الهشاشة..هادمة لقوة العظام

مقالات

تحقيق: راندا جرجس

تصيب هشاشة العظام، مناطق متعددة في الجسم، وتستهدف الإصابة الرسغين والعمود الفقري أكثر من غيرهما، ولا تظهر أي علامات واضحة للمرض في البداية، لكن ربما يشعر الشخص بالألم عند الجلوس والوقوف، وتكون واضحة مع تطور المشكلة وحدوث المضاعفات، التي ينتج عنها قصر الطول وانحناء الظهر والأكتاف، وتكون نسبة الإصابة أعلى مع تقدم العمر وعند النساء أكثر من الرجال، وكلما تم تشخيص المرض مبكراً زادت نسبة الحد من المخاطر، وتحققت النتائج المرجوة من العلاج الذي يدعم كثافة العظام وقوتها، كما أن النظام الغذائي، يعد عاملاً أساسياً في تقليل تأثير الهشاشة على العظام.
يقول الدكتور فريد جرجيس، مختص جراحة عظام: «إن الهشاشة تنتج عندما يختل التوازن وتكون خلايا الهدم في العظام أكثر نشاطاً من خلايا البناء، ولا توجد أعراض تنبأ عن المرض في المراحل المبكرة، لكنها تظهر مع تقدم المضاعفات الناتجة عن الإصابة؛ حيث يعاني المريض آلاماً في الظهر نتيجة للكسر الانضغاطي لفقرات العمود الفقري، والذي ينتج عنه فقدان الشخص بعضاً من الطول ويصبح أقصر من قبل، كما يزيد انحناء العمود الفقري للإمام تدريجياً، وهناك بعض الحالات التي تتعرض للكسور من الإصابات البسيطة بمجرد السقوط وملامسة الأرض، وينجم عنه كسر الرسغ في اليد، أو مفصل الكاحل والفخذ في الساق».

تقدم السن

يوضح د. جرجيس، أن الإصابة بهشاشة العظام يتعرض لها النساء فوق 50 سنة أكثر من الرجال بنسبة 4 أضعاف، كما تصيب الذين يتناولون أدوية الكورتيزون لفترات طويلة، ومن يعانون مرض التهاب المفاصل الروماتويد، والمدخنين، ومن لديهم نقص فيتامين (د، ك2)، كما أن هذا المرض مرتبط بتقدم العمر بدرجة كبيرة للأسباب التالية:
* ضعف هرمون التستوستيرون في الرجال، والأستروجين عند السيدات نتيجة كبر السن؛ حيث إن هذه الهرمونات، تعد المسؤولة عن بناء العظام في الجسم.
* عدم الحصول على التغذية المناسبة نتيجة لفقدان الأسنان، ولذلك يعد استعمال الأسنان التعويضية من الأمور المهمة.
* ضعف حموضة المعدة مع تقدم السن، ما يقلل من امتصاص الكالسيوم، وإفراز العصارة الصفراوية من الحويصلة المرارية، ويمكن معالجة نقص الحموضة بتناول عصير الليمون مع معلقتين من خل التفاح على كوب ماء قبل الأكل.
* قلة الحركة بين كبار السن، وعدم ممارسة الأنشطة الرياضة؛ حيث أشارت الأبحاث إلى أن الرياضة هي أهم شيء لتقوية العظام.
* عدم التعرض للأشعة فوق البنفسجية المسؤولة عن تحول مادة في الجلد إلى فيتامين (د) لامتصاص الكالسيوم من الأمعاء، ويرجع ذلك إلى تواجد المسنين الدائم داخل الحجرة، وعدم الاستفادة من أشعة الشمس.

