«إصابات الدماغ الرضحية» مصدر خطورة كبيرة

مقالات

تعرض الرأس أو الجسم إلى الضرب الشديد أو الاهتزاز العنيف يتسبب في حدوث ما يُسمى «إصابات الدماغ الرضحية»، والتي يؤدي إليها كذلك اختراق جسم ما لأنسجة الدماغ؛ مثل: طلقات الرصاص أو جزء مكسور من الجمجمة.

ويمكن أن تكون الإصابة خفيفة، فتؤدي إلى خلل مؤقت بخلايا الدماغ، وربما كانت الإصابة شديدة، وهي ما تتسبب في أضرار ومضاعفات طويلة الأمد، وتصل في بعض الحالات إلى الوفاة.

يعتمد العلاج على نوعية الإصابة؛ حيث يكتفى في الحالات البسيطة بالتزام الراحة، والحصول على مسكنات الألم، في حين تحتاج الحالات المتوسطة والشديدة إلى الدخول إلى غرف الطوارئ.

ونتناول في هذا الموضوع «إصابات الدماغ الرضحية» بكل تفاصيلها، مع بيان العوامل والأسباب التي تؤدي إليها، وكذلك أعراض كل حالة، وطرق الوقاية الممكنة وأساليب العلاج المتبعة والحديثة.

هزة عنيفة

يتسبب في العادة التعرض لضربة أو إصابة رضحية بالرأس أو الجسم في حدوث «إصابات الدماغ الرضحية»، ويتحدد مدى التلف بعدد من العوامل؛ مثل: قوة الصدمة وطبيعة الإصابة.

ويمكن أن يؤدي إلى هذه الإصابة عامل أو أكثر، فربما اقتصر تلف خلايا الدماغ على المنطقة التي توجد مباشرة أسفل نقطة تأثير الإصابة بالجمجمة.

ويؤدي تحرك الدماغ في الجمجمة، والذي يحدث في بعض الحالات، إلى احتمال حدوث تلف في عدد من النقاط؛ وذلك بسبب الضربة أو الهزة العنيفة التي تعرض لها المصاب، وربما أدت الهزة العنيفة الدائرية إلى تمزق البنى الخلوية.

اختراق جسم

ويمكن أن يحدث تلف شديد لخلايا الدماغ والأوعية الدموية والأنسجة التي تقي الدماغ؛ نتيجة اختراق جسم ما للجمجمة، وهو الأمر الذي لا يمكن إصلاحه، ومن الممكن أن يعود هذا التلف إلى حدوث انفجار، كالذي يحدث من عبوة ناسفة.

ويرجع التلف الحادث في الدماغ لدى بعض الحالات إلى وجود نزيف في الدماغ أو حوله، وكذلك الجلطات الدموية والتورم، وهو ما يمنع وصول الأكسجين إلى الدماغ.

السقوط أكثر انتشاراً

تشمل الأسباب التي تؤدي إلى «إصابات الدماغ الرضحية» السقوط، ويعد أكثر سبب وراء هذه الإصابة بصفة عامة، وعلى الأخص في المسنين والأطفال، وتتعدد صور السقوط، ومنها السقوط من على السلم أو من على السرير، وكذلك الانزلاق في الحمام.

وتأتي حوادث الاصطدام في المرتبة الثانية، وبخاصة التي ترتبط بالسيارات والدراجات البخارية، كما أن الإصابات الرياضية من ضمن أسباب هذه الحالة، وبخاصة في رياضات؛ مثل: الملاكمة والهوكي وكرة القدم، وبصفة عامة الألعاب ذات الالتحامات القوية، وينتشر هذا السبب بين الشباب بصفة أساسية. وتقع «إصابات الدماغ الرضحية» في حوالي 20% من المصابين بها؛ نتيجة أعمال العنف؛ مثل: إطلاق الرصاص والعنف المنزلي وضرب الأطفال.

ويتضمن هذا السبب كذلك متلازمة هز الرضيع؛ حيث يصاب الطفل؛ نتيجة تعرضه المتكرر للهز العنيف بتلف في خلايا الدماغ.

الأطفال والمسنون

تعد الإصابات الانفجارية من الأسباب الشائعة ل«إصابات الدماغ الرضحية» لدى العسكريين، وبالرغم من عدم معرفة آلية التلف التي يتعرضون لها بصورة جيدة، فإن بعض الباحثين يرون أن موجة الضغط التي تمر في الدماغ تثبط من أدائه لوظائفه بصورة كبيرة.

ويمكن أن ترجع هذه الحالة إلى الإصابة بالجروح التي تخترق الرأس، وكذلك الضربات العنيفة؛ بسبب الشظايا أو الحطام، والتعرض للارتطامات الجسدية؛ بعد وقوع الانفجار.

