السكتة الدماغية.. التشخيص السليم مفتاح النجاة

مقالات

تحقيق: راندا جرجس

يؤدي عدم وصول الدم إلى المخ للإصابة بالسكتة الدماغية، التي تعد من أخطر الأمراض، وتتسبب في العديد من المضاعفات الصحية والنفسية للشخص المصاب؛ حيث إنها تؤثر في الحركة، وتُحدث تنميلاً في أطراف أحد جوانب الجسم، وصعوبة في الكلام، وعدم الاتزان، وفقدان الذاكرة، إضافة إلى مشاكل في الوجه والإبصار والاكتئاب؛ نتيجة عدم القدرة على رعاية الذات بدون مساعدة الآخرين، ويمكن أن يتفاقم الأمر، وتنتج عنه إعاقة مؤقتة أو دائمة، ويعد التدخين والسمنة وأمراض الشيخوخة من أكثر العوامل التي تجعل الإنسان مهدداً بالجلطة الدماغية، وتزيد من معدل الخطر، وعلى الرغم من أن الخطة العلاجية تبدأ من تفكيك التخثر الموجود في الدم، فإن المريض يجب أن يخضع لجلسات مع معالج النطق وأخصائي العلاج الطبيعي، وكذلك يحتاج إلى برامج إعادة التأهيل التي تساهم في استعادة مرونة الحركة للعضلات، وكيفية الاعتماد على النفس.
يقول الدكتور عاصم الحاج استشاري جراحة الأعصاب: إن هناك بعض الأشخاص الذين يعتقدون أن أمراض السكتة الدماغية غير قابلة للشفاء، ولكن هذه المعلومة غير صحيحة، ومن الممكن أن يعود الشخص المصاب بها لممارسة الحياة الطبيعية كما كان قبل إصابته، وفي بعض الأحيان أفضل مما سبق؛ نتيجة تأثيرها السلوكي والحركي فيما قبل معرفته بالتشخيص الصحيح، ويكون ذلك عن طريق إعادة تأهيل المرضى المصابين بالسكتة الدماغية، وهي برامج بسيطة؛ لكنها تحتاج إلى الوقت والجهد.
يضيف: عندما يتوقف أو يتعرقل تدفق الدم إلى أحد أجزاء الدماغ تحدث السكتة الدماغية أو جلطة المخ، ما يحرم الأنسجة الموجودة في هذه المنطقة الدقيقة من الأكسجين ومواد التغذية الحيوية، ونتيجة كل ذلك تتعرض خلايا المخ للموت خلال دقائق؛ لذا تعد هذه المشكلة المرضية من أخطر الإصابات، وتندرج تحت قائمة حالات الطوارئ الطبية التي تحتاج للعلاج الفوري؛ إذ يمكن من خلاله تقليل الأضرار الدماغية، ومنع المضاعفات المحتملة التي تحدث للمريض بعد السكتة، كما أصبح بالإمكان معالجة الإصابة بالسكتة، عن طريق رفع مستوى السيطرة على معظم عوامل خطر الإصابة؛ مثل: فرط ضغط الدم، التدخين، وفرط الكوليسترول في الدم الذي يعد السبب الرئيسي لانخفاض نسبة الحالات المرضية.

إعادة تأهيل

يوضح د.الحاج أن إعادة تأهيل وعلاج المرضى المصابين بالسكتة الدماغية، يكون في الكثير من الأحيان ضرورة حثيثة؛ لدمج المصاب في المجتمع كما كان قبل الإصابة؛ حيث إن المرضى يتعرضون لرحلة علاجية طويلة بين الأدوية المتنوعة والجراحة في بعض الأوقات، ما يجعل بعض المصابين بحاجة إلى برامج إعادة التأهيل المتعددة طويلة المدى، والتي تنقسم بين العلاج الطبيعي، والوظيفي، وإصلاح حالات النطق والتخاطب، والعلاج النفسي، وطرق التغذية، وأيضاً علاج التحكم في المثانة، وتجدر الإشارة إلى أن هناك العديد من برامج العلاج والمناهج المختلفة بين المدارس الطبية التي تختلف وفقاً لأبحاثها حول أفضل الطرق في إعادة التأهيل، ويجمع الأطباء إجمالاً على ضرورة تقييم مريض السكتة الدماغية من قبل مختص العلاج الطبيعي خلال 24 ساعة من الإصابة؛ لتحديد برنامج العلاج المناسب للحالة، ولا ينصح بإجراء أنشطة مكثفة خارج السرير في غضون هذه الساعات؛ حيث إن مريض السكتة الدماغية يفقد التوازن بالحركة، وفي بعض الحالات لا يوجد لديهم أي إحساس بالأطراف أو المشاعر، فيقوم المعالج ببعض تمارين الحركة؛ لضبط هذا التوازن، للجلوس والوقوف، والمشي بضع خطوات، ومن ثم الوقوف، ليتابع بعدها المشي مرة أخرى.

