«الغيبوبة»..تفاصيل الغياب المؤقت عن العالم

مقالات

تعد الغيبوبة إحدى الحالات الطبية الطارئة، والتي تحتاج إلى بعض الإجراءات السريعة، بهدف المحافظة على حياة المصاب، وكذلك وظائف الدماغ الحيوية.
ويعرف الأطباء هذه الحالة بأنها فقدان للوعي فترة زمنية طويلة بشكل نسبي، وتتسبب في فقد المصاب بها لقدرته على الاستجابة إلى المحيط الخارجي، أو التجاوب مع المحفزات المختلفة، كالألم أو الصوت أو الضوء، ويبدو وكأنه نائم.
تحدث الغيبوبة كنوع من الاستجابة لعوامل فسيولوجية عديدة داخل جسم الشخص، والتي تتضمن السكتة الدماغية وأورام الدماغ، وحالات التسمم بالمخدرات أو الخمور، وكذلك إصابات الرأس المباشرة، بالإضافة إلى بعض الأمراض المزمنة أو الكامنة كداء السكري أو أمراض الكبد، وغيرها من المشاكل الصحية الأخرى.
ونتناول في هذا الموضوع مشكلة الغيبوبة بكل تفاصيلها، مع تقديم العوامل والأسباب التي تؤدي إلى الإصابة بها، وكذلك المقدمات التي يمكن أن تسبقها أو تمهد لها والأعراض التي تميزها، مع بيان طرق الوقاية الممكنة وأساليب العلاج السريعة والحديثة، ونستعرض الدراسات التي أجريت في هذا الشأن.

تدابير دفاعية

تكشف دراسة أمريكية جديدة أن الجسم البشري يلجأ إلى بعض التدابير الدفاعية، وذلك بهدف حماية الأعضاء الحيوية الهامة وبالذات الدماغ، ومن هذه الطرق استخدام الغيبوبة.
ويصعب في الغالب تشخيص الغيبوبة، غير أنها لا تستمر في أغلب الحالات لأكثر من 4 أسابيع، وبعدها يبدأ المريض في التعافي بصورة تدريجية، وتوجد بعص الحالات التي تستمر في الغيبوبة لعدة سنوات.
ويمكن تقسيم الغيبوبة إلى نوعين الأول وهي العميقة، وتستمر من أسبوعين إلى شهر، ويستيقظ بعدها المصاب، ما لم يدخل في النوع الثاني.

علامة رقمية

يطلق على النوع الثاني مسمى الغيبوبة النباتية، وأطلق عليها هذا الاسم لأنها تشبه النبات، وفي هذا النوع يفقد المصاب القدرة على الكلام والإحساس بالمحيطين.
ويوجد حالياً ما يطبق عليه مقياس جلاسكو، والذي يحدد علامة رقمية تدل على مدى عمق الغيبوبة، وذلك من خلال الاعتماد على قدرة المصاب على فتح عينيه، أو الاستجابة الشفوية والحركية لأي منبّه.
ويعتمد الأطباء على هذا المقياس لتحديد شدة وتأثير الغيبوبة، ومراقبة التحسن الطارئ الذي يظهر على المصاب.

إصابة الرأس

تتعدد أسباب الإصابة بالغيبوبة، وذلك لأنها ليست مرضاً، وإنما شكل من أشكال الدفاع الذي يتخذه الجسم ضد أي مرض أو خطر يؤثر على التوازن الحيوي داخلها.
وتعد إصابات الدماغ بشكل مباشر، أبرز أسباب الإصابة بالغيبوبة، حيث تؤدي إصابة الرأس إلى زيادة الضغط والنزف وفقدان الأكسجين، بالإضافة إلى تكون السموم، ومن الممكن أن يتسبب فيها كذلك أي خلل في دورة الدم بالدماغ.
وتتضمن أبرز أسباب الإصابة بالغيبوبة الصدمة، والتي لها تأثير على مناطق من الدماغ المسؤولة عن الوعي، وكذلك تورم نسيج المخ.
ويسبب هذه الحالة كذلك النزيف والسكتة الدماغية، والتي يؤدي إليها توقف التروية الدموية لخلايا الدماغ، وأيضا أي خلل في سكر الدم، سواء كان بالارتفاع أو الانخفاض.

