«الفيلوفوبـيا».. خوف مرضي من الارتباط والحب

مقالات

انتشرت تطبيقات التعارف بصورة واسعة؛ ما أتاح تكوين علاقات صداقة بمنتهى السهولة، فالأمر لا يتعدى الآن سوى إنشاء حساب على أحد هذه المواقع، ومن ثم البحث عن أصدقاء.
وكان أحد التقارير الصحفية الطبية، أشار إلى أن انتشار هذه التطبيقات؛ أدى إلى ظهور حالة من العزوف عن الارتباط بين الأجيال الشابة، وهو ما اصطلح على تسميته بـ«الفيلوفوبيا»، أو «رهاب الارتباط العاطفي».
يعرّف الأخصائيون هذا الاضطراب بأنه: رعب يصيب الشخص من الوقوع في الحب، أو تكوين أي ارتباط به عواطف ومشاعر، ما يؤدي بالمصاب بهذه المشكلة إلى الانسحاب من أي علاقة أو التزام عاطفي، وهو السؤال الذي يلح على كثير من الفتيات، لماذا لا يريد الارتباط بي؟.
نتناول في هذا الموضوع مرض «رهاب الارتباط العاطفي» بكل جوانبه وتفاصيله، ونستعرض الدراسات التي تمت في هذا الشأن، وكذلك نوضح العوامل والأسباب التي أدت إلى هذه الحالة، مع تقديم طرق الوقاية الممكنة، وأساليب العلاج المتاحة والحديثة.

يغطي الحياة

تشير أحدث التقارير الصحية إلى أن «رهاب الارتباط العاطفي» هو القيام بفعل ما، ثم التحول عنه إلى عكسه؛ وذلك عند النقطة التي يشعر فيها المصاب بالتزامه بشيء ما.
ويؤكد الأخصائيون أن هذا الاضطراب يغطي كل مواقف حياة المصاب، والتي يكون عنوانها الالتزام بعلاقة ما مع طرف آخر، وعلى سبيل المثال الخوف من رعاية حيوان أو الخوف من الالتزام بعلاقة مع طرف آخر.
ويعد «رهاب الارتباط الاجتماعي» من أحد أغرب أنواع الرهاب، وربما يؤدي لتأثيرات مدمرة على الصحة النفسية والجسدية للمصاب في المراحل المتقدمة، ومع إهمال علاجه.
ويجب على المصاب مراجعة الطبيب، إذا استمرت أعراض هذا الاضطراب لأكثر من 6 أشهر، مع تأثيرها على نمط حياته وعاداته بشكل سلبي.
وتتعدد أشكال علاج «فوبيا الارتباط»، والتي تعتمد في المقام الأول على علاج السبب، الذي يكمن وراء خوف المصاب من خوض تجربة الارتباط مرة أخرى.

قلق شديد

تختلف أعراض الإصابة بـ«الفيلوفوبيا» من شخص لآخر، وعامة فإن هناك عدداً من الأعراض تعد الأبرز، وتبدأ من شعور المصاب بهذا الاضطراب بالقلق الشديد؛ عند إقامة علاقة، أو أنه يتعلق بشخص آخر، وكذلك الخوف من أن يعبر عن مشاعره، أو يلتزم بأي شيء ولو كان وعداً شفوياً.
ويترتب على الشعور بالقلق أن يكبح الشخص أي مشاعر أو عواطف داخله، وبسبب هذا الأمر يسعى إلى نقد الطرف الآخر أو ربما يقوم بإيذائه، كما يتجنب أي مكان يتواجد فيه الأزواج، ومن ذلك السينما والحدائق وحفلات الزفاف، ويفتقد الروح الاجتماعية مع الدوائر المحيطة به، سواء من الأقارب أو الأصدقاء.
وتعد فكرة الزواج لدى الشخص المصاب بـ«فوبيا الارتباط العاطفي» ملغاة بشكل كامل؛ ولذلك فهو شخص يحبذ العزلة؛ نتيجة خوفه من أن يقع في الحب.
وتظهر على المصاب بـ«الفيلوفوبيا» بعض الأعراض الجسدية؛ مثل: تسارع ضربات القلب، والتعرق والغثيان، وصعوبة في التنفس، وربما وصل الأمر عند بعض المصابين إلى أن يصاب بالإغماء إذا واجه موقفاً رومانسياً.