برامج تحفيزية

يشير د. الحاج إلى أن هناك العديد من البرامج التأهيلية لمرضى السكتة الدماغية، ولكل مريض برنامجه الخاص الذي يختلف عن الآخر، كما تتفاوت درجه الشفاء أيضاً، ويرجع تحديد نوع برامج المعالجة للفريق الطبي ومختص إعادة التأهيل كالآتي:
* ينتقل بعض المعالجين لأجهزة المحفزات العضلية الكهربائية التي تساعد على عدم فقدان الكتلة العضلية قوتها، وتؤدي لسرعة تجاوب المريض، إضافة للتحكم وتقوية العضلات لمقاومة الإجهاد الذي يشعر به المصاب؛ نتيجة ضعف الجهاز العضلي، ولتحفيز القوة العضلية ومساعدتها على التحكم في التشنجات العضلية.
* استخدام أحواض الماء التي تساعد على تنشيط العضلات؛ من خلال المشي بداخلها ومحاولة تمرين عضلات اليدين والأرجل خلالها.
* يتبع البعض العلاج عبر التدريبات أمام المرآة لما لها من عامل في تحفيز وتذكير خلايا المخ بالحركات الإرادية التي كان يقوم بها المريض.
* بعض المعالجين يستخدمون الروبوتات الآلية في تحريك أجزاء جسم المريض، ومساعدته بحركات الأطراف، فهي داعمة في بعض الأحيان للمريض المصاب بالسكتة الدماغية.

أسباب وأعراض

تذكر الدكتورة إقبال سراج (أخصائية الطب الباطني) أن السكتة الدماغية تعني عدم قدرة جزء من الدماغ على القيام بوظائفه، وتحدث الإصابة بصورة مفاجئة خلال ثوانٍ عندما يتوقف جريان أو تدفق الدم إلى الجزء المصاب من المخ، نتيجة انسداد في الشريان الموصل للدم بجلطة دموية وتسمى السكتة الدماغية الإفقارية، أو حدوث نزف من الشريان المتفجر وتسمى بالسكتة الدماغية النزفية، كما ينجم تورم نتيجة عدم وصول الدم لتغذية الجزء المصاب من المخ، ما يؤدي إلى عدم قدرته على أداء وظائفه وحدوث الأعراض الأخرى المصاحبة للسكتة الدماغية التي تحدث خلال وقت وجيز، وربما تكون خفيفة أو شديدة، ويرجع ذلك إلى مكان وحجم الجزء المصاب من الدماغ، ويمكن أن يعاني المريض بعض العلامات المرضية التي ترافق الإصابة، وتتمثل في:
* تغير في الحواس كالسمع، البصر، الإحساس والتذوق بدرجات متفاوتة.
* ضعف في العضلات، ويؤدي إلى تقليل الحركة بشكل طبيعي.
* خلل في التوازن، مستوى الوعي والذاكرة، التنفس، ضربات القلب، التوازن.
* عدم التنسيق في حركات الجسم.

طرق تشخيصية

توضح د. سراج أن تشخيص الإصابة بالسكتة الدماغية يتم من خلال معاينة المريض بالكشف السريري في أسرع وقت؛ لتحديد علامات القصور في وظائف الدماغ، والكشف عن المشاكل الصحية التي يمكن أن تكون سبباً لحدوث الإصابة، ويكون ذلك بسؤال المريض أو أفراد عائلته لمعرفة حالته الصحية قبل حدوث السكتة الدماغية، وكذلك معرفة عاداته الاجتماعية، وأنواع الأدوية التي يستخدمها إن وجدت، ثم يقوم الطبيب بإجراء فحوص مخبريه للدم تساعد في التشخيص، وعمل الأشعة المقطعية، والرنين المغناطيسي وصور بالموجات فوق الصوتية للقلب وشرايين العنق؛ لتساعد في تحديد مكان ونوع السكتة الدماغية، إضافة إلى تخطيط القلب الذي يساهم في تشخيص سبب الإصابة.
تضيف: هناك بعض الأسباب التي تساهم في زيادة معدل الإصابة بالسكتة الدماغية، مثل داء السكري، ارتفاع ضغط الدم، الكوليسترول، السمنة، التدخين، شرب الكحول، تاريخ إصابة أحد الأقارب بنفس المرض، الرجفان الأذيني أو مشاكل أخرى في القلب، وزيادة سيولة أو ارتفاع جلطات الدم، التقدم في العمر، العرق، واستخدام بعض الأدوية.

