القصور الوريدي المزمن يعوق ممارسة الحياة

مقالات

يوجد جهازان في ساق الإنسان: الأول هو جهاز الأوردة العميقة؛ وهي التي تحاذي الشرايين الرئيسية، وتكون محاطة بالعضلات، والثاني هو الجهاز السطحي، ويوجد فوق العضلات وتحت الجلد، ويعد الجهاز الأول الأكثر أهمية.
وتربط بين الجهازين مجموعة من الأوردة، التي تُسمى بـ«الأوردة النافذة»، وتنتشر الصمامات الأُحادية الاتجاه على طول الجهازين الوريدين، وكلما زاد البعد عن القلب فإن عدد الأوردة يزداد.
تصيب هذه الأوردة الدقيقة بعض الاضطرابات، التي تؤدي إلى حدوث عدد من المشاكل؛ ومنها: القصور الوريدي المزمن، والذي يحدث؛ نتيجة تلف الصمامات بالأوردة، والتي تمنع الدم من الارتداد مره أخرى.
وتعد وظيفة الجهاز الوريدي؛ تصريف الدم من الساقين إلى الوريد الرئيسي الذي يوجد في البطن، ومن ثم يصل إلى القلب، ويتأثر تدفق الدم في الأوردة بعدد من العوامل الخارجية؛ مثل: قوة الجاذبية؛ وعضلة الساق؛ والمقاومة في جوف البطن، ومنظومة الصمامات الداخلية أُحادية الاتجاه، والتي تجبر الدم على التدفق في اتجاه معين.
ونتناول في هذا الموضوع مشكلة القصور الوريدي المزمن بكل تفاصيلها، ونقدم العوامل والأسباب، التي تؤدي إلى هذه الحالة، وأيضاً الأعراض التي تظهر، مع تقديم طرق الوقاية الممكنة، وأساليب العلاج المتبعة والحديثة.

مشاكل وريدية

تشير دراسة أمريكية حديثة إلى أن الصمامات الموجودة داخل الأوردة تمنع الدم من الارتداد إلى الأطراف مرة أخرى، وبالتالي يتدفق في الأوردة السليمة إلى القلب من الذراعين والساقين، ويعاني البعض في بعض الأحيان صعوبة في تدفق الدم من هذه الأطراف إلى القلب، ويتسرب الدم عبر الصمامات التالفة؛ ليعود إلى الأطراف، وهو ما يُطلق عليه القصور الوريدي المزمن.
وتكشف الدراسة أن الإصابة بهذا المرض تنتشر بين قطاعات واسعة على مستوى العالم؛ حيث يتجاوز معدل الإصابة 5% من السكان، ويعاني الكثيرون درجات متقدمة منه، والتي يصاحبها حدوث جروح مفتوحة، كما أن المصاب يعجز عن ممارسة حياته بشكل كبير.
ويستخدم الأطباء مصطلح القصور الوريدي المزمن أو المرض الوريدي المزمن؛ للإشارة إلى الكثير من المشاكل الوريدية، ويتمثل في عدد من الحالات؛ مثل: تورم الساق وسواد الجلد، وفرط التصبغ، وتصلب شحمي جلدي، وزيادة سمك الجلد، وربما نتج عن المرض حدوث قروح أو جروح، والتي ترى في الأغلب قريباً من الكاحل.

صمامات ضعيفة وتالفة

تتعدد الأسباب المؤدية إلى الإصابة بالقصور الوريدي المزمن، والتي تأتي على رأسها الصمامات الضعيفة أو التالفة؛ حيث تتسبب هذه الصمامات في تدفق الدم إلى الخلف، وبالتالي فإنه يتراكم في الأوردة مسبباً تمددها أو التوائها.
ويمكن أن يكون الخلل في عمل الصمامات راجعاً إلى عيب موجود منذ الولادة، أو يكون ثانوياً؛ نتيجة الإصابة بجلطة دموية أتلفت الصمامات، وهو ما يؤدي إلى حدوث التدفق في الاتجاه العكسي؛ بفعل قوة الجاذبية.
ويؤدي كذلك ضعف قدرة عضلة ربلة الساق على التقلص إلى هذه الحالة؛ وذلك لأن هذه العضلة هي أداة الضخ للدم، ويكون سبب هذا الضعف إصابتها بالشلل؛ نتيجة الجلوس فترات طويلة، وكذلك بسبب عدم ممارسة الرياضة.