ضغط نفسي

ترجع الإصابة بـ«فوبيا الارتباط العاطفي» إلى تعرض المريض لضغط نفسي خلال الطفولة المبكرة، ومثال ذلك أن يفقد شخصاً عزيزاً عليه، أو أنه تعرض لحادثة.
ويتسبب طلاق الوالدين في الإصابة بـ«الفيلوفوبيا»، وكذلك عندما يتعرض الشخص في طفولته لعلاقة سيئة، وكذلك عندما تغيب القدوة. ويمكن أن تعود الإصابة بهذا الاضطراب إلى خوف البعض من رفض الآخرين لهم، وكذلك افتقاد الثقة بالطرف الآخر؛ بسبب خبرات سابقة، كأن يكون تعرض لخيانة من أحدهم.

تجنب الألم والفشل

يؤدي خوف الشخص من عدم حكمه على الأمور بشكل جيد في هذا الاضطراب، كما أن البعض يكون لديهم خوف من فقدهم للسيطرة؛ بسبب خبرات سابقة.
وتعود الإصابة بـ«رهاب الارتباط العاطفي» إلى تجنب الألم؛ وذلك في حالة أن تكون علاقة الارتباط لم تسر كما كان يتمناها المصاب.
ويتسبب الخوف من الفشل، والخوف من التضحية بالاستقلالية، وأيضاً صعوبة تحمل الإنسان للمسؤولية – والتي لم يتعود على تحملها منذ صغره – إلى أن يصاب بـ«الفيلوفوبيا».
ويمكن أن يرجع الأمر إلى حساسية الشخص المفرطة، وكذلك أساليب التربية الخاطئة؛ مثل: التربية بالعقاب والتسلط، ما يؤدي إلى اهتزاز الثقة بالنفس.

أساليب متعددة

يجب أن تتوافر الرغبة لدى المصاب بـ«رهاب الارتباط العاطفي» في العلاج، ويعد الشخص الوحيد الذي بوسعه تحديد ما إذا كانت هذه الأعراض ترتبط بهذه الحالة المرضية؛ هو الطبيب المختص.
ويعتمد العلاج على فهم الشخص لماهية الالتزام، ومردوده على الآخرين المحيطين به، مع التحدث مع الدوائر المحيطة؛ لتخفيف ضغوط الحياة، التي تكون سبباً في الإصابة بالخوف المرضي من الالتزام.
وتتنوع أساليب علاج «رهاب الارتباط العاطفي»، ولعل أول هذه الأساليب العلاج السلوكي، وفيه يتم تعريض المصاب لمسببات الرهاب، والذي يصاحبه بعض الأدوية المساعدة على الاسترخاء، والتي لا تؤدي للإدمان، ومن خلال هذا الأسلوب يتم تحديد المشكلة والوسائل المتاحة؛ للتغلب عليها.

أسلوبا التعرض

يشمل الأسلوب الثاني لعلاج «الفيلوفوبيا» العلاج بالتعرض، وهو أحد أشكال العلاج السلوكي؛ حيث يتم تعريض المريض لمخاوفه وإجباره على عدم الهروب منها، ويزداد وقت التعريض بشكل تدريجي، ومع بث العزم في نفس المصاب؛ ليبدأ الخوف بالتراجع، ويختفي في النهاية. ويعد التعرض بالتخيل أحد أشهر طرق التعرض، ويلجأ إليه الطبيب المعالج في الحالات التي يكون التعرض فيها للمواقف الحقيقية، يسبب درجة مرتفعة من القلق والإزعاج.
ويتضمن العلاج بالتعرض الاعتماد على أسلوبين أما بالتدريج؛ حيث يتم تعريض المصاب للموقف المسبب للخوف في وقت قصير، ويزداد بشكل تدريجي، والأسلوب الثاني ويطلق عليه الغمر، أي غمر النفس بفيضان من المواقف المرعبة أو المخيفة؛ وذلك بدرجة مرتفعة ومدة طويلة؛ وبهدف القضاء على الخوف منها.
ويمكن أن يتم العلاج بالتعرض عبر مجموعات، وهو ما يطلق عليه العلاج الجماعي؛ حيث يتم التعرض لمجموعة من المصابين، الذين يخافون من نفس الموقف، أو يعانون نفس نوع الخوف؛ وذلك بهدف أن يشجعوا بعضهم، وتكون هناك مساندة متبادلة.