نوبة قلبية

وتتسبب ضعف كميات الأكسجين أو الحرمان منه في حدوث الغيبوبة، وهو الأمر الذي يمكن أن يحدث نتيجة الإصابة بنوبة قلبية أو التعرض للغرق.
ويؤدي أي التهاب يصيب الدماغ، كالتهاب السحايا، والتهاب النسيج الدماغي، وكذلك نوبات الصرع المتكررة إلى حالة الغيبوبة.
ويمكن أن تعود الغيبوبة إلى ارتفاع معدل السموم في الجسم، حيث تنتج الأمونيا عن أمراض الكبد، وثاني أكسيد الكربون بسبب حالات الربو الشديد، والفشل الكلوي يؤدي إلى إنتاج اليوريا.
ويعتبر الكحول من هذه السموم، والذي ربما أدى زيادة كمياتها بنسب عالية في الدم إلى التأثير على خلايا الدماغ، وبالتالي الإصابة بالغيبوبة.

العيون المغلقة

تشتمل الغيبوبة على عدد من الأعراض، ومنها ردود فعل جذع الدماغ المثبطة، حيث لا يستجيب بؤبؤ العين لأي مؤثرات ضوئية، بالإضافة إلى عيون المصاب المغلقة.
وتفقد أطراف الجسم الاستجابة، باستثناء حركات ردود الفعل، وكذلك لا تكون هناك استجابة للمحفزات المؤلمة، ما عدا رد الفعل، ويصبح تنفس المصاب غير منتظم.
ويعتمد الأطباء في تشخيص حالة المصاب بالغيبوبة على المعلومات التي يحصلون عليها من المحيطين بالمصاب، وذلك لأنه يكون غير قادر على التعبير عن نفسه وتوضيح ما حدث له.
ويمكن اللجوء إلى بعض الفحوص، والتي تشمل فحص ردة فعل جسم المصاب، ونمط التنفس لديه، وكذلك فحص الدم وحجم البؤبؤ، بالإضافة إلى البحث عن أعراض لوجود كدمات في الجسم.

قروح وجلطات

يشير الأطباء إلى أن الغيبوبة يمكن أن تسبب بعض المضاعفات، والتي ترتبط بالسبب الرئيسي وراء الإصابة بها، وإن كان هناك بعض المضاعفات التي ترجع إلى الحالة نفسها.
ويمكن أن يعاني المصاب بالغيبوبة من قروح بسبب طول فترة النوم، وكذلك حدوث التهابات بالمثانة، وجلطات دموية في الساقين، وغيرها من المشاكل الصحية.
ويمكن أن تسبب هذه الحالة في الإصابة بجلطة رئوية أو التهاب رئوي، وكذلك نتيجة ضعف عضلات الجسم، بسبب عدم استخدامها فترة طويلة.
ويمكن أن يفقد الشخص المصاب بعض القدرات العقلية والفكرية عندما يستيقظ منها، وخاصة تلك التي تتعلق بالذاكرة والقدرة على حل المشاكل.

السبب أولاً

يعتمد علاج الغيبوبة على معرفة السبب وراء الإصابة بها، ففي حالة العدوى مثلاً يتم إعطاء المريض مضادًا حيويًا، وفي حالة هبوط السكر يعطى المصاب جرعة من الجلوكوز.
ويمكن أن يحتاج المريض إلى تدخل جراحي عاجل، وذلك لإزالة ورم كان سببًا في الغيبوبة، ويظل المريض في جميع الأحوال داخل غرفة العناية المركزية حتى تتحسن الحالة.
وتختلف الغيبوبة في حالات الحوادث عن اضطراب ما بعد الصدمة، ما يعني أن الغيبوبة حتى تقع يجب حدوث رضة أو إصابة فعلية للدماغ كي يدخل الشخص فيها، في حين أنه لا تحدث نتيجة ردة فعل سيكولوجية، مثل التي تحدث في حالات اضطراب ما بعد الصدمة.