اختبار الكثافة

يذكر الدكتور آرون جوبالاكريشنان، مختص جراحة عظام، أن هشاشة العظام تصيب كبار السن بشكل عام، وتتميز بتناقص كبير في كثافة العظام، وتحدث بشكل تدريجي بلا ألم، ما يجعلها أكثر ضعفاً وعرضة للكسور، أما المرضى الذين يعانون زيادة خطر الإصابة، فيمكن تشخيص حالتهم في وقت مبكر عن طريق اختبار الكثافة، لحمايتهم من التعرض للكسور وتحديد مخاطره؛ حيث تقيس «كثافة معادن العظام» عدد جرامات الكالسيوم ومعادن العظام الأخرى الموجودة في كل سنتيمتر مربع من العظمة، وفي حال تم تسجيل درجة 2 أو أقل يكون الشخص مصاب بالهشاشة، أما درجة 1 إلى 2.5 فيكون هناك تكلس عظام، والذي يمكن أن يؤدي بدوره إلى هشاشة العظام في المستقبل، ويعد إجراء مسح مقياس امتصاص الأشعة السينية ثنائي البواعث، المعيار الذهبي لتشخيص المرض؛ إذ إنه يقيس الكثافة العظمية للفقرات والورك ويتميز بقيمة تنبؤية جيدة للكسور، لكنه عالى التكلفة.
وأضاف: «في حال عدم وجود أي من عوامل خطر تكلس أو هشاشة العظام أوكسر، يتم إجراء فحص كشف محيطي للمريض، للتأكد من صحة العظام، وتُستخدم الأجهزة الأصغر حجماً (مثل الموجات فوق الصوتية الكمية) لقياس كثافة العظام في محيط الهيكل العظمي، كما في المعصم أو عظم الكعب مثلاً، وعلى الرغم من أنها أسهل قابلية للنقل والحمل، فإنها أقل دقة في تنبؤ خطر الكسور، وفي حال كانت نتيجة الفحص باستخدام جهاز محيطي إيجابية لتكلس أو هشاشة العظام، حينها يوصي الطبيب المريض بإجراء مسح مقياس امتصاص الأشعة السينية ثنائي البواعث للعمود الفقري أو الورك لتأكيد التشخيص.

عوامل الخطر

يؤكد د.جوبالاكريشنان، أن العظام في حالة دائمة من التجدد؛ حيث يتكون العظم الجديد عند الصغار، وبعد سن الـ20، تتباطأ هذه العملية، ومع التقدم بالعمر تتناقص كتلة العظام وتبدأ الهشاشة بالتطور مع مرور الوقت، وهناك أسباب عدة يمكن أن تزيد من احتمالية الإصابة في وقت مبكر، وتتمثل عوامل الخطر في التقدم في السن، انقطاع الطمث مبكراً، العامل الوارثي، تاريخ سابق بالإصابة بكسور ناجمة عن هشاشة العظام، أخطاء في التغذية مثل: تناول القليل من الكالسيوم وفيتامين (D3) والتعرض القليل لأشعة الشمس، حالات سوء امتصاص الغذاء، وهناك العديد من العادات السيئة كالتناول المفرط للقهوة، والكحول والتبغ، قلة الحركة، وأدوية الهرمونات القشرية السكرية أو مضادات الاختلاج، والإصابة بالأمراض مثل التهاب المفاصل الروماتويدي والأمراض الالتهابية الجهازية.

فيتامين «د»

يبين د. جوبالاكريشنان، أنه بمجرد تشخيص المريض بهشاشة العظام، فإنه سيحتاج إلى المكملات الغذائية بجانب الأدوية المناسبة؛ حيث إنها تحد أو تمنع تطور الإصابة، ومن أهم هذه المكملات الكالسيوم وفيتامين «د» الذي يعد اللبنة الأساسية لصحة العظام، ويحتاج الرجال والنساء ضمن الفئة العمرية ما بين الـ 18 إلى 50 عاماً إلى تناول 1000 ميللغرام من الكالسيوم في اليوم، ويجب زيادة هذه الكمية إلى 1200 ميللغرام حين تتجاوز النساء سن الـ50 والرجال سن الـ70، ويسمح فيتامين «د» بامتصاص الكالسيوم بشكل كاف في الأمعاء واستهلاكه في الجسم، إضافة إلى أنه يساعد على نمو العظام والتئامها، وأفضل مصدر له هو التعرض المباشر للشمس.

مكملات غذائية

ينبه د. جوبالاكريشنان إلى أن المغنيسيوم والكالسيوم من المعادن اللذان يعملان معاً لتعزيز قوة العظام، ويوجد المغنيسيوم بالحالة الطبيعية في الأغذية مثل: خبز الدقيق الكامل والخضراوات الخضراء الداكنة والمكسرات، أما الكالسيوم، فيتوفر في منتجات الألبان كالحليب والجبن واللبنة، وهناك الكثير من المصادر غير اللبانية التي تحتوي على نسب عالية أيضاً من هذا المعدن، وتشتمل على المأكولات البحرية والخضار الورقية والبروكولي والملفوف والباميا، والفواكه المجففة، بجانب مأكولات متنوعة معززة بالكالسيوم، إضافة إلى السردين والسلمون المعلب، كما يحتوي اللوز على أعلى النسب من بين المكسرات، ويعد فيتامين «ك» من الفيتامينات التي تساعد الكالسيوم على الاختلاط بالعظام، لكن من المهم تحقيق توازن دقيق عند تناوله، فالجرعة الموصى بها منه هي 150 ميللغرام يومياً.

