الكتل الدرقية.. الأسباب متنوعة والعلاج يسير

مقالات
تحقيق: راندا جرجس

تعد مشكلات الغدة الدرقية من الأمراض الشائعة بين الأشخاص حول العالم، ولكنها تصيب النساء بنسبة كبيرة أكثر من الرجال، خاصة أثناء الحمل وبعد الولادة، وهى غدة صماء تقع أسفل العنق وتقوم بإنتاج هرمونات لها وظائف متعددة، مثل الحفاظ على درجة حرارة الجسم وتنظيم ضربات القلب وغيرها، وعادة يتعرض المريض لحدوث قصور الدرقية أو فرط النشاط في إنتاج الهرمونات، وتتسبب هذه الاضطرابات في العديد من التأثيرات السلبية ولكن يمكن تثبيطها بالتدخل العلاجي، وتكمن الخطورة في تطور المرض وظهور خلايا سرطانية في الغدة الدرقية ويصعب السيطرة عليها، وهذا ما سنتعرف عليه في السطور القادمة.
يقول الدكتور بول عون، استشاري الغدد الصماء إن الغدة الدرقية صماء صغيرة الحجم، على شكل فراشة تقع أسفل مقدمة العنق، تبعث الهرمونات التي تنتجها مباشرة إلى الدم، كما أن لها تأثيراً متنوعاً على مختلف أعضاء الجسم، وتتحكم في وظائف حيوية متعددة، ويمكن أن يتعرض أي شخص للإصابة بمشكلاتها، ولكن هناك فئات أكثر عرضة من غيرهم، كالإناث بشكل عام، وخاصة خلال الحمل ولمدة سنة بعد الولادة، إضافة إلى المصابين بأمراض المناعة الذاتية أو أبنائهم، وكذلك الذين تلقوا علاجات باليود المشع أو إشعاعات على الرقبة، ويلاحظ ارتفاع آفات الغدة الدرقية بين سكان المناطق التي تعاني نقص «الأيودين المعدني»، ومن يعانون اضطرابات في الغدة النخامية، أو من خضعوا للجراحة في هذه الغدة.
يضيف: ربما يكون سبب الاختلال في الغدة الدرقية وظيفياً، على شكل خمول أو إفراط، أو شكلياً كوجود كتل، ويتحدد في فحوص الدم، ويتم تشخيص الكتل الدرقية من خلال التصوير والخزعة أو العينة الصغيرة إذا لزم الأمر، وعلى الرغم من أن معظمها يكون حميداً، وقليلها خبيثاً، إلا أن الخبيث ينتشر في حالات معينة إلى الغدد اللمفاوية وباقي أنحاء الجسم.

آفات متعددة

يذكر د.عون أن وجود خلل في الغدة الدرقية تتراوح أسبابه بين الولادية والغذائية والجينية، ولا يمكن استبعاد الالتهابات أو العوامل المرتبطة بالحمل، بالإضافة إلى التأثيرات الجانبية لبعض الأدوية، مثل الاميودورون والليثيوم واليود، وينجم عن هذا الخلل مشاكل عديدة تطول الكثير من الوظائف الحيوية، ومنها الاستقلاب والقلب والدماغ والخصوبة، وربما تؤثر أيضاً بشكل مباشر أو غير مباشر في نسبة الكوليسترول في الدم، وعلى مستوى السكر ووظائف الكبد، وتختلف الأعراض بحسب نوع المشكلة، وحدة التغيرات، والفترة الزمنية، كالآتي:-
– تتمثل علامات خمول الغدة الدرقية في التعب، الاكتئاب، صعوبة التركيز، الشعور بالبرودة، الإمساك، جفاف البشرة وتساقط الشعر، وربما يعاني المريض من السمنة أو صعوبة في خسارة الوزن، إضافة إلى اضطرابات الدورة الشهرية، وتورم الوجه أو الرجلين، وضعف العضلات.
– أما أعراض النشاط المفرط للغدة الدرقية فيظهر في عدة أشكال كالتعب، الرجفة، التعرق الزائد، الأرق، الشعور بالحر، خسارة الوزن، الإسهال، ارتفاع معدل ضربات القلب، اضطرابات الدورة الشهرية، تضخم الغدة الدرقية وجحوظ العينين.
– يرافق وجود كتل الدرقية تضخم أسفل العنق والغدة، صعوبة في البلع، ضيق التنفس، مع تغيرات في أوتار الصوت.

