الانفصال الرقمي ضرورة لحياة صحية

مقالات
إعداد: محمد هاني عطوي

تقترب العطلات من نهايتها، وقد استفاد البعض من انفصالهم الرقمي مع الأصدقاء للحد من استخدام الهاتف الذكي، فهل لهذا الأمر فوائد على الصحة النفسية للفرد؟
كثير من الخبراء يحذرون من التأثيرات الضارة للشاشات الذكية والشبكات الاجتماعية على صحتنا النفسية، ودورها في زيادة القلق والتوتر، الذي بات يهيمن علينا، لكن ماذا لو تركناها قليلاً في منأى عنا؟
يرى هؤلاء أن المستفيد الأكبر من هذا الانفصال الرقمي أعيننا ونوعية نومنا، لاسيما خلال العطلات.
ومع ذلك، ينبغي حسب المتخصصين في الممارسات الرقمية، تكييف مسألة الانفصال الرقمي مع استخدامات كل شخص؛ بحيث يجب أن يكون الاتصال إذا كان لا بد منه محدوداً وليس محظوراً.
وينصح هؤلاء بالاستعاضة عن الهاتف الذكي بكتاب ورقي يكون دوماً في متناول اليد.
موقع 20 دقيقة الفرنسي الطبي، أجرى مقابلات ميدانية مع العديد من المصطافين هنا وهناك في أنحاء العالم للوقوف على حقيقة هذا الأمر.
فالنتين، 23 عاماً، واحدة من المصطافين، الذين حاولوا الابتعاد عن هواتفهم وإراحة أعينهم وأصابعهم وحتى عقولهم خلال العطلة الصيفية. تقول: «حاولت قطع الاتصال بشبكات «إنستجرام» و«سناب شات»، وحتى بأي مكالمة ورسائل نصية قصيرة هذا الصيف، خلال عطلتي.
وتضيف: «حاولت، لأنني لم أتمكن من مقاومة الرغبة في مشاركة بعض اللقطات خلال المساء مع الأصدقاء، ومع ذلك، كنت سعيدة إلى حد ما، لأنني تمكنت من قضاء اليوم وأنا أتجول هنا وهناك وعلى حمام السباحة دون الاهتمام بهاتفي وبالوقت وبمن يمكن أن يكون قد تواصل معي.. يا لها من فرحة، لقد شعرت حقاً بأنني أزلت التوتر والضغط عن كاهلي وحاولت الاستفادة الكاملة من كل لحظة».
ووفقاً لدراسة أجرتها إحدى المؤسسات البحثية على مستوى فرنسا في العام 2016، فقد سعى 19% فقط من المصطافين الفرنسيين إلى التوقف عن التواصل الرقمي أثناء رحلاتهم، وكان هذا هو حال كبار السن.
فحوالي 25% من الذين تزيد أعمارهم على 60 عاماً، مقارنة بـ 17% من الذين تقل أعمارهم عن 40 عاماً، أوقفوا التواصل الرقمي تماماً.
وتشير الدراسة إلى أن هؤلاء استفادوا من نصائح العديد من الأطباء، الذين نادوا بضرورة التمتع بالعطلات لشفاء عيونهم وظهورهم وأصابعهم والتخلص من حالة القلق لديهم عن طريق تجنب الشبكات الاجتماعية والأخبار وألعاب الفيديو.

