التريبوفوبيا مرض الخوف من الثقوب المثير للجدل

مقالات

يعتبر الخوف أحد المشاعر الأساسية التي يحيا بها الإنسان، ولا يوجد فرد لا يخشى أي شيء على وجه الإطلاق، لكن الأمر يتفاوت من فرد لآخر.
وينتشر العديد من المخاوف الوهمية بين الكثيرين، والتي ربما أثرت أعراضها على تصرفاتهم وأبعاد حياتهم، ومن الممكن أن تثير سخرية المحيطين بهم.
ويطلق على هذا الخوف المرضي الرهاب أو الفوبيا، وتتعدد أنواعه، وبالرغم من قناعة كثير من
المصابين به بعدم منطقية هذا الخوف، إلا أنهم لا يستطيعون التخلص منه.
تتعدد أنواع الخوف المرضي، ولعل من أشهرها فوبيا الظلام وفوبيا الحشرات، وفوبيا المرتفعات وفوبيا الأماكن المغلقة.
ويعاني البعض من أحد أنواع الخوف المرضي والتي يطلق عليها رهاب الثقوب، أو رهاب النخاريب، أو التريبوفوبيا.
ونتناول في هذا الموضوع مرض التريبوفوبيا بكل تفاصيله، مع بيان العوامل والأسباب التي تؤدي إلى الإصابة به، وكذلك الأعراض التي تظهر نتيجته، وطرق الوقاية التي ينصح بها الأطباء وكذلك أساليب العلاج المتبعة والحديثة.

الخوف من الثقوب

يمكن تعريف رهاب النخاريب على أنه خوف من رؤية أو التعرض للأشياء التي تشتمل على ثقوب. وتضم هذه الأشياء نخاريب النحل وأعشاش الدبابير وثقوب الإسفنج والنباتات والأشجار، والثقوب الموجودة في الفطائر، ومسامات الإنسان في الصور المكبرة، وربما تمثل له هذا الاضطراب في إحدى الصور التي تحتوي على ثقوب مثل فقاقيع اللبن. ويعاني المصاب بهذا النوع من الرهاب، الخوف والنفور من مجموعات الثقوب النمطية، وعندما يواجه هذه المجموعات فإنه يعاني خوفاً واشمئزازاً.
ويرجع بعض الباحثين الإصابة بأحد أنواع الخوف المرضي المختلفة إلى أسباب تتعلق بقيام الشخص بحماية نفسه، وذلك مثل ما يحدث في حالة رهاب المرتفعات أو رهاب العناكب.

مظهر مشابه

يوجد عدد من النظريات التي تحاول مناقشة أسباب الإصابة برهاب النخاريب، ومن هذه النظريات ارتباط هذا الخوف في العقل الباطن بالخوف من الحيوانات المفترسة، والتي يكون مظهرها مشابهاً للأنماط المملوءة بالثقوب.
ويقوم العقل الباطن في هذه الحالة بربط خلية النحل التي تمتلئ بالثقوب المتعدد مثلاً بالأفعى، وهي تمتلك نمطاً يشبه هذه الصورة، وبالتالي فإن المصاب يشعر بالخوف عند النظر إليها.
وترجع نظرية أخرى الشعور بالقلق والتوتر الذي يعاني منه المصاب بالتريبوفوبيا، إلى ارتباطه بالخوف من الفطريات، أو غيرها من الجراثيم، والتي تكون سبباً في الإصابة بأمراض معدية، مما يتسبب في ظهور علامات جلدية تكون شبيهة بالنخاريب، وذلك كالإصابة بالجدري والحصبة.

