المتلازمات الجينية..حالات دقيقة ومضاعفات خطيرة

مقالات

تحقيق: راندا جرجس

تصنف المتلازمات الجينية على أنها مجموعة من الأعراض التي تنشأ عن أسباب وراثية أو مكتسبة، وتشكل خطراً على المصاب بها، وينتج عنها تغييراً في الصفات الجسدية والعقلية وتأخر في مراحل النمو والإدراك الوظيفي، وأظهرت الدراسات أن هناك حوالى 1500 متلازمة تقريباً تم اكتشافها من قبل العلماء، وأكثرهم انتشاراً متلازمة داون التي يتميز المصابون بها بملامح الوجه المختلفة عن الأشخاص الطبيعيين، ولا توجد حتى الآن علاجات أساسية للمتلازمات ولكن يعتمد التعامل معها على إعادة التأهيل لتهيئة الطفل المصاب الاندماج في الحياة والمجتمع، وفى السطور القادمة يخبرنا الخبراء والاختصاصيون عن هذه المشكلة تفصيلاً.
يقول الدكتور أحمد عبد الحق استشاري أمراض النساء والتوليد، إن متلازمة داون تعتبر من الأمراض الجينية متعددة الأعراض، التي تنتج عن خلل في الصبغيات (الكروموسومات)، ويتمثل في زيادة استنساخ الكروموسوم رقم (21) بشكل جزئي أو كلي، ويعتبر هذا المرض من اكثر أمراض الصبغيات انتشاراً، ويصيب حوالي 1 من كل 800 مولود، وتتفاوت نسبة الإصابة تفاوتاً طردياً مع عمر الأم، ففي حين يبلغ خطر حمل جنين مصاب بهذه المتلازمة حوالي 1 في الألف عندما تكون الأم في بداية العشرينات من عمرها، ويرتفع إلى 3% إذا كانت السيدة الحامل في منتصف الأربعينات.
يوضح د.عبد الحق، أن أسباب الإصابة بهذا المرض لا تعرف حتى الآن، ويمكن القول إن الغالبية العظمى من حالات متلازمة داون، تحدث نتيجة مصادفة أو حادث جيني، وإذا أصيب أحد الأبناء بها، تكون هناك احتمالية بإصابة الجنين التالي لا تتعدى 1% إذا كان الأبوان طبيعيين، أما إذا كان الأب مصاباً بهذا المرض فإن قدرته على التخصيب غير ممكنة وإن لم تكن مستحيلة، وفى حال كانت الأم المصابة بهذه المتلازمة فإن إمكانية الحمل لديها تكاد تكون طبيعية، ولكن خطر انتقال المرض إلى الجنين ربما يبلغ 40 – 45%.

كرموسوم 21

يبين د.عبد الحق أن زيادة المادة الجينية الزائدة في الكروموسوم 21 تتسبب في العديد من التغيرات الجسدية والعقلية لدى المصاب، ومن أبرزها القصور العقلي، تأخر النمو، فتق السرة، ازدياد سمك جلد الرقبة، الضعف العضلي، رأس مسطح، عينان مائلتان متباعدتان، لسان ضخم بارز، كما يمكن أن تكون الإصابة مصحوبة بخلل في عمل جهاز الدورة الدموية والقلب، وكذلك اضطرابات في الجهاز الهضمي، ولا يمكن منع الإصابة أو تفاديها إلاّ باللجوء إلى تقنيات أطفال الأنابيب الحديثة، حيث إن هذه التقنية تتيح الآن معرفة التركيبة الصبغية للجنين، بحيث لا يصار إلى إرجاع الجنين المخصب خارج الرحم إلى الرحم مرة أخرى إذا كانت تركيبته الصبغية تشير إلى أي من المتلازمات المعروفة مثل متلازمة داون ومتلازمة إدوارد، ومتلازمة باتاو..الخ.

مراحل التشخيص

يذكر د.عبد الحق أن تشخيص إصابة الجنين بمتلازمة داون يمكن من خلال فحص السائل الأمنيوسي حول الجنين أو دم الحبل السري أو خلايا المشيمة أثناء الثلث الثاني من الحمل، وهو تشخيص مؤكد وإن كان مصحوباً بنسبة بسيطة من المضاعفات ومن أهمها احتمال الإجهاض، كما يمكن الآن تشخيص إصابة الجنين من خلال فحص دم الأم بعد الأسبوع العاشر من الحمل، وبدقة تصل إلى 97% من الحالات ودون مضاعفات، أما بعد الولادة فإن تشخيص المرض يستند إلى الملامح المميزة لمريض داون من جهة، وإلى بعض الخلل في وظائف الجسد أحياناً، ولكن التأكد من الإصابة لا يتم إلا بعد اختبار كروموسومات المولود وهو الفحص القاطع.