مضاعفات ومخاطر

توضح الدكتورة أناندي داموداران، (أخصائية أمراض الأعصاب) أن السكتة الدماغية تُعد حالة طبية طارئة تنجم عن نقص التروية الدموية في الدماغ، وتختلف مسببات الإصابة باختلاف العمر؛ إذ تزيد عند الأطفال إلى الاعتلالات الدموية أو أمراض القلب الصمامية الخلقية والمكتسبة منها على حد سواء، أما بالنسبة للبالغين فهنالك العديد من الأسباب التي تقود إلى حدوثها مثل: الأمراض التي تصيب الصمامات القلبية، الرجفان الأذيني وغيره من الاضطرابات في نظم القلب، ارتفاع ضغط الدم وداء السكري، وعسر شحميات الدم، تضيق أو انسداد الشريان السباتي الذي يحمل الدم إلى الدماغ، آفات المناعة الذاتية، بعض الأدوية مثل حبوب منع الحمل، التدخين وتناول المشروبات الكحولية، الاعتلالات الدموية مثل فرط كريات الدم الحمراء، اضطرابات تخثر الدم.
تضيف: ينجم عن الإصابة بالسكتة الدماغية حدوث عدد من المضاعفات الفورية التي يتعرض لها المريض، كالوذمة الدماغية التي تعرف بأنها زيادة في الضغط داخل الجمجمة، ما يؤدي إلى الغيبوبة والوفاة، نوبات الصرع، الالتهاب الرئوي، تخثر الأوردة العميقة في الساقين، وامتداد السكتة الدماغية، أما المخاطر اللاحقة التي تحدث بعد فترة من الإصابة تتمثل في قرحات الضغط، الاضطرابات البولية، نوبات صرعية متأخرة، تشنجات في المفاصل وألم في الكتف، الاكتئاب.

طرق علاجية

تؤكد د. داموداران أن أساليب علاج السكتة الدماغية تتباين بين العلاجات الطبية والجراحية؛ وذلك تبعاً لنوع ومستوى الإصابة؛ إذ تتوفر علاجات محددة تُتيح تذويب الخثرة لدى المريض حال وصوله للمستشفى في غضون 4 ساعات ونصف الساعة من إصابته بها، ولتسهيل تشخيص الحالة، لا بد من تذكر بعض النقاط المهمة عند دخول المريض إلى المستشفى، كالشعور بضعف في منطقة الوجه، أو وجود خدر في الذراع، حدوث اضطرابات في الكلام، والوقت الذي مر قبل وصوله للمستشفى؛ حيث إنه يتحدد من خلال هذه المعلومات إمكانية المسارعة بتفكيك الخثرة المسببة للإصابة بالاستئصال الآلي من خلال تمرير قسطرة في الوعاء الدموي، وتشمل الخيارات العلاجية الأخرى تناول عقارات تخفف من الضغط داخل الجمجمة أو استخدام مضادات التخثّر مثل الأسبرين وكلوبيدوغريل، فضلاً عن أدوية الكوليسترول، وربما يتطلب الأمر عملاً جراحياً؛ لتخفيف الضغط داخل الجمجمة، وتعقبه علاجات داعمة؛ مثل: الرعاية التمريضية، والعلاج الفيزيائي ومشكلات النطق والعلاج الوظيفي للحيلولة دون ظهور مضاعفات السكتة الدماغية.
تضيف: هنالك العديد من الأسباب التي تؤدي إلى تكرر الإصابة بالسكتات الدماغية، مثل عدم القدرة على التحكم بضغط الدم وداء السكري والكوليسترول، فضلاً عن التدخين والسُمنة ونمط الحياة الخامل؛ ولذلك لا بد من السيطرة على عوامل الخطر وممارسة التمارين المنتظمة، والحصول على قسط مناسب من النوم، وتجنب التوتر للوقاية من التعرض للإصابة.

تقنية التحفيز العميق للدماغ

استخدم الباحثون مؤخراً تقنية التحفيز العميق للدماغ، التي يتعالج بها مرضى داء باركنسون، لمساعدة المرضى المصابين بالأمراض التي تؤثر في الجهاز العصبي، مثل السكتة الدماغية، وتتسبب بالإعاقة الدائمة، حيث إنها تساهم في استعادة قدرتهم على الحركة، عن طريق زرع أقطاب كهربائية في مناطق معينة من الدماغ لتحفيز النشاط العصبي من جديد، ودعم عملية التعافي الطبيعية للدماغ، وتتم هذه العملية بالتزامن مع برامج إعادة التأهيل المتعددة والمكثفة، حتى يستطيع المريض قطع مسافة كبيرة في التعافي والشفاء من كل المضاعفات التي تعرض لها، سواء الحركة، أو النطق، ما يؤثر بشكل إيجابي في حالته النفسية.