الحموضة..عرض لأمراض متعددة

مقالات

تحقيق: راندا جرجس

يعاني العديد من الأشخاص في مختلف المراحل العمرية من المشكلات المرتبطة بحرقة المعدة أو الحموضة التي تتركز أعراضها في الجزء العلوي من البطن، وتتمثل في الشعور بآلام مختلفة وامتلاء المعدة بعد تناول الطعام، والإحساس بالشبع مبكراً، وفي معظم الحالات تكون الحموضة عرضاً مرافقاً لبعض الأمراض التي تصيب المريض، مثل عسر الهضم الذي يعد شائعاً بين النساء أكثر من الرجال بنسبة 20% إلى 25%، وكذلك الإصابة بالقرحة المعدية التي تعتبر من أهم الآفات التي ترافقها حرقة المعدة.
تقول الدكتورة زينب صبري، اختصاصية الأمراض الباطنية: الحموضة عارض يشعر به المريض نتيجة زيادة في إفراز حامض المعدة، ويحدث ذلك عن طريق الإحساس بحرقة في المعدة أو استرجاع مادة حمضية في المريء، وربما يصاحب الأعراض ألم في المعدة على شكل تقلص أو مغص، وتتمثل الأسباب التي تنتج عنها الإصابة بالحموضة في:
* الالتهابات البسيطة أو المزمنة في الاثني عشر أو المعدة.
* جرثومة المعدة أو ما يسمى الجرثومة الحلزونية.
* الارتجاع المريئي.
* قرحة المعدة والاثني عشر.
* مشاكل المرارة و العصارة الصفراء، التي تكون مصحوبة بحرقة أو آلام في المعدة.
* تقلبات معدية نتيجة أكلات معينة مثل الفلفل الحار، زيادة كمية البهارات في الطعام، الأكلات الدسمة والدهنية، الوجبات السريعة وغيرها.
* تناول الأدوية التي تعالج مشكلات العضلات والمفاصل؛ حيث تعرف بأنها مسكنات الألم غير الحاوية على الكورتيزون، بالإضافة إلى الأسبرين.

عوامل التشخيص

توضح د. صبري أن التشخيص عادة يكون من خلال أخذ التاريخ المرضي الجيد من المريض، والسؤال عن المسببات وكيفية حدوث العارض، أما الفحص السريري فيظهر عادة سليماً وأحياناً نلاحظ بعض الآلام في منطقة المعدة وأسفل عظمة القفص الصدري، بالإضافة إلى إجراء بعض الفحوص للتأكد من أن هذه المشكلة غير مصحوبة بمشاكل صحية أخرى، وعند استمرار الشعور بالآلام على الرغم من العلاج وسلامة التحاليل، يجب أن يخضع المريض لمنظار للمعدة من أجل الكشف عن سلامة جدار المريء، المعدة، والاثني عشر، من الالتهابات والتقرحات وغيرها.

علاج الحموضة

تحذر د. صبري من أن استمرار أعراض الحموضة يسبب ضيقاً، وعدم راحة للمريض، واضطرابات في النوم، ما ينتج عنه صعوبة في التركيز أثناء العمل، وهناك بعض الحالات المرضية التي تؤثر فيها زيادة إفراز الحامض بدون علاج على المعدة والمريء، وربما تؤدي إلى التهابات حادة أو مزمنة في بعض الأحيان، وتحتاج إلى فترات علاج أطول.
تضيف: توصف الأدوية التي تساعد على تخفيف إفراز الحامض المعدي من خلال مستقبلات موجودة في جدار المعدة، لتقليل إفراز الحامض المعدي، كما تتوافر عدة أنواع من الأدوية التي تعمل بطرق مختلفة من أجل هذا الغرض، كما يوجد الشراب الدوائي الذي يعمل كطبقة واقية لجدار المعدة من تأثير الحموضة، وتقلل من أفراز الحامض، أو كحبوب تستعمل لنفس الغرض.

