«الاحتراق النفسي» وداعاً للشعور بالسعادة

مقالات

أصبحت ضغوط الحياة كثيرة وضخمة لدرجة أنها تؤثر في الحالة النفسية للناس، وانتشرت في الآونة الأخيرة العديد من الأمراض والاضطرابات النفسية، والتي ترتبط بظروف العمل أو الدراسة أو ما شابههما، ومن أمثال هذه الاضطرابات متلازمة الاحتراق النفسي.
ويقصد بهذه الحالة الشعور بالإرهاق والتعب المستمر، ويكون السبب الرئيسي له هو العمل تحت ضغط من المستوى الأعلى، ما يجعل الموظف يعمل ساعات إضافية ويضغط على نفسه، وبالتالي فإنه ينسحب من محيطه الاجتماعي.
ويصاب بسبب هذا الأمر بالفراغ الداخلي، وتتلاشى أو تستنفد كل طاقاته الإيجابية، الأمر الذي ينعكس على سلوكياته وتصرفاته، ويفقد الشعور بالسعادة في كل جوانب الحياة عموماً.
ونتناول في هذا الموضوع مرض متلازمة الاحتراق النفسي بتفاصيله، مع بيان العوامل والمسببات التي تدفع إلى ذلك، وأيضاً نكشف الأعراض التي تظهر، مع بيان طرق الوقاية الممكنة وأساليب العلاج المتبعة والحديثة.

إجهاد العمل

لا يتوفر تعريف محدد لمتلازمة الاحتراق النفسي، وإن كان الرابط المشترك بين كل تعريفاتها أنها تحدث بسبب الإجهاد في العمل أو خلافه.
وتتضمن مجموعة الروابط بين هذه التعريفات الإجهاد العاطفي والابتعاد عن أي أنشطة متعلقة بالعمل، وهو الأمر الذي يترتب عليه انخفاض الأداء في العمل أو البيت، وكذلك رعاية الأسرة
ويتعرض للإصابة بهذا الاضطراب الأشخاص الطموحين، وأصحاب الدوافع القوية لتحقيق ما يصبون إليه، وكذلك هؤلاء الذين يبحثون عن الثناء والتقدير على حساب أي شيء آخر، حتى لو كانت المتطلبات الأساسية، وأيضاً من يربطون الأداء المهني بالرضا عن ذواتهم، وبالتالي فإن العمل يعتبر اهتمامهم الوحيد، وهو بمثابة ملاذ أو مهرب من أي جوانب حياتية أخرى.

الجميع معرضون

كان يتم التعامل مع متلازمة الاحتراق النفسي سابقاً على أنها مرض متعلق بالمهن القائمة على مساعدة الآخرين، وكذلك بتلك المرتبطة بالتزامات كثيرة وكبيرة، مثل المدرسين والعاملين في المهن الطبية والأخصائيين الاجتماعيين.
وأدى اتساع المعارف وسياق العصر إلى زيادة مخاطر هذا الاضطراب على أطياف أخرى من البشر أياً كان مجال عملهم، وأصبح أي شخص عرضة للإصابة بمتلازمة الاحتراق النفسي، إلا أن الفرق في الكم وليس في النوع.
وترتبط الإصابة بهذه الحالة بالأعمال والوظائف التي تحتاج الكثير من الوقت والجهد، وهو ما يفوق طاقة المصاب، وكذلك هؤلاء الذين يحسون أن ما يقومون به من أعمال يفوق طاقاتهم، وأنهم لا يحظون بالتقدير الكافي، وإضافة إلى ذلك لا تتوفر لهم فرصة الحصول على إجازة أو ترقية، بالرغم من الفترات التي يقضونها في وظائفهم.
وينطبق هذا الأمر مثلاً على ربة المنزل المسؤولة عن رعاية عدد من الأطفال، إضافة إلى أعمالها المنزلية ورعايتها لأبيها المسن.

الفئات الأكثر إصابة

أكدت دراسة حديثة، أن الابتسامة المصطنعة التي تظهر على وجوه العاملين في محال الوجبات السريعة تدل على سعادة مصطنعة، وهو ما يزيد من إحساسهم بالضغط واستنزاف الطاقة، وأظهرت دراسة أخرى أن الأجور المنخفضة، والمهام الرتيبة المرتبطة بهذا المجال، وراء إصابة العديد من العاملين به بالاكتئاب، ما يتسبب بحدوث نوع من الاحتراق.
وذكرت الدراسة، أن من المهن المعرضة للإصابة بمتلازمة الاحتراق النفسي هم الأطباء، فهناك ما يزيد على 45% من الأطباء يتعرضون للإرهاق الشديد، نتيجة طلبات المرضى وساعات العمل الطويلة، وزيادة الأعباء الإدارية، وتزيد نسبة الإرهاق في تخصصات أخرى مثل طب الطوارئ.