عوامل إثارة

يرى بعض الباحثين أن هناك علاقة بين هذا الاضطراب والقلق الاجتماعي، وذلك بحسب بعض الدراسات والأبحاث التي أجروها، حيث يزداد خطر إصابة من يعانون من التريبوفوبيا بالاكتئاب، واضطراب القلق العام.
وتتوافر مجموعة من الأشياء التي ربما كانت عاملاً في ظهور أعراض هذا الخوف المرضي، ومن ذلك بعض أنواع الفاكهة كالفراولة والرمان والشمام، وأيضاً بذور الفاكهة.
ويمكن أن تؤدي إلى هذه الأعراض خلايا النحل، وجراب بذور اللوتس، والمرجان، وتكاثف الماء، والإسفنج، والفقاعات، مثل التي يحدثها الصابون.
وتتسبب أيضاً الحيوانات ذات الجلد أو الفرو المنقط، سواء أكانت حشرات أو ثدييات أو برمائيات، وكذلك عناقيد العيون في بعض الحشرات، والبثور التي توجد على الجلد بسبب أحد الأمراض الجلدية.

الخوف والاشمئزاز

يشير الباحثون إلى أن الخوف يعتبر أبرز أعراض التريبوفوبيا، كما أن هذا الرهاب يعد رهاباً بصرياً، حيث إن مجرد الصور تجلب للمصاب إحساساً بالاشمئزاز والقلق.
ويعاني المصاب من الخوف، والقلق والقشعريرة، وفي بعض الأحيان يشعر بالنفور أو الاشمئزاز، كما أنه يشعر بحكة في جسمه، وقيء وغثيان، بالإضافة إلى التعرق.
ويصاب بارتجاف أو اهتزاز في جسمه، ومن الممكن أن يصل الأمر في بعض الحالات إلى الإصابة بنوبات من الهلع، وبالإضافة إلى هذه الأعراض يكون لديه إحساس غير مريح، كأن يشعر أن هناك شيئاً ما يزحف على جلده، يكون هذا الإحساس مصحوباً بالقلق.
ويأتي له هذا الإحساس عندما ينظر إلى صور كالفراولة أو اليرقات أو الفطائر أو فقاعات الصابون، وهي الصور التي تكون طبيعية للجميع، ويطلق على هذه الحالة انزعاج بصري.

العلاج بالتعرض

يعتمد الأطباء في تشخيص رهاب النخاريب على الاستفسار من المصاب عن الأعراض التي يعاني منها، مع مراجعة التاريخ المرضي له، والذي يشمل الحالة النفسية والاجتماعية.
ويعتمد علاج هذا الخوف المرضي على ذات الطرق التي تستخدم في علاج الرهاب أو الفوبيا بصفة عامة، وذلك لأنه لا يتوافر علاج محدد له، وبالرغم من ذلك فإن هذه الطرق أثبتت فعالية مع كثير ممن يعانون من هذا الخوف المرضي.
ويعد العلاج بالتعرض من أكثر أشكال العلاج تحقيقاً لمعدل شفاء، وذلك أنه يركز على فكرة تغيير رد الفعل تجاه الأشياء التي تسبب للمصاب الخوف.
ويبدأ العلاج بالتعرض لهذه المسببات لكن بشكل تدريجي، وبجرعات تناسب طبيعة كل حالة، وحدة الأعراض التي يعاني منها، وبمرور الوقت فإن الأعراض تتحسن، حيث يتخيل المصاب في البداية ما يخافه، ثم يلي ذلك النظر إليه، وأخيراً يبدأ الاقتراب منه في الحقيقة ولمسه.

السلوكي المعرفي

يفيد العلاج السلوكي المعرفي بعض الحالات، حيث يقوم المصاب بالحديث مع الطبيب النفسي عن أفكاره، ومدى تأثرها على سلوكياته وأحاسيسه، ويمكن الاستفادة بهذا الشكل من العلاج بأن يكون من خلال مجموعة أشخاص يعانون كذلك من رهاب النخاريب.
ويلجأ الطبيب في بعض الحالات إلى وسائل الاسترخاء، وتعتبر فعالة في التخفيف من أحاسيس الاشمئزاز والخوف والقلق التي ترتبط بالتريبوفوبيا. وتشمل هذه الأساليب التنفس العميق واسترخاء العضلات بشكل تدريجي، والتصور، ويمكن للمصاب ممارسة التصور، حيث يتخيل أن هناك حقل زهور مكان الثقوب أو الحفر.