عوامل الخطر

يزداد خطر الإصابة بالقصور الوريدي المزمن مع التقدم في العمر؛ وذلك لأن صمامات الأوردة تصاب بالاهتراء والتمزق، وهو الأمر الذي يؤدي إلى ارتداد جزء من الدم إلى الخلف، ومن ثم يتجمع بدلاً من الصعود إلى القلب.
وتعد السيدات أكثر إصابة بهذه الحالة؛ بسبب التغيرات الهرمونية التي تحدث في فترات الحمل، وما قبل الحيض وكذلك بعد انقطاعه؛ حيث إن الهرمونات الأنثوية ربما تميل إلى إرخاء جدران الأوعية الدموية. ويمكن أن تعود الإصابة إلى الوقوف أو الجلوس لفترات زمنية طويلة؛ حيث يتأثر تدفق الدم بالبقاء لمدة طويلة على نفس الوضعية، كما أن خطر الإصابة يكون كبيراً بالنسبة للأشخاص البدناء؛ حيث تمثل البدانة ضغطاً زائداً على الأوردة.

حرقان وخفقان

ويقول أحد الباحثين: إنه في بعض الحالات لا يشعر المصاب بالقصور الوريدي المزمن بأي ألم، وبالذات في بداية الإصابة، وتبدأ أعراض المرض بمعاناة المصاب من حرقان وخفقان في الساق، وتورم بها، كما تتقلص العضلات، وتحدث آلام مزمنة في الساقين. ويشعر المريض بثقل في الساقين، إضافة إلى المعاناة من الإرهاق المزمن، مع عدم الراحة بالرغم من كثرة تغييره لوضعه.
ويزداد كذلك الألم بعد كثرة الجلوس أو الوقوف مدة كبيرة، ويتغير لون الجلد حول الأوردة السطحية، كما أن المريض ينتابه إحساس بالحكة حول واحد أو أكثر من الأوردة البارزة

انفجار الأوردة

يمكن أن يتسبب القصور الوريدي المزمن في عدد من المضاعفات، والتي تعد قليلة نوعاً ما، ومنها القرح والتي ربما تكون مؤلمة، وبالذات إذا كانت قريبة من الكاحلين، وفي العادة فإنها تبدأ ببقعة متغيرة اللون، ثم تتشكل على هيئة قرحة. وتصبح الأوردة العميقة داخل الساقين في بعض الحالات متضخمة، وربما كانت الساق المصابة مؤلمة، كما أنها تنتفخ في هذه الحالة، وينصح بالحصول على استشارة طبية؛ وذلك في حالة وجود ألم أو تورم مستمر؛ لأن هذا العرض من الممكن أن يكون دليلاً على وجود جلطة بالوريد.
ويمكن أن تنفجر الأوردة القريبة من الجلد في بعض الأحيان، وهو ما يؤدي إلى نزيف بسيط فحسب، وإن كان النزيف بصفة عامة يحتاج إلى استشارة الطبيب.

خطوات التشخيص

يعتمد تشخيص القصور الوريدي المزمن على الفحص البدني للمريض؛ حيث يقوم الطبيب بفحص الساقين خلال وقوف المصاب؛ وذلك بهدف البحث عن التورم، ويطلب منه وصف الألم الذي يشعر به في الساق.
ويطلب الطبيب صورة دم كاملة؛ وذلك حتى يطمئن على كريات الدم الحمراء والصفائح الدموية، وربما طلب تحليلاً؛ لتشخيص أمراض تجلط الدم.
كما يطلب فحصاً بالموجات فوق الصوتية؛ وذلك بهدف معرفة إذا كانت الصمامات في الأوردة تعمل بشكل طبيعي، أو أن هناك جلطة دموية.
ويلجأ في بعض الحالات إلى تصوير الأوردة بالرنين المغناطيسي؛ وذلك لتقييم المرض الوريدي العميق والسطحي في الساقين والحوض، وكذلك في المناطق التي يصعب الوصول إليها.

