ضمور العضلات الشوكي يزيد من فرص الموت

مقالات

تعد العضلات مسؤولة عن قوة وحركة الجسم، كما أنها تعمل على إعطاء الجسم الشكل العام، وتؤمن الحركة كذلك للأجزاء والأعضاء الداخلية للبدن، وتمثل حوالي 40% من الوزن الكلي للشخص.
تصاب العضلات ببعض الأمراض التي تؤثر في حركتها وأدائها، ومن هذه الأمراض ضمور العضلات الشوكي، وهو أحد الأمراض المرتبطة بالعوامل الوراثية.
ويؤثر هذا المرض في الأعصاب المتفرعة من الحبل الشوكي، مما يؤدي إلى إصابة العضلات بالضعف الشديد، وتتأثر بسبب ذلك قدرة المصاب على التنفس والبلع.
وتوجد لهذا المرض مجموعة من الأنواع، ويقتصر تأثيره على العضلات والحركة فقط، ولا يؤثر في قدرات المصاب العقلية أو ذكائه وإدراكه وحواسه المختلفة، وكذلك قدرته على التعلم.
ويصاب الطفل المولود بالضمور العضلي الشوكي في حالة أن الوالدين يحملان الجين المسبب لهذا المرض، وفي العادة فإن الأبوين ربما ليسا مصابين بهذه المشكلة، وحتى يصاب الطفل يجب أن يحمل نسختين من الأب والأم.
وتزداد حدة هذا المرض بمرور الوقت، ولا يتوافر حالياً أي علاج ناجع له، وإنما طرق العلاج تهدف إلى تحسين حياة المريض، وتساعده على التعامل مع الأعراض بشكل جيد.
ونتناول في هذا الموضوع مرض ضمور العضلات الشوكي بكل تفاصيله، مع بيان العوامل والأسباب التي تؤدي إلى الإصابة به، وكذلك أعراضه التي تميزه عن غيره من الأمراض المتشابهة، ونقدم طرق الوقاية الممكنة والتي ينصح بها الباحثون، وأساليب العلاج المتبعة والحديثة.

خلل الجينات

تبين دراسة إيطالية سابقة أن حدوث خلل في أحد الجينات – والتي تسمى اختصاراً «إس أم أن» – يؤدي إلى الإصابة بمرض ضمور العضلات الشوكي، وبحسب الباحثين فإن هذا الجين ينتج أحد أنواع البروتين، الذي له دور مهم في المحافظة على الخلايا الأمامية للحبل الشوكي، حمايتها من أي ضرر أو تلف.
وتتحكم هذه الخلايا في حركة العضلات التي توجد في أجزاء الجسم المختلفة؛ وذلك من خلال ألياف عصبية طويلة، وعلى سبيل المثال فإنه عندما يرغب الشخص في أن يحرك عضلة ما، ترسل الخلية الأمامية إشارة كهربائية عبر هذه الألياف العصبية إلى العضلة المراد تحريكها.
وتفقد العضلات قدرتها على الحركة في حالة حدوث ضمور لهذه الخلايا الأمامية، وبالتالي فإن هذه العضلات تصاب هي الأخرى بالضمور مع مرور الوقت.

ارتخاء العضلات

تعد أبرز أعراض مرض ضمور العضلات الشوكي هو ظهور ارتخاء ظاهر في العضلات، وإصابتها بالوهن العام، مع فقدان المقدرة على حركتها.
وتصاب العضلات بنقص حجمها، أو تراجع الكتلة العضلية بشكل كبير وملحوظ، وهو ما يؤدي إلى ضمورها، مع حدوث تضخم وهمي في عضلات الساق، وفي الأغلب فإن عضلات الجسم السفلية تتأثر أكثر من العلوية.
وتصاب المفاصل بتشوهات ثانوية؛ وذلك نتيجة ضمور العضلات والتشوهات الجسمية الأخرى، ويعاني المصاب قصوراً في عضلات البلع والوجه والتنفس، وكذلك يعاني قصوراً في ردود الأفعال؛ بسبب تأثر الأوتار العميقة للعضلات.
وتظهر لدى بعض الحالات المصابة حركات ارتعاشية للعضلات، مع فقد القدرة على التحكم بالرقبة؛ وذلك لأن الوهن في العضلات القريبة من العمود الفقري يكون أشد تضرراً.