نصائح مهمة

يمكن أن يصف الطبيب لبعض الحالات التي تعاني من أعراض حادة لهذا الاضطراب، مضادات اكتئاب وبعض المهدئات، والتي لها دور فعال في علاج القلق والاكتئاب، وربما نجحت كذلك في علاج التريبوفوبيا.
وينصح المريض بممارسة الاستراتيجيات الذهنية، والتي ربما كان لها فائدة في تقليل ما يعانيه من توتر، وكذلك ممارسة تمارين التأمل والاسترخاء. ويجب أن يتبع المصاب برهاب النخاريب، نمط الحياة الصحي، والذي يقوم على ممارسة الرياضة، والنوم عدد ساعات مناسبة، وتناول الأطعمة الصحية، كالخضراوات والفواكه، وتجنب الوجبات السريعة والكافيين، وبصفة عامة كل ما يسبب له التوتر.

جدل حول المرض

أثار رهاب النخاريب الكثير من الجدل، ففي حين أن الجمعية النفسية الأمريكية لا تعترف بهذه الحالة على أنها أحد أشكال الفوبيا، مشيرة إلى أنها مجرد حالة من الاشمئزاز، فإن هناك الآلاف الذين يعانون من هذا الخوف المرضي، حتى إنهم أعلنوا عن تدشين جمعية تحمل اسم هذا الاضطراب على موقع التواصل الاجتماعي.
ويأتي الرفض بالاعتراف بهذا الخوف المرضي من كون الرهاب أحد أشكال المرض النفسي، والتي تعرف بأنها خوف متواصل من نشاطات بعينها أو مواقف، أو حتى مجرد التفكير فيها.
ويؤدي هذا الخوف بالمصاب به إلى حالة من الضيق، وذلك على الرغم من إدراكه أن هذا الخوف غير منطقي، إلا أنه لا يمكن له التخلص منه، وبالتالي فإنه في حاجة لعلاج نفسي على يد متخصص.

قلق دائم

حاولت دراسة سابقة اكتشاف أسباب هذه الفوبيا، حيث تم إخضاع عدد من المتطوعين للبحث، عانى نصفهم من هذا الاضطراب، وتم عرض مجموعة من الصور المختلفة على المتطوعين أثناء الاختبارات.
وشملت الصور مصابين بأمراض جلدية، وخلايا نحل، وبعض أنواع الفواكه كالرمان والفراولة، ولاحظ القائمون على الدراسة أن المصابين برهاب النخاريب كانوا أشد تأثراً بهذه الصور.
وبينت الدراسة من خلال استجواب المتطوعين أن من يعاني من هذا الرهاب، يكون في قلق دائم من الأمراض المعدية، وتستعيد أذهانهم الآثار التي تركتها هذه الأمراض عند رؤيتهم لهذه الثقوب.

أصل يوناني

يشير أحد الأبحاث الحديثة إلى أن الخوف الذي يعانيه المصاب برهاب النخاريب هو خوف غريزي.
وينشأ هذا الخوف من أن يصاب بالأذى من أشياء ذات خطورة تحـــولت إلى أشياء غير مـــــؤذية، ومن خلال البحث وجد أن الصور التي تحفز هـــذه الحالة تشترك في تكــــوين طيفي نموذجي
وتربط بعض الأبحاث بين رهاب النخاريب والخصائص البصرية للثقوب، وذلك بدلاً من ربط المخاوف بالحيوانات في الشكل الخارجي لها، وكذلك الأمراض التي تؤدي إلى أعراض تكون متشابهة مع الدوائر والثقوب.
وتم وضع مسمى التريبوفوبيا بعد عام 2004، ثم تحول إلى الكلمة الأكثر استخدماً بعدها في 2009، وكانت امرأة إيرلندية وراء صياغتها على أحد المنتديات على الشبكة العنكبوتية.
وتتكون كلمة التريبوفوبيا من دمج كلمتين يونانيتين معناهما الخوف من الثقوب، وأثبتت إحدى الدراسات أن حوالي 15% يعانون هذا الخرف المرضي.