الجوارب الضاغطة

تتوافر العديد من السبل؛ لعلاج القصور الوريدي المزمن، وذلك بحسب السبب وراء الإصابة بهذا المرض، ويعد ارتداء الجوارب الضاغطة، والتي يصفها الطبيب، من أكثر الطرق انتشاراً؛ لعلاج هذه الحالة.
ويتمثل الدور الذي تقوم به هذه الجوارب المطاطية في الضغط على منطقة أسفل الركبة، وحتى الكاحل، وهو الأمر الذي يحسن تدفق الدم عبر الأوردة، وبالتالي يقل تورم الساقين.
وتتوفر عدة أنواع من هذه الجوارب؛ وذلك بحسب قوة الضغط، والطول، فربما وصلت إلى الركبة، أو تجاوزتها إلى أعلى الفخذ، ويحدد الطبيب المعالج نوع الجورب؛ بناء على حالة المصاب.

مضاد التجلط

يصف الطبيب في حالة المريض المصاب بقروح أو جروح لا تشفى لفافة طبية، وهي ضمادة تتألف من طبقات عدة من الشاش المطاطي، ويلف المريض بها ساقه وقدمه؛ وذلك حتى يقل التورم، وكعلاج للقرح التي تحدث بالبشرة.
ويمكن أن يوصي الطبيب بمضادات تجلط الدم؛ وذلك في حالة كانت الإصابة بالقصور الوريدي المزمن؛ نتيجة الإصابة بإحدى الجلطات في وقت سابق، وتساعد هذه العقاقير على حل الجلطات التي تكون موجودة، كما تعد وقاية من خطر تكون أي جلطات في المستقبل.

سبل أخرى

يحتاج بعض المصابين بالقصور الوريدي المزمن في بعض الحالات الشديدة إلى بعض سبل العلاج الأخرى؛ حيث إن الجوارب الضاغطة لا تفيد حالاتهم.
وتشمل هذه الطرق المعالجة بالتصليب، وفيه يحقن الطبيب الأوردة الصغيرة والمتوسطة بمحلول أو رغوة، ومن ثم تترك ندباً وتسد، وتتميز هذه الطريقة بالفاعلية، كما أنها لا تحتاج إلى تخدير.
ويمكن أن يلجأ إلى العلاج بالقسطرة؛ وذلك في حالة الأوردة الكبيرة؛ حيث يستخدم في هذه الطريقة الموجات الراديوية أو طاقة الليزر، ويقوم بإدخال أنبوب رفيع في الوريد المتضخم، مع تسخين طرفه؛ حيث تدمر الحرارة الأوردة عند سحب الأنبوبة، وبالتالي تنكمش وتغلق بإحكام.
ويلجأ الطبيب إلى جراحة تنظير المعدة؛ وذلك في الحالات التي تكون مصابة بقرح الساق، ولم تفلح معها أي تقنية أخرى، وفي هذه الطريقة يدخل الطبيب كاميرا صغيرة إلى الساق؛ وذلك حتى يزيل الأوردة.

المشي ينشط الدورة الدموية

توضح دراسة ألمانية جديدة أن بعض الخطوات تقلل من حدة مرض القصور الوريدي المزمن، كما تساعد على تقليل تفاقم الإصابة أو المضاعفات المترتبة عليها.
وتبدأ هذه الخطوات بممارسة الرياضة، ويعتبر المشي من أكثر الطرق التي تنشط الدورة الدموية في الساقين، ومن الممكن أن يوصي الطبيب المصاب بممارسة بعض الأنشطة المخصصة لذلك.
وينصح الباحثون مرضى القصور الوريدي المزمن بمراقبة الوزن وطريقة التغذية، حيث يقع ضغط زائد على الأوردة في حالة الوزن الزائد، كما يجب تجنب الملح في الطعام، وذلك لمنع الانتفاخ في الساقين بسبب احتباس السوائل.
ويجب على المصابين بهذه الحالة الامتناع عن ارتداء الأحذية ذات الكعب العالي، كما أن الأحذية قصيرة الكعب تساعد على تشغيل عضلات ربلة الساق، وهي مفيدة للأوردة، وينصح أيضاً المرضى بعدم ارتداء الملابس الضيقة حول الساقين أو الفخذين، حيث تقلل من تدفق الدم.
ويفيد حصول الساقين على فترات راحة قصيرة أثناء اليوم، والتي تشمل رفع الساقين فوق مستوى القلب، مع تجنب الجلوس أو الوقوف ساعات متواصلة.