الكسور الإجهادية.. مرض الرياضيين

مقالات

يبذل بعض الأشخاص مجهوداً كبيراً سواء في ممارسة الرياضة، أو أداء بعض الأعمال والمهام اليومية، الأمر الذي يتسبب في تعرضهم لبعض الإصابات، ويأتي على رأس قائمة هذه الإصابات كسور الإجهاد.
ويعرّف الباحثون هذه النوعية من الكسور بأنها شقوق صغيرة في العظم، سبب الإصابة بها القوة المتكررة، والتي تأتي من الاستخدام المفرط للعظام في بعض الأنشطة، كالقفز للأعلى والأسفل، والجري مسافات طويلة، أو غيرها من السلوكيات المجهدة.
يمكن أن ترجع الإصابة في بعض الحالات إلى ضعف العظام، نتيجة وجود أمراض كهشاشة العظام، وبالتالي فإن هذا الشخص يصاب بكسور الإجهاد، بالرغم من عدم بذله لأي مجهود زائد.
ونتناول في هذا الموضوع مرض كسور الإجهاد بكل تفاصيله، مع بيان العوامل والأسباب التي يمكن أن تؤدي إلى هذه الحالة، وكذلك أعرضها المميزة لها عن غيرها، ونقدم طرق الوقاية التي ينصح بها الباحثون، وأساليب العلاج المتبعة والحديثة لهذه المشكلة، وأيضاً الدراسات التي أجريت في هذا الشأن.

أكثر الفئات

تكشف دراسة بريطانية حديثة انتشار الكسور الإجهادية في عظام الساق السفلية، وكذلك القدم، وهي العظام المسؤولة عن حمل وزن الجسم، ويعتبر من أكثر الفئات تعرضاً للإصابة بها الرياضيون، وبخاصة من يمارسون مسابقات العدو وكرة السلة، وكذلك من يحملون معدات لمسافات طويلة وكذلك الحقائب الثقيلة.
وتظهر دراسة سابقة أن اللاعبات الإناث أكثر تعرضاً للإصابة بكسور الإجهاد من الذكور، وبصفة عامة فإن أي شخص عرضة للإصابة بهذه الحالة، وذلك عندما يبدأ بممارسة برنامج من التمارين الرياضية، ويبذل مجهوداً كبيراً فيه خلال وقت قصير.
وكان أول وصـــــف لحالة كسور الإجهاد عام 1855، وتشـــير الإحصاءات إلى أن 30% من إجمالي هذه الإصابات بسبب النشاط الزائد.

اختلاف النشاط

تعرّف المنظمة الطبية في أمريكا الكسور الإجهادية بأنها كسر كامل أو جزئي، وسببه وجود خلل في التوازن بين العبء المستمر الضاغط على العظمة، وبين قدرتها على التوافق مع هذا العبء.
وتبلغ نسبة الإصابة بكسور الإجهاد في عظمة الساق حوالي 51% من الكسور، في حين أن إصابة عظام المشط تبلغ 21%، وفي عظمة الفخذ 8% من الإصابات.

الألم غير ملاحظ

يلاحظ أن الألم الذي يرتبط بكسور الإجهاد لا يكاد يلاحظه المصاب، وذلك في بداية الحالة، غير أنه لا يلبث أن يزداد بشكل تدريجي مع مرور الوقت.
وينشأ الألم في كثير من الحالات في منطقة محددة، غير أنه يقل مع الحصول على الراحة، ويمكن أن يعاني المصاب تورماً في المنطقة التي يشعر فيها بالألم، وتظهر أعراض كسور الإجهاد في الغالب على هيئة تورم وألم في مكان من القدم أو الساق.
ويجب على من يعاني هذه الحالة الحصول على استشارة طبية، وبالذات في الحالات التي يصبح الألم فيها شديداً، وكذلك إذا ظل الوجع مستمراً مع الالتزام بالراحة.

نشاط شديد

وتقول الدراسة إن السبب الرئيسي وراء الإصابة بكسور الإجهاد شدة النشاط الذي يمارسه الشخص، وبصفة عامة فإن العظام تتكيف بشكل تدريجي مع الأحمال الزائدة، وذلك بإعادة التشكل.
وتزداد سرعة هذه العملية الطبيعية بزيادة الحمل على العظم، ويتم تدمير أنسجة العظام خلال التشكل ثم إعادة بنائها، فيما يعرف بالارتشاف.
وترتشف العظام التي تتعرض لقوة غير مألوفة، لكن دون الحصول على وقت كاف لتعافي الخلايا، وذلك بشكل أسرع من قدرة الجسم على الاستبدال، ما يجعل الشخص عرضة أكثر للإصابة بهذه الحالة.
وتزيد فرصة الإصابة كذلك لدى من يمارسون بعض الرياضات بعينها، ومن ذلك كرة السلة والتنس والجمباز وألعاب الميدان.

