مراقبة ظروفهم الصحية بانتظام، والعمل على علاج هذه الأمراض أو الوقاية منها، وإذا لم يتم علاج أمراض القلب عند المسنين، فإنهم سيكونون أكثر عرضة لمضاعفات مستعصية؛ حيث يرجح إصابة مريض القلب بمجموعة من المشاكل والتعقيدات، ومنها فشل القلب الاحتقاني، وربما يتعرض للنوبات والسكتات القلبية، إضافة إلى أمراض الشرايين التاجية وعدم انتظام نبض القلب والتمدد الموضعي لجدران الأوعية الدموية.

نصائح وقائية

يذكر د.رمضان أن هناك الكثير من الاستراتيجيات العلاجية التي يمكن الاعتماد عليها؛ لضمان استقرار الحالة وتحسنها التدريجي؛ حيث يتعين على المسن المصاب بأي مرض من أمراض القلب الابتعاد عن الأنماط والعادات الحياتية التي تُشكل تهديداً لحالته؛ حيث يجب الإقلاع عن التدخين، والمحافظة على المستويات الطبيعية لضغط الدم والكوليسترول والسكري، وهناك إجراءات وقائية بالغة الأهمية؛ ومنها: تشجيع المسن على الحركة والقيام بنشاط بدني مناسب لحالته ووضعه الصحي، مع ضرورة تناول غذاء صحي متوازن، والحرص على الوزن الصحي، والتخلص من أي زيادة مفرطة، ولا شك فيه أن خفض التوتر والسيطرة عليه يساعدان على استقرار الحالة، وتفادي أي اضطرابات محتملة.

مشكلات شائعة

يشير الدكتور أحمد الخير طبيب إعادة التأهيل إلى أن هناك العديد من الأمراض التي تحتاج إلى رعاية، خاصة عندما يصاب بها المسن، منها على سبيل المثال مرض هشاشة العظام الناجم عن عدم قدرة العظام على تجديد الكالسيوم وتدني تراكمه في العظام، ويعد الفخذ والعنق من أكثر الأجزاء المعرضة للكسر عند كبار السن، إضافة إلى مرض نقصان طول ووزن المُسن؛ نتيجة لحدوث ضمور في العضلات، وتدني نسبة الخلايا والأنسجة في الجسد، وعدم القدرة على تجديدها مع التقدم في العمر، وعلى النقيض هناك أيضاً مرض البدانة الناجم عن ازدياد نسبة الشحوم المتراكمة في جسد المسن مع تقدمه في العمر، وقلة حركته، ونقص استعماله للطاقة، الأمر الذي يسبب الكثير من الأمراض التي يتعرض لها المسنون، ومن الأمراض الشائعة أيضاً تدني مرونة جدران الأوعية الدموية، الأمر الذي يسبب ارتفاعاً في ضغط الدم، إضافة إلى تدهور حاستي النظر والسمع، وعدم قدرته على الشعور بالحرارة؛ لذا يشعر المسن بالبرد بشكل أكبر من غيره، وتعد الاضطرابات السلوكية من أكثر الأمراض شهرة وشيوعاً لدى كبار السن، وتحدث في الغالب عندما تتفاقم عند المسن مشكلات صحية معيّنة؛ مثل: ارتفاع أو انخفاض مستوى السكر في الدم، وحدوث خلل في عمليات الأيض بأجسامهم، وكذلك مرض احتشاء عضلة القلب وهو المسبب الأول للوفاة بين المسنين، وتعد إصابة النساء به أكثر من الرجال.
يضيف: هناك أيضاً مرض عطب الأوعية الدّموية في شبكيّة العين، الذي يؤدّي للعمى إن أُهمل تقديم العلاج، إضافة إلى مرض الزهايمر؛ حيث يواجه العديد من كبار السن مشكلات في الذاكرة؛ وهو مرض خطر يقوم بمهاجمة خلايا المخ، ومن الممكن أن يسبب العديد من الأعراض؛ مثل: فقدان الذاكرة والقدرات المعرفية.

رعاية صحية

يوضح د.الخير أن تقديم الرعاية للمسن بالشكل الصحيح، تحتاج للتعرّف إلى التغيرات التي تحدث له في هذه المرحلة العمرية، سواء كانت تغيرات جسدية أو نفسية أو غذائية، وبشكل عام يمكن تلخيص طرق الرعاية في طريقتين:
* الطريقة الوقائية؛ حيث يتم اتباع نظام غذائي مناسب لصحة المسن، واجتناب تناول المأكولات المضرة له، إضافة إلى ممارسة الرياضة بشكل يتناسب مع قدراته الجسدية وبشكل روتيني.
* الطريقة العلاجية ويكون ذلك بالتعامل مع الأمراض المصاب بها المسن وتخليصه منها قدر المستطاع مع الأخذ بعين الاعتبار قدرته الضعيفة على التحمل وضعف جسده على امتصاص الأدوية.