تدابير تشخيصية

يشير د. عبد الحق إلى أن حدة الإصابة بالمرض تتفاوت من شخص إلى آخر، وفي حين أن البعض من المصابين لا يمتد به العمر أكثر من العقد الأول، إلا أن الغالبية من مرضى متلازمة داون يعيشون إلى الخمسينات والستينات من العمر خاصة في الدول المتقدمة حيث تتوفر الرعاية الصحية المتطورة، ولا يوجد علاج لمتلازمة داون، فهي إصابة جينية بنيوية لا يمكن إصلاحها ولكن يتركز العلاج في تحسين نوعية الحياة وتوفير وسائل العيش الكريم والراحة للمصاب وعائلته ودمجه بالمجتمع المحيط به، كما أن ثمة نسبة ليست قليلة من المصابين ممن يتمتعون بدرجة جيدة من الذكاء والاستقرار الذهني والعقلي، ما يجعل انخراطهم في مجتمعهم ميسوراً.

خلال الحمل

تذكر الدكتورة جوري راماناثان، استشاري أمراض النساء والتوليد وطب الجنين، عادةً، لا توجد أعراض محددة مرتبطة بالمرأة الحامل بطفل مصاب بمتلازمة داون، ولكن ربما تشعر الأم في بعض الحالات بانخفاض نسبة حركة الجنين أو أن بطنها أكبر من المعتاد، ويمكن أن يرجع ذلك إلى أن الجنين المُصاب بمتلازمة داون يكون أصغر حجماً أو لديه كتلة عضلية أصغر، أو من المحتمل أن يكون محاطاً بكمية زائدة من السائل الأمنيوسي نتيجة لبعض التشوهات مثل نمو المعدة والأمعاء بشكل خاطئ، وبسبب ندرة الأعراض الخاصة بهذا الشأن، يتم إجراء اختبار لجميع النساء الحوامل لتحديد إمكانية إصابة طفلهن بمتلازمة داون، والعامل الوحيد المرتبط بزيادة خطر إنجاب طفل مصاب بمتلازمة داون هو عمر الأم، فكلما كانت الأم أكبر سناً، كلما زاد الخطر، ومع ذلك، فإن 80 % من الأطفال المولودين بمتلازمة داون ولدتهم نساء دون سن 35 عاماً، كما يمكن أن تلعب الوراثة دوراً بسيطاً، فعندما تنجب امرأة طفلاً مصاباً بمتلازمة داون، هناك فرصة بنسبة 1% أن تنجب طفلاً آخر مصاباً بالمتلازمة ذاتها.

مضاعفات المرض

توضح د. راماناثان أن متلازمة داون حالة خلل في التركيب الجيني للطفل، فبدلاً من وجود 23 زوجاً من الكروموسومات، وهي البنية التي تحتوي على جميع الصفات الوراثية لدينا، يعاني الطفل المصاب بمتلازمة داون من خلل في أحد هذه الأزواج الثلاثة والعشرين، وخصوصاً الكروموسوم 21، حيث توجد نسخة إضافية في هذا الصبغي بدلاً من وجود زوج فقط وتُدعى حينها بالتثلث الصبغي، وأحد المصطلحات الأخرى التي تدعى بها متلازمة داون هي التثلث الصبغي 21.
تضيف: إن هذه المادة الجينية الإضافية، تغير مسار النمو وتتسبب في حيازة المُصاب على بعض السمات البدنية المميزة، وتشمل هذه السمات كتلة العضلات الصغيرة وحجم الجسم الأصغر وميل العيون للأعلى ومظهر الوجه المسطح ووجود تجعّد عميق في منتصف راحة اليد، وقد يعاني الأطفال المصابون بمتلازمة داون من تطور غير طبيعي في المخ والقلب والكلى والمعدة والأمعاء. ومع ذلك، ربما يمتلك المصابون بالمتلازمة هذه السمات بدرجات متفاوتة أو قد لا يمتلكونها على الإطلاق، ولا توجد في الوقت الحالي خيارات علاجية متاحة للأطفال المصابين بمتلازمة داون.