الممرضون والمدرسون

أضافت الدراسة، أن الممرضين عرضة كذلك للإصابة بالاحتراق، ما يغير من سلوكياتهم ناحية المرضى على المدى الطويل، ويتعرض كذلك الأخصائيون الاجتماعيون لهذه الحالة، بسبب ما يواجهونه يومياً من مشاكل الحياة الشخصية للآخرين.
وتعد مهنة التدريس، إحدى أبرز المهن التي يصاب العاملون بها بالاحتراق النفسي، ومعدل الإصابة أكبر من أي وظيفة عامة أخرى، ويعود ذلك إلى التعامل مع الطلاب وطرق توصيل المعلومة، ويعتبر المدرسون الأصغر سناً أكثر عرضة للإصابة من الأقدم، كما أن مديري المدارس أكثر إصابة؛ حيث يعاني ما لا يقل عن 73% منهم أعراض متلازمة الاحتراق النفسي.
وتعد إصابة ضباط الشرطة بهذا الاضطراب من الأمور العادية، وذلك لأن طبيعة العمل في هذا المجال تتطلب التعامل مع نوعيات من البشر والأحداث غير العادية، وفي الأغلب فإن هذا الأمر يلقي بظلاله عليهم.

سمات الشخصية

تلعب عوامل أخرى دوراً في الإصابة بمتلازمة الاحتراق النفسي، ومنها أسلوب حياة المصاب؛ حيث يستمر في العمل دون الحصول على وقت كاف للاسترخاء والحياة الاجتماعية، ويتحمل العديد من المسؤوليات من غير مساعدة الآخرين، وبالتالي فإنه لا يحصل على كفايته من النوم.
وتسهم بعض السمات الشخصية في الإصابة بهذا الاضطراب، مثل ميل الشخص إلى الكمال والنظرة التشاؤمية إلى نفسه أو العالم من حوله، وشعوره بالرغبة في السيطرة على كل شيء، وبالتالي فإنه يتردد في تفويض الآخرين، ويميل هذا الشخص إلى تحقيق الإنجاز في أي عمل يوكل إليه.

اختلاف القيم

يمكن أن ترتبط الإصابة بهذه المتلازمة بإحساس المصاب أنه يفقد السيطرة على العمل، بسبب عدم حصوله على مكافآت مجزية، أو الطبيعة غير الواضحة للعمل أو الوظيفة، وكذلك المبالغة في متطلبات العمل، أو أن يتسم بالرتابة والروتين، وإضافة إلى ذلك وجود ضغط عال أو فوضى في بيئة العمل.
وتتسبب اختلاف منظومة القيم في الإصابة بالاحتراق النفسي، وعلى سبيل المثال عندما تختلف القيم الأخلاقية للمصاب مع قيم صاحب العمل أو الرئيس المباشر، وكذلك مجموعة العمل أو الزملاء، فهذا الأمر سيكون له مردود سلبي يؤدي إلى هذا الاضطراب.
وتشــــمل العوامل التــــي تؤدي إلى الاحــــتراق النفـــــســــــي عدم توفـــــــــر توازن بين العـــــــمل والحـــــياة الاجتمـــاعية للمصاب، وأمثال هؤلاء يعانون استغراق أعمارهم في العمل والوظيفة، وبالتالي عدم توفر وقت لديهم للعائلة والأصدقاء.