وتشير الإحصاءات إلى أن أكثر الفئات المعرضة لخطر «إصابات الدماغ الرضحية» هم الأطفال وبخاصة من حديثي الولادة، والشباب في الفترة العمرية بين 15 و24 سنة، وأخيراً كبار السن فوق 70 سنة.

الإصابة البسيطة

تختلف «إصابات الدماغ الرضحية» من حيث النوع، فيمكن أن تكون بسيطة أو متوسطة وشديدة، وبحسب نوع الإصابة فإن الأعراض التي تظهر على المصاب تكون هي الأخرى مختلفة.

وتشمل الأعراض جوانب جسمية حسية، وأخرى إدراكية وذهنية، ومن الممكن أن تظهر الأعراض عقب الحادث مباشرة، وربما تأخرت إلى أيام أو في بعض الحالات إلى أسابيع.

وتشمل «إصابات الدماغ الرضحية: الخفيفة أعراضاً جسمية؛ مثل: فقدان الوعي من بضع ثوان إلى بضع دقائق، وربما لا يفقد المصاب الوعي، إلا أنه يعاني الارتباك أو التشويش، وفي بعض الأحيان حالة من الذهول.

صداع ودوخة

يشكو المصاب من الصداع والشعور بالتعب أو النعاس، وربما أصيب بالغثيان أو القيء، وتصاب بعض الحالات باضطراب في النوم، كأن يجد صعوبة في النوم، أو على العكس ينام أكثر من المعتاد، ويعاني البعض مشاكل في الكلام، ودوخة أو فقدان الاتزان.

وتشمل أعراض هذه الإصابة الحسية تشوشاً في الرؤية ورنيناً في الأذن، وطعماً كريهاً في الفم، وتغيرات في الشم، وربما حدثت حساسية تجاه الضوء والصوت.

ويشكو المصاب من بعض الأعراض الذهنية؛ حيث يعاني مشاكل في التذكر والتركيز، وتتغير الحالة المزاجية، وربما شعر بالقلق أو أصيب بالاكتئاب.

تنميل الأصابع

يمكن أن تشمل»إصابات الدماغ الرضحية«المتوسطة والشديدة أعراضاً حسية كفقدان الوعي؛ لكن يمتد من دقائق إلى عدة ساعات

ويشكو المصاب من صداع مستمر، وربما تفاقم، كما أنه يعاني القيء والغثيان بشكل متكرر، مع الإصابة بنوبات تشنج.

ويصاب بؤبؤ إحدى العينين بالاتساع، وربما أصاب الاتساع الاثنتين، كما أن بعض الحالات تصاب بارتشاح السوائل الصافية من الأذنين أو الأنف.

ويفقد المصاب القدرة على الاستيقاظ، كما أنه يعاني ضعفاً أو تنميلاً في أصابع القدمين واليدين، مع فقدان التنسيق.

ارتباك عميق

تشمل الأعراض الإدراكية والذهنية التي يعانيها المصاب الارتباك العميق، ويتغير سلوكه الطبيعي إلى سلوكات لم يعتد عليها.

وتلاحظ بعض الأعراض على الرضع والأطفال الصغار الذي يصابون ب»إصابات الدماغ الرضحية«، ولا يمكن لهم التعبير عما يعانون، ومن هذه الأعراض تغير أنماط تناول الطعام أو الرضاعة.

ويكون بكاء الطفل المصاب بشكل متواصل؛ للحد الذي لا يمكن تهدئته، مع تغير قدرته على الانتباه، وتغير عادات النوم، وشعوره بالضيق والاكتئاب، حتى أنه يفقد الاهتمام بألعابه وأنشطته المفضلة.

مضاعفات عديدة

تؤدي»إصابات الدماغ الرضحية«أحياناً إلى بعض المضاعفات، والتي تظهر بعد الإصابة مباشرة، أو بعدها بمدة قصيرة، وتزيد الإصابات الحادة من خطر التعرض للمضاعفات بشكل كبير.

وتشمل المضاعفات حدوث تغير بشكل طويل أو دائم في حالة الوعي أو الإدراك؛ حيث يدخل المصاب في غيبوبة، والتي يمكن أن يخرج منها بعد فترة، وربما دخل في الحالة الخضرية.

وتسبب»الحالة الخضرية«تلفيات تنتشر في الدماغ، ومن الممكن أن تصبح دائمة، إلا أن الكثير من هذه الحالات تتطور إلى أن تصل إلى حالة الحد الأدنى من الوعي.

استسقاء دماغي

وتشمل المضاعفات الجسدية نوبات إضافة إلى استسقاء دماغي؛ بسبب تراكم السائل الدماغي النخاعي في بطينات الدماغ، ما يؤدي إلى زيادة الضغط والتورم في الدماغ.