مسؤولية عائلية

يوصي د.الخير بالتعامل مع كبار السن بالاحترام والرحمة والصبر؛ حيث إنه من السهل أن يفقد الإنسان صبره عند التعامل معهم؛ بسبب احتمالية إصابتهم ببعض الأعراض؛ مثل: النسيان، واللامبالاة، إضافة إلى حركتهم البطيئة، ويفضل أن يقوم الشخص بسؤال المسن عن احتياجاته؛ لإشعاره بأهميته بدلاً من التصرف بشكل اعتيادي في القيام بعمل احتياجاته المختلفة، ويجب عدم التصرف مع المسن بناءً على وضع افتراضات خاصة؛ بل يجب التأكد مسبقاً مما يريد فعله، وما يحتاج إليه من خلال توجيه بعض الأسئلة له، وعلى أفراد العائلة أن يدركوا أن المسن لا يستجيب عندما يُخاطب بلهجة الأمر، ويفضل إشعاره باستقلاليته وبقدرته على التحكم في حياته، ويمكن فعل ذلك بطرح الخيارات المختلفة عليه، مثل عرض أنواع من الطعام عليه.

خدمات طبية

يؤكد د.الخير أن الرعاية طويلة الأجل تتضمن مجموعة متنوعة من الخدمات التي تساعد على تلبية الاحتياجات الطبية وغير الطبية للمسنين، وتركز على الخدمات الفردية والمنسقة التي تعزز استقلالية وجودة حياة المسن، وتلبي احتياجاته على مدى فترة زمنية كبيرة، وتقتضي أيضاً توفير مستوى من الرعاية الطبية يتطلب خبرة الممارسين المهرة؛ لمعالجة الحالات المزمنة، ويمكن تقديم هذه الخدمات في المنزل أو في المجتمع أو في مرافق المعيشة أو في دور رعاية المسنين، وتختلف هذه الطرق من مسن إلى آخر ومن حالة إلى أخرى؛ ولكي نستطيع تقديم الرعاية للمسن بالشكل الصحيح، لا بدّ من التعرف إلى التغيّـرات التي تحدث له في هذه المرحلة العمرية، فعلى سبيل المثال كلما تقدم الإنسان في السن ترتخي عضلات جسده، وكذلك أعصابه، فهنا يحتاج المسنّ إلى مساعدته على قضاء حوائجه اليومية.

آليات المساعدة

يشير د.الخير إلى أنه يجب أن ندرك أن المسن يعيش تحت ضغوط نفسية كبيرة؛ لإحساسه بالضعف، وبحاجته إلى المساعدة والعون؛ لذا يجب التعامل معه من منطلق الواجب وليس الإحسان، وإقناعه بأن هذه هي سِنة الحياة وأنّ كل إنسان سيصل إلى هذه المرحلة، ويصبح بحاجه إلى المساعدة، كما أن المسن لم يعد باستطاعته تناول أي غذاء، فيجب التعرف إلى الأطعمة التي تناسبه، والتي تحتوي على الفيتامينات، والمواد الغذائية سهلة الهضم، إضافة إلى أن ضعف جسم المسن يقلل من قدرته على مقاومة الأمراض؛ لذا يجب التعرف إلى الأمراض التي يعانيها أولاً، ومن ثم توفير البيئة الصحية التي تقلل من إصابته بالأمراض، كما يعد الجانب الاجتماعي من الجوانب الأساسية في رعاية المسن، وهنا يجب أن ندرك أن تواصله مع أصدقائه يعد أمراً مهماً جداً، فيجب توفير البيئة المناسبة؛ لتسهيل لقائه بهم، خاصة رفاق الشباب، وتذكيره بمرحلة قوته، وعنفوانه؛ لمساعدته على استعادة ثقته بنفسه.

ضعف السمع

يعد ضعف السمع من أكثر المشكلات الشائعة في مرحلة الشيخوخة والمنتشرة بين كبار السن، فمع تقدم العمر يتعرض الجسم لفقدان الخلايا العصبية في الأذن الداخلية، أو حدوث تغيرات في طبلة الأذن ما يؤدي إلى تشوش وضعف السمع في كلتا الأذنين، يمكن أن تكون بعض الأمراض سبباً في الإصابة بهذه الحالة مثل ارتفاع ضغط الدم، أمراض القلب والسكري، ومن أهم أعراض فقدان السمع هي أن يجد المسن صعوبة في فهم الكلام الموجه إليه ويجده مبهماً وغير مفهوم، والشعور بوجود طنين بالأذن، وتكون النتيجة إحساس المسن بالانفصال عن معرفة ما يدور حوله،وخاصة أن هذه الإصابة لا يوجد لها علاج، إلا التدريب بطرق الرعاية الصحية.