تدابير وقاية

توصي د. صبري بضرورة معرفة أسباب الإصابة التي تعتبر أهم طريقة للوقاية من مشكلة الحموضة، مع اتباع نظام غذائي صحي يعتمد على تناول ثلاث وجبات يومياً بكميات بسيطة، من ضمنها وجبتان خفيفتان من أجل تقليل تعرض المعدة للحامض المعدي، والحد من زيادة الألم والعارض، بالإضافة إلى:
* عدم تناول الوجبات ثم الاستلقاء بعدها أوالنوم الذي يزيد من المشكلة.
* النوم على الجهة اليسرى أو وضع الفراش على درجة 45.
* الابتعاد عن المسببات مثل الأطعمة الدسمة والسريعة، والمأكولات المليئة بالبهارات والدهون، وكذلك الحوامض ومعجون الطماطم.
* التقليل من استعمال مسكنات الألم والأسبرين والكورتيزون بدون استشارة الطبيب، واستخدام الأدوية التي تحمي جدار المعدة مع العلاج.
* استشارة الطبيب المختص عند استمرار المشكلة من أجل إجراء الفحوص الطبية وعمل اللازم.

القرحة الهضمية

يشير الدكتور مشهود فيليوث، مختص أمراض الجهاز الهضمي، إلى أن الأدوية اللاسترويدية والعقاقير المضادة للالتهابات وعدوى البكتيريا الملوية البوابية تشكّل مسببات رئيسية للقرحة الهضمية؛ حيث إن الملوية البوابية هي بكتيريا تصيب المعدة بالعدوى، ويتراوح انتشارها ما بين 7% إلى 70% بحسب التعداد السكاني، وربما تظهر العدوى المكتسبة خلال مرحلة الطفولة على شكل قرحة هضمية في سنوات لاحقة، وانخفضت مؤخراً نسبة الإصابة بعدوى الملوية البوابية نتيجة لتوافر المرافق الصحية الجيدة والأغذية وإمدادات المياه الآمنة، كما تعتبر الجرعات المنخفضة من الأسبرين مسبباً رئيسياً للقرحة الهضمية، وخاصة عند كبار السن، وكذلك الأدوية اللاسترويدية والعقاقير المضادة للالتهابات، وهناك 20% من حالات الإصابة بالقرحة الهضمية لا يمكن التعرف إلى أسبابها، ويشكل التدخين والتوتر والإفراط في تناول الكحول بعضاً من العوامل المسببة للقرحة الهضمية، وتجدر الإشارة إلى أن المرضى المصابين بالقرحة الهضمية يعانون من تقرحات وتآكل في المعدة والاثني عشر، وهناك نوعان من القرحة:
* القرحة المعدية وتعد أكثر شيوعاً عند كبار السن.
* قرحة الاثني عشر التي تظهر خلال الفترة العمرية 30 إلى 60 عاماً، وبشكل أكثر شيوعاً عند الرجال.

مسببات مرضية

يذكر د.فيليوث أن 70% إلى 80% من مرضى عسر الهضم ينتمون إلى فئة المرضى المصابين بعسر الهضم غير التقرحي أو الوظيفي، وترتبط عوامل وأمراض مثل التوتر، والحساسية المتزايدة للمعدة والاثني عشر تجاه الحمض، ومرضى ارتجاع المريء بالحموضة، وتستهدف الحموضة أو حرقة المعدة والارتجاع المعدي المريئي الرجال والنساء بالتساوي، وتتراوح نسبة انتشار هذا المرض حول العالم بين 42% إلى 54%، وهناك زيادة تدريجية في معدلها بسبب البدانة وخاصة «الكرش»، وتعتبر حرقة المعدة من الأعراض الشائعة التي تواجهها النساء أثناء الحمل؛ حيث تصاب ما بين 8 إلى 10 سيدات بأعراض حرقة المعدة نتيجة تغيرات هرمونية وجسدية، ويمكن للأطعمة الحارة والدهنية أن تسرّع الإصابة بها.