الإرهاق والتعب الصباحي

يوجد صعوبة في التمييز بين الإحساس بالإرهاق عقب يوم عمل طويل وبين الاحتراق النفسي، ويعد التزام المصاب بالصمت عن بعض الضغوط التي يتعرض لها، وذلك حتى لا ينظر إليه على أنه لا يبذل قصاري جهده، من الأعراض البارزة عن الاحتراق.
ويمكن أن يؤدي هذا الأمر إلى معاناته من الصداع وآلام في المعدة، واضطرابات النوم أو المزاج المتعكر وصعوبة التركيز.
وتتطور الأعراض في خلال فترة زمنية طويلة إلى حالة من الأرق، بسبب التفكير في الضغوط والإساءات التي تعرض لها المصاب، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم وضعف المناعة والاكتئاب.
ويعاني المصاب، الاحتراق من التعب والإعياء الجسدي صباحاً، بالرغم من أنه يحصل على كفايته من النوم، كما يشعر بالإرهاق المستمر والرغبة في الهروب والتشاؤم والانعزال.
ويشعر بالغضب من زملاء العمل، مع شعور بعدم تحقيق إنجازات، ويمكن أن تظهر بعـــــــض الأعراض الجسدية، مثل كثرة الإصابة بنزلات البـــرد والإنفلونزا والغثيان.
ويتسبب استمرار الضغط النفسي باستمرار أعراض هذه المتلازمة، حتى بعد انتهاء العمل والعودة إلى المنزل.

تدرب على الاعتذار

تزداد أعراض متلازمة الاحتراق النفسي عندما يتجاهــــلها المصاب، وينصح بعدد من الإجراءات التي تســـــاعد على اســـتعادة التوازن من ناحـــية، ومن جانب آخــــر تمنع الاحــــتراق من أن يتحول إلى انهيار كامـــل، وتــــبدأ هـــذه الخطوات ببداية برنامج اليوم بالاسترخاء وقــــــضـــاء بعــــض الـــوقـــــــت فــــي أداء تمـــرينات رياضية.
يجب الالتزام بالعادات الصحية السليمة والتي تشمل الطعام الصحي والنوم المنتظم، وهو ما يمنح الشخص الطاقة والمرونة اللازمتين حتى يتعامل مع متاعب الحياة المختلفة ومتطلباتها.
وينبغي على الشخص المعرض لهذه المتلازمة التدرب على ثقافة الاعتذار، وذلك عندما يطلب منه أحد فعل شيء لا يريده أو لا يستطيعه، وإلا يكون تلبية هذا الأمر على حساب وقته وراحته.

راحة من التكنولوجيا

يعتبر من الأمور المفيدة، الحصول على راحة من التكنولوجيا، ويمكن تغذية الجانب الإبداعي من خلال الهويات المفضلة، وكذلك الأنشطة المختلفة البعيدة عن مجال العمل.
ويفيد طلب الدعم والمساعدة سواء من زملاء العمل أو الأصدقاء وكذلك الأسرة، فربما ساعد هذا على تفهم معاناة التعامل مع مشاعر الإرهاق والإجهاد الوظيفي، ويمكن الاستفادة من تفويض المسؤوليات، وهو الأمر الذي يجنب تحمل الأعمال والأعباء الزائدة وزيادة الضغوط المختلفة.
ويجب تحديد الأولويات للتعامل مع المهم منها أولاً، وإنجاز المهام الصعبة في وقت مبكر، فهذا يجعل بقية اليوم ممتعة أكثر، ويجب أيضاً مقاومة التفكير السلبي، لأنه يستنزف الطاقة، مع محاولة التخفيف من التوتر بالفكاهة والروح المرحة.

الإشارة الأولى

كان أول من كشف متلازمة الاحتراق النفسي أحد أطباء الأمراض النفسية، ويدعى هارلود برادلي، وبين أن أحد أنواع الضغوط التي تتعلق بالعمل، وهو ما أطلق عليه الاحتراق النفسي.
وأكد المحللون والعلماء النفسيون بعد ذلك أن الأشخاص يقعون في بعض الأحيان ضحايا للحرائق كالمباني، وتحت وطأة توترات الحياة، فإن مواردهم الداخلية تستهلك تاركة فراغاً داخلياً هائلاً.
وكان يجري تصنيف هذا الاضطراب في البداية على أنه خلل ينتج عن طبيعة بعض المهن، وبخاصة التي تعتمد على مساعدة المحيطين، وأثر هذا الاعتقاد في النظرة لهذه المتلازمة، إلا أن التقدم الطبي المستمر أدى إلى معرفة وفهم هذه الحالة الصحية، وتأثر جميع الفئات بها.
وشهدت فترة السبعينات الكثير من التقارير والمقالات التي نشرت في دوريات متخصصة عن متلازمة الاحتراق النفسي، إلا أنها لم تحظَ بالاهتمام الأكاديمي الكافي في هذا الوقت.