ترويض الواقع

ويقول المصطاف ماتياس: «لكل شخص استهلاكه وتقنياته، قمت بتجميع تطبيقات الأعمال الخاصة بي في مجلد في هاتفي، وقمت بتوقيف استقبال أي إشعار، وإلغاء تثبيت تطبيق الفيسبوك بالفعل».
وتقول الأخصائية النفسية المتخصصة في الممارسات الرقمية فانيسا لالو: «حتى عندما لا نكون مدمنين على «تويتر»، فإن فصل الصيف يمكن أن يكون جيداً للانفصال عن الهاتف الذكي». وتضيف: «من المهم قضاء بعض الوقت لإعادة ترويض الواقع دون شاشة، والصيف وقت نسافر فيه بعيداً في بعض الأحيان مع العائلة، وفرصة لمشاركة أفرادها في «الحياة الواقعية» بدلاً من الحياة الافتراضية».
ومن جهته يرى المصطاف نوربرت، متصل آخر بالعالم الرقمي، أن الحل الأكثر جذرية يتمثل في الإقامة خلال العطلة في منطقة «بيضاء» أي خالية تماماً من الإنترنت، وهذا آخر خط دفاع ضد ما يسميه «بالسوار الإلكتروني» الرقمي، الذي يتم من خلاله عادة تتبع الملاحقين قضائياً، والذي يمكن أن ينقذ حياة شخص مثلما يستطيع أن يدمرها ببطء.

الهروب الأخير

والمنطقة البيضاء، حسب رأي نوربرت، هي التجربة المطلقة، والهروب الأخير، الذي سيساعدنا على تجديد علاقتنا الإنسانية، لأن الهم الوحيد أن يعيش المرء محاطاً بعائلته ومقربيه، وأن يعود إلى الأشياء الأساسية في حياته، ويأخذ الوقت الكافي للجلوس معهم، وأن ينفصل لبضعة أيام عن هذا الضغط المخيف، وغير المجدي والخطير في كثير من الأحيان.
وحتى عندما تبقى بمفردك، يمكن أن تكون العطلة بمثابة الغرفة الخاصة للتخلص من الضغط، ولذا اختارت كاثرين، التي تقاعدت في سن الـ 66، أن تقضي أسبوعاً خارج منزلها في منطقة إيكس ليه بان، لممارسة الرياضة بدلاً من التسمر أمام التلفاز. وتقول كاثرين: «أن تقضي أسبوعاً لا تفعل شيئاً، بل أن تتجول بمفردك هنا وهناك فقط، لأخذ الوقت الكافي لتأمل الهندسة المعمارية لبعض المعالم والتعرف إلى التاريخ، يعد بحد ذاته أمراً رائعاً، لأنه يعيد شحذك بالطاقة الإيجابية ويمنحك الفرصة للاستعداد لبداية جديدة في العام المقبل».
وتضيف كاثرين «الابتعاد عن الشاشات يمثل، بالنسبة للعديد من الفرنسيين، فرصة لاستئناف نشاط رياضي والنظر بمن يحيطون بهم وحتى التأمل. وتؤكد فانيسا لالو، أن «قطع الاتصال الرقمي، يمنحك الفرصة لإعادة ربط نفسك بالواقع وبالأمور الحسية وبجسدك. ومن وجهة نظر علم النفس العصبي، يحتفظ دماغنا بوضع «افتراضي» يمكن أن نشعر به، فعندما لا نفعل شيئاً، فإن عقولنا ترتاح».

التواصل المفرط

المشكلة حسب رأي المحلل النفسي والمتخصص في الممارسات الرقمية، ميشيل ستورا، أن شدة الارتباط بالأجهزة الرقمية، يؤكد لنا في بعض الأحيان، أننا نعيش حالة من الوحدة، أو أننا نمر بوضع سيئ. ولذا فإن وضع حياتنا فيما يشبه وضعية الطيران له ثمنه، والذي يمكن أن يكون مؤلماً للبعض بسبب إدمانهم على استعمال أجهزتهم الرقمية.
وإذا كان لدى الكمبيوتر المحمول وظيفة صناعية لتحسين مزاجنا أحياناً، فسوف يكتشف المرء أن ارتباطه الفائق بالعالم الرقمي، يخفي في الحقيقة قلقاً حقيقياً لديه كأن يكون مثلاً مدمناً على العمل، أو أن هناك مشكلة داخل خلية الأسرة، أو عند الزوجين، أو أنه يعاني مشكلة نفسية.
وأول من توجه له التهمة للتسبب بكل هذه الأمراض الشاشة الرقمية. ففي بعض الأحيان، يكون القلق المهيمن على الأسرة، والنابع من قلة التواصل مع ابنها المراهق، أكثر مما تبديه الأسرة من قلق بسبب استخدامه المفرط لألعاب الفيديو.