أربعة أنواع

يوجد لمرض ضمور العضلات الشوكي 4 أنواع، والتي تختلف بحسب السن وطبيعة الأعراض، ففي النوع الأول لا يستطيع الطفل الجلوس أو دعم رأسه دون الحصول على مساعدة من المحيطين.
ويمكن أن يعاني مرونة شديدة في الساقين، وكذلك مشاكل في عملية البلع؛ وبسبب مشاكل التنفس التي تحدث، فإن الأطفال الذين يصابون بهذا النوع لا يعيشون حتى سن الثانية فقط، ويعد النوع الأول هو الأكثر انتشاراً.

متوسط إلى شديد

يؤثر النوع الثاني في الأطفال بين 6 أشهر وعام ونصف العام، ويستطيع الطفل المصاب بهذا النوع الجلوس وحده، والمشي أو الوقوف مع حصوله على بعض المساعدة، وتكون الأعراض بين متوسطة وشديدة، وفي الأغلب تؤثر في الساقين.
وتشمل الأعراض حدوث ضعف في الذراعين والساقين، ورعشة في الأصابع واليدين، وربما تتطور الحالة إلى حدوث مشاكل في المفاصل، ومنها ظهور انحناء العمود الفقري.
ويعاني المصاب كذلك ضعف عضلات التنفس، وهو الأمر الذي يؤدي إلى صعوبة السعال، ويزيد من خطر الإصابة بالتهابات تنفسية.
ويعيش معظم الأطفال الذين يصابون بهذا النوع حتى مرحلة البلوغ، ومن الممكن أن يعيش بعض المصابين حياة طويلة.

أخف التأثيرات

يصاب الأطفال بالنوع الثالث بين عمر 2 إلى 16 سنة، ويعد هذا النوع أخف أشكال هذا المرض، وفي الأغلب فإن الطفل يمكنه الوقوف والمشي دون مساعدة، غير أنه ربما يواجه مشاكل في صعود السلم، أو القيام من وضع الجلوس على الكرسي.
ويعاني المصاب بعض مشاكل التوازن أو صعوبة في الجري، إضافة إلى اهتزاز بسيط في الأصابع، وربما أصبح المشي أصعب بمرور الوقت، ويمكن أن يحتاج إلى كرسي متحرك يحمله في جولاته عندما يكبر، وفي الأغلب فإن هذا النوع لا يؤثر في متوسط العمر.

صعوبة المشي

تظهر أعراض النوع الرابع في مرحلة البلوغ، وتتركز علاماته في ضعف العضلات أو مشاكل في التنفس، وفي الأغلب فإن الذراعين والساقين يتأثران فقط، ومن خلال ممارسة بعض التمارين المتخصصة يمكن للمصاب الاستمرار في الحركة.
ويشكو المصاب من ضعف اليدين والقدمين، ويجد صعوبة في المشي، مع اهتزاز العضلات وارتعاشها، وعلى الرغم من أن الأعراض تزداد بمرور الوقت فإن المرض لا يتسبب في زيادة مشاكل التنفس أو البلع، وبالتالي لا يؤثر في متوسط الأعمار.

تحليل الكروموسومات

يعتمد الأطباء في تشخيص الإصابة بمرض ضمور العضلات الشوكي على الأعراض الخارجية التي يشكو منها المصاب، والتي من أبرزها ارتخاء وضعف العضلات ورعشة اللسان.
ويستعين الأطباء في بعض الحالات بتحليل الكروموسومات، وهو التشخيص الوحيد للمرض، ويمكن اللجوء إلى تخطيط الأعصاب الكهربائي، والذي يظهر وجود المشكلة في الأعصاب الحركية، وليست الأعصاب الحسية، والتي تكون سليمة.
ويظهر تخطيط العضلات الكهربائية أن الضعف في حركة العضلات سببه الأعصاب وليس العضلات، ومن الممكن اللجوء إلى تخطيط القلب الكهربائي؛ لاكتشاف أي نشاط غير طبيعي للقلب.