تطورات طبية

تشير د. راماناثان إلى أن الفحوص الطبية عادةً تنطوي على اختبار الدم، ومن خلال النظر إلى عمر المرأة وإجراء فحص بالموجات فوق الصوتية للتحقق من سمك رقبة الطفل (مسح النواة)، يمكن تقدير نسبة إمكانية إنجاب طفل مصاب بمتلازمة داون، كما أصبحت الاختبارات الجديدة اليوم قادرة على فحص مادة الحمض النووي للجنين التي تدور في دم الأم، مع العلم أن هذه الاختبارات غير دقيقة في تشخيص متلازمة داون ونتيجتها غير حاسمة، والتشخيص الوحيد الحاسم والدقيق بنسبة 100% هو أخذ عينات من الزغابات المشيمية أو بزل السلى، ويجب الانتباه إلى أن هذه الإجراءات ربما تسبب الإجهاض اللاإرادي بنسبة 1 %.
يكمل: تجدر الإشارة إلى أن الأشخاص المصابين بمتلازمة داون أصبحوا مندمجين بشكل متزايد في المجتمع من خلال المدارس والأنشطة الاجتماعية، وسيعانون الأطفال المصابون بهذه المتلازمة من التأخّر العقلي الذي يتراوح من خفيف إلى شديد، ونظراً للتطورات الطبية، أصبح الأفراد المصابون بمتلازمة داون يعيشون لفترة أطول، وتصل أعمار حوالي 80% من البالغين منهم إلى 60 عاماً أو أكثر، وهناك العديد من الموارد المتاحة عندما يتعلق الأمر بالأبوّة والأمومة، بالإضافة إلى جمعيات متلازمة داون حول العالم لدعم الآباء والأمهات والأطفال المصابين.

متلازمة إدوارد

يبين الدكتور جميل عيتاني مختص طب الأطفال، أن متلازمة إدوارد من أصعب المتلازمات التي تستهدف الأجنة وهم بداخل الرحم، يكتشفها الطبيب النسائي خلال الأشهر الأولى للحمل عند إجراء الفحوص اللازمة، في الأسبوع العاشر أو السادس عشر للتأكد من سلامة الجنين ويجد خللاً في تكوين قلب الطفل، وهى تحدث نتيجة للعوامل الجينية والوراثية التي تُحدث خللاً في الكروموسومات، ووجود نسخة إضافية من الكروموسوم رقم 18، وتتميز متلازمة إدوارد بالإصابة بمشكلات القلب كالثقوب الكبيرة أو التشوهات الخطيرة وتتراوح درجاتها ما بين الخفيفة والمزمنة غير القابلة للعلاج وأكثرها شيوعاً وجود فتحة بين البطينين أو الأذينين أو استمرار انفتاح الأنبوب الشرياني، وبالتالي لا يستطيع الإنسان الحياة بها، كما أن لهذه المتلازمة تأثيرات سلبية مثل ضعف الوعى والعقل، ونقص الإدراك والتطور العصبي، ولا ينمو الطفل المصاب كغيره من الأطفال بشكل طبيعي، بالإضافة إلى الأعراض التي تظهر على البنية الجسدية، وخاصة أنه يكون صغير الجسم وأيضاً في حجم الرأس والعينين والفم، كما تجدر الإشارة إلى أن هذه الحالات، تزداد لديهم احتمالية الإصابة بالشفة الأرنبية والحلق المشقوق، ويعانى هؤلاء الصغار من ارتجاع المريء وضعف النمو، وصعوبة التنفس، وربما تتفاقم المضاعفات ويحدث تشنجات نتيجة الإصابة بالصرع، ولا يوجد علاج يحقق الشفاء من هذه المتلازمة حتى الآن ولكن جميع الإجراءات العلاجية تتمثل في إجراء عمليات للمشكلات القلبية ووصف أدوية للحد من التشنجات والاعتماد على وسائل إعادة التأهيل لتحسين وضعهم الصحي والذهني وتطور العضلات والأعصاب.

متلازمة باتاو

تعد متلازمة باتاو من الأمراض النادرة، التي تحدث نتيجة لاضطراب وراثي، ووجود نسخة من كروموسوم 13، وتظهر أعراض الإصابة خلال فترة الحمل ما بين 10-14 أسبوعاً، وتتمثل في بطء نمو الجنين داخل الرحم، حجم الرأس يكون أصغر من الطبيعي، ويكتمل التشخيص بعلامات ما بعد الولادة كوجود تشوهات في الأذن، وعيوب في القلب بنسبة 80%، وعدم تطور جدار البطن بشكل كامل، والشفة المشقوقة، وحتى الآن لا يوجد علاج فاعل لهذه المتلازمة؛ ولكن يتم التركيز على تحسين قدرة الطفل على الرضاعة، والتقليل من الشعور بالألم، وفي معظم الحالات يتوفى الجنين قبل الولادة بوقت قصير.