عادات سيئة

يشير الدكتور أحمد شريف، مختص جراحة العظام، إلى أن هناك بعض العادات الجيدة والسيئة التي نقوم بها خلال ممارسة حياتنا اليومية، ويجب الانتباه إلى أننا نستطيع أن نخفف من خطر الإصابة بهشاشة العظام، بالابتعاد عن نمط الحياة الكسول والخامل، الذي يزيد خطر الإصابة لدى الأشخاص، الذين يقضون الكثير من الوقت جالسين دون حركة، مقارنة بأولئك الذين هم أكثر نشاطًا، لذا يصف الأطباء ممارسة الرياضية بما تنطوي عليه من حمل الأوزان والقيام بالأنشطة التي تعزز التوازن وتحسّن من وضعية الجسم، كما أن المشي والجري والقفز والرقص ورفع الأثقال تبدو مفيدة بشكل خاص للعظام، وإضافة للعادات السيئة التي تعزز احتمالية المرض، هي الإفراط في تناول الكحوليات، وكذلك تعاطي التبغ الذي تبين من خلال عدد كبير من الأبحاث أنه يسهم في ضعف العظم.

تدابير علاجية

يشدد د. شريف، على ضرورة أن يكون علاج هشاشة العظام متكاملاً ومناسباً على حسب احتياجات كل مريض، فهناك طرق علاج دوائية وغذائية وطبيعية، ومن أهمها تناول الكالسيوم وفيتامين «د»، وممارسة التمارين الرياضية بما تشمل على حمل الأوزان وتقوية للعضلات، للتأكد من تأمين أكثر ووقاية ممكنة من حوادث السقوط، إضافة إلى ذلك هناك العلاج الدوائي، الذي يجب أن يكون تحت إشراف الطبيب، خاصة أن هناك مجموعات متعددة تشمل على عقاقير تزيد من نشاط الخلايا البانية للعظم، وأخرى تثبط الخلايا الهادمة للعظم، وكذلك العديد من الهرمونات، وخاصة عند السيدات أكثر من الرجال، كما يعد التغيير في نظام العلاج الدوائي عند كل مريض بشكل دوري من الأمور الشائعة في علاج هشاشة العظام؛ إذ لا نستمر بنفس النظام الدوائي بدون نهاية. ويضيف:»إن العلاج الطبيعي له دور مهم في سياق العلاج المتكامل لهشاشة العظام؛ إذ نستهدف من خلاله تقليل عبء الإعاقات المختلفة الناتجة أو المسببة لحوادث السقوط المتكرر، وكذلك مساعدة وتدريب المريض على البدء في التمارين المناسبة لحالته، لزيادة كتلة العظم والتدريب، وتحسين أداء المريض في النشاطات الحياتية اليومية، كما يوجد دور مهم للتأهيل خلال التعافي من بعض الكسور.

نسبة الشفاء

يفيد د.شريف، بأن العلاج الناجح يزيد كتلة العظم إلى مستويات مقبولة، وكذلك تقليص احتمال حدوث كسور في معظم الحالات، ومن الصعب تقديم أرقام دقيقة عن نسبة الشفاء، لكن عادة تقاس بنسبة تقليل الكسور، ولا تقل عن 50%، وتزداد باستخدام علاجات متكاملة أكثر، وعدم الاقتصار على العلاج الدوائي فقط، كما أن الطرق الغذائية عامل مهم في رفع معدلات الشفاء، وفي حال عدم قدرة أو رغبة المريض في تناول مشتقات الحليب بالكمية المطلوبة، يمكن تناول بعض المأكولات الغنية بالكالسيوم كالبيض والثوم وسمك السردين والشاي الأخضر، ومن الضروري أن يحصل الجسم على حصته الكافية من البروتين، ومن الأغذية المناسبة له فول الصويا والمكسرات والبقوليات ومنتجات الألبان والبيض إذا سمح للمريض بذلك، كما يمكن التعويض عن طريق المكملات الغذائية المحتوية على الكالسيوم.

فيتامين «ك2»

يعد فيتامين «ك2» من العناصر الغذائية المهمة لجسم الإنسان، فهو يحتوي على العديد من التأثيرات الإيجابية للصحة العامة، حيث إنه يمنع ترسيب الكالسيوم في الأوعية الدموية والمفاصل، ويقلل من خطر الإصابة بتصلب الشرايين، ويساعد في إذابة الدهون، ويحافظ على صحة القلب ويزيد من كثافة العظام، ولا سيما عند النساء بعد انقطاع الطمث، كما أنه يؤخر ظهور التجاعيد وعلامات الشيخوخة، كما يقي أيضاً الكسور ودوالي الأوردة، ويتواجد فيتامين «ك2» في الأطعمة المخمرة أو سمك السلمون، والمصادر الحيوانية مثل صفار البيض، لحم البقر، كبد الدجاج، وبعض أنواع الجبن.