عسر الهضم

يشير الدكتور محمد خير عجة، مختص أمراض الجهاز الهضمي، إلى أن عسر الهضم إحساس مزعج يتلو تناول الطعام مباشرة، وربما يمتد لساعات يتضمن ألماً أو ثقلاً بالشرسوف (أعلى البطن وأسفل الصدر)، مع انتفاخ وتطبل البطن، والغثيان، والقيء، وربما يترافق أحياناً بارتداد حامضي إلى البلعوم والمريء، وينتشر الألم إلى الجانب الأيمن، إضافة إلى تجشؤات أو إفراغ غازات من البطن، وإسهال أو إمساك، وربما تحدث هذه الأعراض عند تناول كمية صغيرة من الطعام أو مرافقة للتخمة، وتزداد عند تناول الأطعمة الدهنية أو الحريفة، وهناك أسباب متعددة لعسر الهضم منها سوء حركية المعدة والأمعاء، أو فرط الإفراز الحمضي في المعدة، أو نقص الأنزيمات الهضمية في الأنبوب الهضمي المفرزة من المعدة، أو مشكلات البنكرياس، أو خلل في وظيفة المرارة والكبد والطرق الصفراوية، أو الإصابة بالملتوية الحلزونية البوابية، أو تقرحات المعدة والاثني عشر، ونقص وصول الدم إلى الأمعاء.
يضيف: في بعض الحالات يكون عسر الهضم عرضاً في سياق أمراض أخرى، كالقرحات الهضمية، أو التهابات القولون المزمنة، أو سوء الامتصاص في الأمعاء الدقيقة، أو الأورام، وكذلك داء السكري، وربما آفات الكبد والكلى، وتناول بعض الأدوية، والاضطرابات الهرمونية والنفسية، والتوتر، والقلق، والعادات الغذائية السيئة، وتناول الطعام بسرعة، والتدخين، والكحول.

إجراءات علاجية

يوضح د. عجة أن عسر الهضم يتم تشخيصه عن طريق الاستماع إلى القصة السريرية للمريض، وإجراء بعض الفحوص المخبرية والتحاليل لاستبعاد احتمالات الإصابة بالالتهابات الجرثومية والفيروسية والطفيلية، أو سوء الامتصاص، أو فرط إفراز الحمض، أو السكري، الهرمونات، وتحري وظيفة المعدة والأمعاء، وكذلك التصوير بالأمواج فوق الصوتية، والتنظير الهضمي للبحث عن التقرحات والأورام، ودراسة حركية المريء والمعدة وأحياناً المرارة، دراسة البنكرياس، الكبد، الكلى والاضطرابات الهرمونية.
يضيف: نستخلص من كل ما سبق أن عسر الهضم اضطراب يصاحب عدداً من الأمراض، أو يكون معزولاً كحس الانزعاج بعد الطعام، مع حرقة وحموضة خلف القص، وغالباً ما يكون ناجماً عن زيادة الحمض بالمعدة أو ارتداد الحمض إلى المريء بسبب ضعف المعصرة السفلية للمريء، أو نتيجة تناول الأطعمة السريعة والدهنية التي تحتاج لفترة أطول من الزمن للهضم، ما يجعله يؤثر في جودة الحياة ويضعف إنتاجية المريض، ويتطور إلى أمراض أكثر خطورة مثل أورام المعدة والمريء وسوء التغذية لقلة تناول الطعام، وهناك بعض التدابير التي يجب اتباعها للوقاية من عسر الهضم مثل:
* تناول الطعام ببطء وبكميات معتدلة وتجنب الطعام الدهني والحريف.
* الإقلال من الكافيين والتدخين والامتناع عن الكحول والمشروبات الحامضة والغازية.
* تجنب الأدوية المسببة لعسر الهضم.
* مراعاة الاضطرابات الهرمونية والتوتر والقلق.
* معالجة السبب المرضي حال وجوده.

اختبار برافو

تعد الحموضة من المشكلات التي تسبب الإزعاج للمصاب، وربما تكون عرضاً مرافقاً لبعض الأمراض الأخرى، ولتحديد نوع العلاج ومتابعة الشفاء، يجب أن يخضع المريض للفحوص والاختبارات الاعتيادية، إضافة إلى «اختبار برافو» الذي يؤكد أو ينفي وجود الإصابة بمرض الارتجاع المعدي المريئي عن طريق قياس مستويات الحموضة في المريء، ويتم إجراء هذا الاختبار عن طريق تثبيت كبسولة صغيرة الحجم على جدار المريء بشكل مؤقت، ويجب أن يتم ذلك أثناء عمل تنظير القسم الأعلى من الجهاز الهضمي؛ حيث ترسل الإشارات بطريقة لاسلكية إلى جهاز استقبال، لتسجيل أعراض الارتجاع المعديّ المريئي مثل حرقة المعدة.