عوامل محفزة

يشير الدكتور نبيل الزين استشاري الأمراض الباطنية إلى أن أورام الغدة الدرقية تصيب السيدات من عمر 30 إلى 50، بنسبة أكثر من الرجال، وهناك بعض العوامل التي تساهم في ارتفاع درجة خطورة الإصابة بسرطان الدرق مثل:
– نقص اليود المزمن نتيجة العيش بالمناطق الجبلية أو عدم تناول الكمية المنصوح بها، وهو العامل المهم في حدوث ضخامة الدرق متعدد العقيدات، ما يؤدي لظهور السرطان.
– التعرض للإشعاع الخارجي إما من البيئة أو نتيجة تناول علاج أورام الرأس والعنق وأعلى القفص الصدري بالأشعة السينية وخاصة أثناء الطفولة.

طرق التشخيص

يوضح د. الزين أن الأورام عندما تتشكل في البداية تظهر كعقيدات، يُرى الصغير منها فقط تحت المجهر، وكلما كبرت يمكن كشفها بجهاز الأمواج فوق الصوتية (لا شعاعية) وهو نفس الجهاز المستخدم عند الحوامل، وعندما يزيد حجمها يستطيع المريض أو الطبيب كشفها بالفحص السريري، وهناك علامات ودلائل تشير لسلامة تلك العقيدات أو للشبه بكونها غير طبيعية، وإذا كانت العقيدة مشبوهة، يلجأ الطبيب لعمل خزعة إبرية تُفحص مجهرياً من قبل مختص بالتشريح المرضي، وإذا لم يكن التشخيص ممكناً يلجأ حينها لاستئصال الفص الموجود به تلك العقدة المشبوهة وفحصه مجهرياً، وتتعدد أنواع أورام الدرقية وتصنف كالآتي:
– الورم الحليمي يعتبر الأكثر شيوعاً بنسبة 75% عند النساء 2.5 ضعف الرجال، ويتم اكتشافه بوجود عقدة يجدها المريض أو في الكشف عند الطبيب، ويظهر الفحص بالأمواج فوق الصوتية أو بضخامة عقد لمفاوية على أحد جانبي العنق، ويتميز بسهولة تشخيصه بالخزعة الإبرية، وينتشر إلى العقد اللمفاوية أو للرئة والعظام، أما نسبة البقاء فهي 95 % خلال 10 سنوات، لذلك يعتبر من أسلم سرطانات الدرق.
– يستهدف السرطان عادة كبار السن ما بين عمر ال 40 إلى 60 عاماً، ويصيب النساء بشكل خاص في المناطق التي تعانى نقص اليود، ويوجد مع ضخامة الدرق المتعددة العقد، ويصعب تشخيصه بالخزعة الإبرية، ويحتاج لرؤية اختراق المحفظة حوله أو الأوعية أو الأعصاب المجاورة، ويتم ذلك عن طريق الخزعة الجراحية، أما نسبة انتشاره للعقد اللمفاوية فهي 10% وتعد أقل من الورم الحليمي، وتظهر أعراضة على هيئة عقدة من دون ألم، وغير متحركة، وأحيانا توجد بحة مستمرة في الصوت، وينتشر دموياً بنسبة من 10% إلى 15% من الحالات في الرئة والعظم، أما نسبة البقاء فيه فتبلغ 95% لمن هم دون الأربعين عاماً، و80% بين 40 إلى 60 سنة.
– الورم اللبي الذي ينشأ في الخلايا الموجودة على جانب الجزء العلوي من الغدة ومعظم حالاته فردية بنسبة 80%، أما الباقي فيكون جزءاً من أورام أخرى، ويتم كشف هذا النوع بالفحص السريري، أو عن طريق مدى ارتفاع الهرمون، أو كليهما، وقياس نسبة ارتفاع هرمون الكالسيتونين أو كليهما.
– الأورام الخبيثة الأخرى التي تصيب الغدة الدرقية تُشكل نسبة أقل من 12%، وعادة ما تكون أكثر خبثاً وانتشاراً عدا الليمفوما، ولا تستجيب للعلاج الاعتيادي لليمفومات في معظم الحالات.