نعم للحد

يحذر الأخصائيان النفسيان المتخصصان في الممارسات الرقمية لالو وستورا، من أمر احترازي لا بد من التنبه إليه، فكل منا يمارس حياته الرقمية بشكل مختلف. وهنا من المهم أن يعرف كل منا حالته. فإذا كان المرء يعلم أنه سوف يكون أقل قلقاً في حالة استئناف اتصاله الرقمي وقيامه بفرز رسائل البريد الإلكتروني المهنية الخاصة به، فيجب عدم الامتناع عن القيام بذلك، لكن لا بد من أن يجد المرء الصيغة الخاصة به. فعلى سبيل المثال، يمكن مراجعة البريد فقط بين الساعة 9 و10 صباحاً.
يحذر ستورا، من أن «النصائح أو التوصيات المعممة تبدو غير ملائمة، وتؤدي إلى نتائج عكسية، لأنها تشعر الآخر بالذنب».
ويذكر أنه في حالة الإدمان، ينصح الأخصائيون بشكل متزايد تتبع سياسة الاستهلاك الرشيد بدلاً من التوقف المفاجئ.
ويرى ستورا، أن الذين يدافعون عن عدم وجود الشاشة الرقمية مطلقاً بعد التعود عليها، يجعلونها أكثر إثارة للآخر، لأن التخلص من التسمم الرقمي أصبح عملاً تجارياً.
ومن جهتها لا تؤيد فانيسا لالو، مفهوم الانفصال، بل لا تؤيد الامتناع أسبوعاً عن استخدام الشاشة الرقمية، بل تتمحور المسألة حول الحد منها وليس الحظر التام، خاصة أن الهاتف الذكي، يمكن أن يكون أكثر فائدة عند السفر عندما نتوه في الجبال أو في مكان ما، أو عندما نحتاج إلى مساعد مترجم في بلد بعيد أو نرغب في نقل بعض الوثائق المهمة لأمر ما بشكل سريع.

نمط رقمي صحي

تشير لالو، إلى أن الانفصال الرقمي خلال الصيف، ربما يجعلنا نتفادى مقاربة المسألة بشكل صحيح. وتقول لالو إن الشغف بالانفصال الرقمي في فصل الصيف، يجعلني أضحك فعلاً، لأنه يمكننا أن نقرر طوال العام، وفي بعض اللحظات أن نضع كل أجهزة الكمبيوتر المحمولة معاً في السلة لتجنب فتحها، من أجل أن نتناول العشاء معاً بدون تلفزيون وبدون هاتف. وتحذر لالو، من أن قضاء العطلة في «حالة رجيم رقمي»، قد يشجعنا على الاندفاع إلى أحضان الـ«فيسبوك» بمجرد العودة إلى المنزل.
وتؤكد لالو، أن الاستفادة من أيام العطلة للتفكير في احتياجاتنا الحقيقية، وفي هذا الاختراق، الذي بات إجبارياً في حياتنا في بعض الأحيان، والتفكير أيضاً، فيما يثير غضبنا أو يهدئنا، من أكثر الأمور إثارة للاهتمام.
وتضيف لالو: «أنه أثناء العطلة، وفي بعض الظروف، يكون من الأسهل الانفصال عن عالمنا الرقمي، لكن غالباً ما تكون المشكلة في إيقاع الحياة اليومية، ولذا علينا خلال هذه الفترة أن نحاول التعود على إيقاع حياة جديد، والبحث عن أسلوب حياة صحي آخر لمواصلة هذا الإجراء بقية العام، وهذا رهان آخر لممارسة رقمية أقل، لكن بشكل أفضل».