الانتقال المفاجئ

يمكن أن يصاب هؤلاء الذين ينتقلون بصورة مفاجئة من الخمول إلى نظام التدريب النشط، وكذلك من يزيدون من كثافة جلسات التدريب والمدة والشدة.
وتزيد فرصة الإصابة لدى النساء، وبخاصة من يعانين في فترات الحيض من الانقطاع أو تكون غير طبيعية ومضطربة.
وتتسبب مشاكل القدم أيضاًَ في الإصابة بكسور الإجهاد، كالقدم المسطحة أو التقوس الشديد والصلب، كما أن ارتداء الأحذية البالية يتسبب في حدوث هذه المشكلة.
ويمكن أن تزيد بعض الأمراض كهشاشة العظام فرصة الإصابة، وكذلك وجود إصابة سابقة بكسور الإجهاد يزيد من هذه المشكلة، وفي بعض الحالات يرفع نقص المواد الغذائية خطر الإصابة، كنقص فيتامين «د» وكذلك الكالسيوم.

فحص بدني وأشعة

يعتمد تشخيص الكسور الإجهادية على معرفة التاريخ الطبي للشخص المصاب، مع فحصه بدنياً، كما أن الطبيب يسأل المريض عن مستوى وحجم النشاط البدني له قبل إحساسه بالألم، وفي كثير من الأحيان يلجأ الطبيب إلى إجراء فحوص تصويرية.
وتشمل هذه الفحوص أخذ صور بالأشعة السينية، وإن كان يعيب هذه الصور أن الكسور لا تظهر بشكل واضح فيها، إلا بعد مرور عدة أسابيع، حيث تظهر تغيرات تشير إلى وجود هذه الكسور.
ويمكن أن يتلقى المصاب جرعة صغيرة من مادة مشعة عبر أنبوب وردي، حيث تتراكم هذه المادة غالباً في مناطق العظام الخاضعة للإصلاح، وتظهر في صورة الأشعة كأنها نقطة بيضاء، وتتشابه عدة أنواع من مشكلات العظام في هذا الفحص.
وتشـــخص الكســور الإجهادية فـي الأسبوع الأول من الإصـــــابة، وذلك باســتخدام التصوير بالــــــرنيــــــن المغناطيســــي، ويمكـــــن أن يصور كذلك إصابات الإجـــــهاد المنخفضــــة قــــــبل أن تظهر التغيرات في الأشـــعة الســـينية، ويعـــتبر هذا النوع من الفحــــص أفضل في التفرقة بين إصـــــابات الأنســجة الرخــوة وكــسور الإجهاد.

الراحة والشفاء التلقائي

يقول الباحثون إن علاج كسور الإجهاد يعتمد بصورة كبيرة على الراحة، وفي الغالب فإن كثيراً من الحالات تشفى بشكل تلقائي إذا التزمت بالراحة، دون وضع عبء إضافي على العظمة المصابة.
ويفيد تخفيف الحمل التدريبي كذلك في بعض الحالات، وبصفة عامة فإن مدة الراحة التي ينبغي أن يلتزم بها المصاب تختلف بحسب شدة الكسر ومكانه. ويمكن أن يحتاج المصاب إلى ارتداء الأحذية طويلة الرقبة، أو الدعامة أو استخدام العكازات، وذلك حتى يقلل من الضغط على العظام التي تحمل الوزن، حتى يتم الشفاء، ويعاني حوالي 10% من المصابين من عدم التئام الكسر.

خيار الجراحة

تحتاج بعض الحالات إلى إجراء عملية جراحية، وذلك عندما يتأخر التحام الكسر لمدة طويلة، وكذلك في المناطق التي يكون بها نقص في إمداد الدم.
وتعتبر الجراحة خياراً مقترحاً بالنسبة للرياضيين المبتدئين، والذين يريدون العودة بشكل سريع إلى ممارسة الرياضة أو عملهم، وكذلك بالنسبة للعمال الذين ينطوي عملهم على التعرض لكسور الإجهاد.
ويمكن أن يواجه بعض المصابين خطراً أعلى من الإصابة بالكسور الإجهادية، وذلك في الحالات التي تفتقد إلى علاج الأسباب الكامنة وراءها، كما أن هناك بعض الكسور لا تشفى بصورة ملائمة، وبالتالي ربما سببت ألماً مزمناً.

إجراءات للوقاية

تنصح دراسة أمريكية حديثة بعدد من الإجراءات التي تساعد على الوقاية من كسور الإجهاد، ومن ذلك أن تكون ممارسة البرامج الرياضية بشكل بطيء، والتقدم فيها بصورة تدريجية.
ويجب أن يتأكد الشخص من أن الحذاء الذي يرتديه مناسب للنشاط الذي يمارسه، وفي حالات القدم المسطحة لا بد من ارتداء دعامات التقوس المخصصة لهذه الحالة.
وينبغي من أجل الحفاظ على قوة العظام التأكد من احتواء النظام الغذائي على الكمية المناسبة من الكالسيوم وفيتامين «د»، والعناصر الغذائية الأخرى.
ويفيد وضع أكياس الثلج على المنطقة المصابة، وذلك حتى يقل التورم ويخف الألم، ويوصي الباحثون بهذا الإجراء، وفقاً لوضع المريض وطبيعة الإصابة، وربما يصل المعدل إلى 4 مرات في اليوم، بما لا يقل عن ربع ساعة في المرة الواحدة.
ويبدأ المصاب في استئناف أنشطته السابقة بشكل تصاعدي، وذلك بعد موافقة الطبيب، فيستأنف الأنشطة ذات التأثير العالي كالجري بصورة تدريجية، مع زيادة الوقت والمسافة بصورة خفيفة.