التروية الدموية

يتم التعامل بصفة عامة مع الغيبوبة على أنها مشكلة طارئة، ويقوم الأطباء في هذه الحالة بالتحقق من العملية التنفسية لدى المصاب، وكذلك مستوى ضغط الدم، بهدف التأكد من أنه ليس هناك خطورة على حياته، أو تضرر أجهزة الجسم الحيوية، أو نقص تغذية خلايا المخ التي تموت في عدة دقائق.
ويجب الاهتمام بالتروية الدموية للدماغ أثناء فترة الغيبوبة، بالإضافة إلى توفير مستويات الأكسجين اللازمة، والتي تصل إلى الدماغ عن طريق الدم، وذلك لأن ضعف التروية أو نقص الأكسجين يؤثر بشكل كبير على صحة أجزاء من الدماغ.
ويمكن أن يؤخر هذا الأمر موعد قرب الإفاقة، أو أن يتسبب في تلف بعض خلايا الدماغ، وفي بعض الحالات تصل إلى درجة الموت الدماغي.

مضادات حيوية

يمكن أن يعطى المصاب مضادات حيوية في حالات غيبوبة السكر، أو عند الاشتباه في أن الغيبوبة سببها التهاب دماغي.
ويلاحظ أن هناك حالات ربما تستيقظ من الغيبوبة، إلا أنه يفقد جزءًا من وظائفه الحيوية، وبصفة عامة فإن الشفاء في الحالات التي نتجت عن التسمم الدوائي تكون أعلى من غيرها، وكذلك إصابات الرأس تكون أكبر من التي تنتج عن فشل عضوي معين.
وتتراجع فرص الشفاء من الغيبوبة في الحالات التي تستمر مدة زمنية طويلة، فهناك بعض الحالات تصل من 10 إلى 20 سنة في الغيبوبة، ويمكن ألا تستمر الغيبوبة لأكثر من بضعة أسابيع.

التأثير العاطفي

كشفت دراسة طبية حديثة أن الشخص الواقع تحت تأثير الغيبوبة العميقة يمكن له أن يشعر بمن يحب، ونجح الفريق القائم على الدراسة بإثبات هذا من خلال التصوير بالرنين المغناطيسي والماسحات الضوئية، وقياس تدفقات الدم في الدماغ أثناء الغيبوبة.
وأثبت الباحثون أن المناطق الدماغية التي تصاب بالغيبوبة ربما تأثرت عندما تعرض عليها صور لأشخاص أحبهم المريض قبل دخوله في الغيبوبة.
ولاحظوا كذلك أن مستويات الوعي في الأدمغة التي تضررت يمكن لها أن تستعيد بعض النشاط عند التعرض لأي مثير عاطفي.
وتنعكس المثيرات البيئية المختلفة على دماغ المصابين بالغيبوبة على هيئة إشارات تتراوح بين الشدة والضعف، وذلك بحسب قيمة المؤثر العاطفية.
وأجرى القائمون على الدراسة بعض التجارب على أشخاص عانوا غيبوبة عميقة استمرت بضعة شهور، حيث استدعوا عدداً من الأقارب، وطلبوا منهم التحدث بصوت مرتفع بجانب المصاب.
وقام الأطباء بقياس مستويات تدفق الدم إلى الدماغ، ولاحظوا نشاطاً في الإشارات الكهربائية التي تصدر من المخ، وبمقارنة هذه النتائج بتجارب أخرى أجريت على من لا يعاني أي ضرر، وجد تشابه في تكوين الإشارات الكهربائية، ما استنتج منه الباحثون قدرة الغائب على الشعور بمن يحب، حتى وإن كان واقعاً تحت تأثير اللاوعي في الغيبوبة.