ويتعرض المصابون بإصابات خطرة في الدماغ إلى تغيرات في مهارات التفكير، فيصبح من الصعب عليهم التركيز، ويأخذون وقتاً أطول في معالجة الأفكار. وتعد من المشاكل الشائعة لدى المصابين بهذه الحالة مشكلة التواصل واللغة؛ حيث يمكن أن تؤدي هذه المشكلات للشعور بالإحباط وسوء الفهم.

مقياس غلاسكو

تعد «إصابات الدماغ الرضحية» في معظم الأحيان من الحالات الطارئة؛ ولذلك يجب الحصول على علاج بصورة فورية؛ لكي لا تزداد الحالة سوءاً.

ويبدأ تشخيص حالة المصابين بمساعدة مقياس غلاسكو للغيبوبة، ويساعد هذا الفحص الطبيب في تقييم مدى قوة إصابة المخ؛ وذلك من خلال معرفة قدرة المصاب على اتباع الاتجاهات، وتحريك العينين والأطراف.

ويشتمل هذا الفحص على 15 نقطة؛ حيث يبدأ تسجيل قدرات المصاب من 3 نقاط، وتعد النتائج المرتفعة دليلاً على أن درجة الإصابة بسيطة.

وتفيد صور الأشعة بأنواعها – سواء المقطعية والرنين المغناطيسي – في تصوير الكسور بسرعة، واكتشاف وجود نزيف أو جلطات دموية في الدماغ، وكذلك وجود كدمات أو تورم في الأنسجة.

متابعة دقيقة

يعتمد علاج»إصابات الدماغ الرضحية» على قوة الإصابة، ففي حالة الإصابة الخفيفة يكون العلاج بالتزام الراحة، والحصول على مسكنات الألم؛ لعلاج الصداع.

ويحتاج المصاب في العادة إلى متابعة دقيقة في المنزل؛ بهدف اكتشاف أي أعراض جديدة أو متفاقمة، ويحدد الطبيب المعالج وقت عودة المصاب إلى عمله أو دراسته، وبشكل عام فإنه يفضل الامتناع عن الأنشطة البدنية أو الفكرية حتى لا تتفاقم الأمور، ويجب أن يحصل المصاب على الضوء الأخضر من الطبيب؛ لعودة ممارسة هذه الأنشطة.

وتحتاج الحالات المتوسطة والشديدة إلى البقاء في غرف الطوارئ؛ وذلك بهدف تأكد حصول المصاب على قدر كافٍ من الأكسجين ووصول الدم، مع المحافظة على ضغط الدم، وعدم تعرض الرأس أو الرقبة لأي إصابات أخرى.

مدرات البول

تشمل الأدوية التي تقلل التلف الثانوي للدماغ مدرات البول؛ حيث تقلل من السوائل في الأنسجة وبالتالي تقلل من الضغط في الدماغ.

وتتضمن الأدوية كذلك أدوية مثيرة للإغماء، والتي تفيد في حالة وجود عجز الأوعية الدموية عن إمداد الدماغ بما يحتاج إليه من أكسجين؛ نتيجة لوجود ضغط عليها.

ويمكن أن تحتاج بعض الحالات إلى إجراء جراحة طارئة؛ وذلك بهدف تقليل أي تلف زائد لأنسجة الدماغ، وتشمل هذه الجراحة إزالة الدم المتخثر، وإصلاح الجمجمة، ووقف النزيف في الدماغ.

نصائح مهمة

تشير دراسة أمريكية حديثة إلى تعرض حوالي ما يقرب من 1% من سكان العالم إلى إصابات الدماغ الرضحية، وذلك بسبب حوادث الاصطدام، وحوادث العنف على اختلاف أنواعها، وكذلك السقوط.

وتؤكد الدراسة أن الوقاية من هذه الإصابات أفضل بكثير من اللجوء للعلاج، حيث يمكن تقليل خطر الإصابة بهذه الحالة، وتشمل خطوات الوقاية ارتداء أحزمة الأمان في السيارات، والتأكد من توافر الوسائد الهوائية.

وينبغي ارتداء الخوذة بالنسبة لسائقي الدراجات بأنواعها، ونفس الحال بالنسبة لمن يمارس إحدى الرياضات العنيفة كالتزحلق أو ركوب الخيل.

ويجب تجنب السقوط، وخاصة بالنسبة للأطفال الصغار والمسنين، وذلك بتثبيت «درابزين «في الحمام، ووضع السجاد المانع للانزلاق به.

كما يفضل تحسين الإضاءة بشكل جيد داخل المنزل وفي طرقات السلالم، وخلو الأرضيات من أي فوضى يمكن أن تسبب السقوط، مع خضوع المسنين لفحوص الإبصار بشكل دوري ومنتظم.