الحد من الأعراض

يهدف علاج مرض ضمور العضلات الشوكي إلى تقليل حدة الأعراض التي يعانيها المصاب وتحسين جودة الحياة، ومحاولة جيدة للتعايش مع هذه المشكلة دون إزعاج.
ويشمل العلاج بالنسبة للأطفال الرضع استعمال أنبوب تغذية، إذا كان هناك صعوبة في الرضاعة أو البلع، والرعاية التنفسية لمنع الإصابة بالتهابات رئوية، وكذلك الوقاية من مضاعفات المفاصل والعظام؛ من خلال ممارسة التمارين التي تقوي العضلات، وتحافظ على المفاصل من الإصابة بالتيبس.
ويفيد كذلك استخدام العلاج الطبيعي في زيادة القوة العضلية قدر الإمكان، وزيادة حركة المفاصل وليونتها، والمحافظة على أقصى جهد وظيفي، وزيادة سعة التنفس؛ من خلال تمارين التنفس، والتي تقوي عضلات التنفس وتجعل السعال أمراً طبيعياً وسهلاً.

التدخل الجراحي

يلجأ الطبيب إلى خيار التدخل الجراحي في الحالات التي يفقد فيها الطفل المقدرة على المشي؛ بسبب تيبس العضلات والمفاصل؛ حيث يتم تحرير الشد والتشوه الموجود حول المفصل، حتى يعطي له مساحة حركة أكبر، وربما احتاج الصغير إلى هذه الجراحة في الحالات التي يزيد فيها تقوس العمود الفقري.
ويمكن إعطاء بعض الأدوية التي تعالج الشد العضلي، وتقي من المضاعفات التي تصيب العظام والمفاصل، ويفيد النشاط الرياضي في أن تستعيد العضلات بعض النشاط والحيوية؛ لأن الكسل والخمول يزيد من الشد العضلي والتشوهات بها.

عقار جديد

نجح فريق من الباحثين في إثبات فاعلية دواء جديد يحسن من الوظائف الحركية للأطفال المصابين بمرض ضمور العضلات الشوكي؛ وذلك في دراسة أمريكية حديثة تمت على عدد من المرضى الصغار.
وأجرى الفريق هذه الدراسة على تأثير عقار سبينرزا في علاج هذا المرض؛ وذلك على 128 طفلاً، ممن تراوحت أعمارهم بين 2 إلى 13 عاماً، وكانت تعاني هذا المجموعة من مشكلة ضمور العضلات في العمود الفقري.
وتم خضوع هؤلاء الأطفال الذين شاركوا للعلاج بهذا العقار الجديد لمدة 6 أشهر متواصلة؛ حيث ظهر تحسن واضح عليهم في الوظائف الحركية بنسبة بلغت 56% مقارنة بنسبة تحسن 26% في مجموعة ضابطة لأطفال لم تتناول هذا العقار.
كما أظهرت الدراسة أن نسبة التحسن كانت أعلى في المرضى الأكبر سناً، والعقار هو دواء يتم حقنه في المنطقة التي تحيط بالحبل الشوكي، إلا أن الدراسة كشفت وجود بعض الآثار الجانبية له خلال التجربة؛ حيث يؤدي إلى حدوث التهابات بالجهاز التنفسي وكذلك الإصابة بالإمساك.
وتأمل الدراسة في إجراء المزيد من التجارب؛ لتفادي أي مؤثرات جانبية، مع تقدم في نسب الوظائف الحركية، بما يفتح المجال أمام صناعة هذا العقار؛ لإنقاذ الكثير من الصغار الذين يعانون صعوبات هذا المرض.