علاجات حديثة

يؤكد د. الزين أن علاج معظم السرطانات التي تظهر في الغدة الدرقية جراحي بالدرجة الأولى، نظراً لكونها موجودة تحت الجلد، ويشمل استئصال شبه كامل للغدة للحفاظ على العصب الحنجري الراجع، وتجنباً للبحة الدائمة، عسر البلع، استنشاق السوائل، والأطعمة في حال قطعه، وكذلك جارات الدرق الأربعة الموجودة خلف الغدة، والذي يؤدي لهبوط حاد بكلس الدم في حال أذيتها أو استئصالها، ثم يتم إعطاء المريض اليود المشع للقضاء على ما تبقى من النسيج الورمي.
يكمل: في حالات السرطان يعطى المريض الهرمون الدرقي بجرعة مثبطة للدرق، للحد من تحفيز مستقبلي لأي خلايا باقية أو يمكن أن تنمو في المستقبل بعد الجراحة والعلاج باليود المشع، كما يجب أن يهتم المريض بالمتابعة دورياً بإجراء مع الطبيب المعالج بالكشف السريري وعدة فحوص دموية تحدد من خلال نوع الورم، وأيضاً عمل أشعة الأمواج فوق الصوتية والمسح الكامل للجسم باليود المشع بحسب عوامل النكس لكل نوع من السرطان.
يوضح الدكتور إدريس مبارك مختص الغدد الصماء أن قصور الغدة الدرقية، يعني أنها غير قادرة على إنتاج كميات ملائمة من الهرمون، ويعد السبب الأكثر شيوعاً لهذا النشاط المتدني أن مناعة الجسم الذاتية ألحقت ضرراً بالغدة، ويمثل نقص اليود عاملاً مهماً ولاسيما في المناطق المرتفعة، وكان ذلك شائعاً بين الأشخاص قبل عام 1980، وتمت معالجته بإضافة عنصر اليود إلى ملح الطعام، وفي بعض الأحيان، يحدث القصور بسبب عيوب إنزيمية في الدرقية أو التكوين غير الطبيعي لها منذ الولادة، كما يمكن أن تتأثر بالتعرض للإشعاعات أو ببعض الأدوية مثل الليثيوم، ما ينجم عنه قلة إنتاجها، ويؤدي ذلك إلى ظهور بعض الأعراض على المريض مثل: الإرهاق، الآلام، الأوجاع، جفاف البشرة، التحسس المفرط من البرد، الزيادة في الوزن، الإمساك، تورم القدم والوجه، تدهور الحالة المزاجية، ضعف الذاكرة، وتساقط الشعر، ويمكن للسيدات أن يعانين من عدم انتظام في الدورة الشهرية وصعوبة في الحمل.
يضيف: يصبح علاج قصور الغدة الدرقية سهلاً بمجرد تأكيد التشخيص بالمشكلة، ويتم العلاج من خلال استبدال هرمون الدرقية، وهو متوفر بسهولة بجرعات مضاعفة مختلفة كما أنه آمن ومناسب لجميع الفئات العمرية وكذلك للحوامل أيضاً.

فرط النشاط

يببن د. مبارك أن فرط النشاط يعني زيادة في إنتاج هرمون الغدة الدرقية، وتعد المناعية الذاتية من الأسباب الأساسية، وكذلك العقيدات شديدة النشاط المستقلة في الغدة، سواء المفردة أو المتعددة، وربما يحدث زيادة إنتاج الهرمون نتيجة بعض الأدوية المستخدمة لعلاج اضطرابات إيقاع نبض القلب، وتظهر الأعراض على شكل التحسس المفرط من الحرارة العالية، التعرّق الزائد، تسارع نبض القلب، رجفة اليد، خسارة الوزن، تهيج الجلد، ووهن العظام، ويتم التشخيص أو الاشتباه بالإصابة بناء على السمات الإكلينيكية، ومن ثم التأكيد عن طريق فحص مستويات الهرمون، والذي يدعى أيضاً باختبار وظيفة الغدة الدرقية، ويشمل الاختبار على نسبة الهرمونات التي تنتجها، وكذلك فحص التصوير بالموجات فوق الصوتية والدوبلر الملون للغدة الدرقية، وفحص الأجسام المضادة أو التصوير النووي.
يكمل: تتراوح علاجات فرط نشاط الغدة الدرقية ما بين الأدوية المضادة، واستخدام اليود المشع الذي يتناوله المريض لتدمير الخلايا شديدة النشاط، كما تعتبر الجراحة إحدى الخيارات العلاجية في حال كان المريض يعاني تضخماً كبيراً في الغدة، أو لديه حساسية من الأدوية المضادة.

فوائد اليود

يعتبر اليود من العناصر والمعادن الأساسية المفيدة لجسم الإنسان، خاصة للحفاظ على توازن عمل الغدة الدرقية، من دون التعرض لخلل أو نقص وفرط نشاطها الذي يؤثر سلبياً في المريض، ويسبب الوهن والتعب المستمر وبعض المضاعفات الأخرى، ويحتاج البالغون إلى 150 ميكروجراماً تقريباً من اليود في اليوم، وربما تزيد النسبة للحوامل والمرضعات، ولكن يجب أن تكون تحت إشراف الطبيب، وتعد الأسماك البحرية أغنى المصادر التي تحتوي على كمية جيدة من هذا العنصر المهم وخاصة سمك القد والتونة والجمبري، وكذلك البيض ومنتجان الألبان.