الدور الأسري

يحتاج المريض إلى الاستعانة بالطبيب النفسي المتخصص؛ عندما تتجاوز مخاوفه ودرجة قلقه قدرته على الاحتمال، ويساعد هذا الطبيب المريض على الشفاء، ويجب أن يرتب المصاب بـ«فوبيا الارتباط العاطفي» مخاوفه بشكل تصاعدي، وتعد هذه الخطوة مهمة للغاية؛ وذلك لأنه ربما قطع برنامج العلاج؛ بسبب عدم احتماله للمخاوف المرضية التي يعانيها.
ويبقى من وسائل علاج «الفيلوفوبيا» الدور أو العلاج الأسري، وهو من أكثر أنوع العلاج فاعلية؛ وذلك لأن دعم الدائرة المحيطة بالمريض، والتي تلازمه معظم الوقت، يتيح متابعة المصاب والتعرف إلى ما يتجنبه من أشياء أو أماكن أو أشخاص، وكذلك مسببات التفاعل الهروبي للمريض.

الحاجة إلى الثناء

ينبغي على الأسر، التي يعاني أحد أفرادها «رهاب الارتباط العاطفي» عدم توجيه أي شكل من أشكال النقد أو السخرية للمريض، ولا ينبغي كذلك إصدار أحكام بتحسن حالة المصاب من عدمه؛ لأن الطبيب هو الوحيد الذي يمكنه التأكد من ذلك.
ويجب على الأسرة مساعدة المريض في قرار البحث عن علاج دون الضغط عليه؛ لأن ذلك الضغط يسبب عدم استكمال الشخص لبرنامج العلاج، ويحتاج المريض إلى الثناء من أسرته مع إحرازه لأي نسبة تحسن، مع التوقع أن يتعرض للانتكاس مرة أخرى.

أساليب للوقاية

يتساءل البعض هل يمكن الوقاية من المخاوف المرضية؟، والإجابة يمكن أن يكتسب الشخص هذه المخاوف بحسب العلماء منذ الطفولة، وهو يتعلمها من الدائرة المحيطة به.
ويمكن تجنب الإصابة بهذا الاضطراب بتجنب التعلم الخاطئ، والذي يبدأ في الصغر، ومن ذلك عدم تخويف الطفل حتى يسيطر الوالدان عليه.
وينبغي على الأبوين استخدام أساليب التوضيح والشرح بديلاً للترهيب؛ لمساعدة الطفل على فهم الفرق بين السلوكات الخاطئة والصحيحة، مع الابتعاد عن كل ما يؤذيه، وتبني كل ما يفيده.

تعلم المسؤولية

يجب على الوالدين تشجيع الطفل على الاعتماد على نفسه، وأن يتحمل المسؤولية، ومثل هذه السلوكات، تعلم الأطفال الشجاعة والجرأة عند نضجوهم.
وينبغي على الآباء تدريب أنفسهم على ضبط انفعالات الخوف لديهم؛ حيث إن هذه الانفعالات تنتقل إلى الأبناء؛ من خلال التقليد والمحاكاة، ويجب على الأمهات بالذات عدم إبداء القلق الزائد؛ لأن هذا القلق المفرط ينتقل إلى الطفل الذي يخاف ويقلق هو الآخر.
وأن يبتعد الآباء عن طرق التأنيب أو الضرب في معاقبة أطفالهم؛ لأن هذه الطرق تضعف شخصيتهم، وتجعلهم عرضة للإصابة بالكثير من الاضطرابات والمخاوف التي تكبر معهم.

أساليب منزلية

تشير دراسة حديثة إلى أنه يمكن اللجوء إلى بعض الأساليب العلاجية البسيطة داخل المنزل، والتي تخفف من أعراض رهاب الارتباط العاطفي.
وتشمل هذه الطرق توفير إحدى غرف المنزل التي تخلو من وسائل التقنية الحديثة، ويلجأ إليها المصاب بهدف الحصول على الهدوء النفسي.
وتعد الرياضة من الأساليب المهمة في علاج التوتر النفسي الذي يصاحب الخوف المرضي، وللرياضة فوائد عظيمة، ومنها أنها تنظم الهرمونات التي تسبب القلق، كما تساعد في التخلص من هرمونات التوتر، ومن ثم التفكير السلبي والطاقة السلبية.
وتفيد ممارسة الكتابة كذلك، حيث إنها تحرر الشخص من القلق، وهذا النوع من الكتابة هو للنفس، من دون أن يعاود الشخص قراءته مرة ثانية.
وتفيد بعض المشروبات في إكساب الفرد حالة الاسترخاء، كالشاي الأخضر واللافندر، إضافة إلى المكملات الغذائية، وتحديداً فيتامين «ب»، حيث تقلل من القلق والتوتر.